تورطت حكومة السيد عادل عبد المهدي المستقيلة مرة أخرى في حدث محلي ذي ابعاد إقليمية ودولية خطيرة، وذلك عندما أقدمت فصائل محسوبة على هيئة الحشد الشعبي العراقية يوم 31 كانون الأول-ديسمبر 2019 بدخول المنطقة الخضراء المحصنة بسهولة ومن ثم محاولتها اقتحام السفارة الامريكية ردا على قيام واشنطن يوم 29 من الشهر نفسه بضرب مواقع لحركة حزب الله العراقي المنضوي تحت لواء الهيئة رسميا بحجة قيام الاخير بضرب قاعدة (ك 1) الامريكية في كركوك وتسببه بقتل متعاقد مدني امريكي وجرح عدد من الجنود الأمريكيين والعراقيين.

ان الهجوم الأمريكي على مواقع حزب الله في القائم تسبب بمقتل أكثر من 25 شخصا واصابة أكثر من خمسين آخرين، فضلا عن تدمير كبير للمواقع المستهدفة. وبصرف النظر عن الأسباب التي دفعت واشنطن الى هذا العمل، ومدى دقة معلوماتها عن الجهة التي استهدفت قاعدتها، فان عملا بهذا الحجم والتوقيت والبيئة الأمنية والسياسية غير المستقرة كان متوقعا له ان يترك تداعيات كبيرة، كما ان الرد عليه في لعبة (الضربة بضربة) التي تخوضها طهران وواشنطن في الأرض العراقية كان –أيضا- محسوم وبدرجة كبيرة.

ولكن الرد الذي حصل بدخول الخضراء ومحاولة اقتحام السفارة الامريكية يُظهر بدرجة كبيرة لا تقبل الجدل ضعف حكمة الحكومة العراقية والقوى الرئيسة المهيمنة عليها، فهو الى جانب كونه خطأ لا يُغتفر، فإن له تداعيات وعواقب وخيمة على سمعة الدولة العراقية، ومستقبل قياداتها السياسية، وذلك لأسباب عديدة، منها:

- ان السماح لمواطنين عراقيين مدنيين، وفصائل عسكرية محددة بدخول المنطقة الخضراء شديدة التحصين بهذه السهولة وبتواطئي او بالإكراه للقوات التي تتولى حمايتها يجعل هذه القوات تفقد الشعور بعدالة قضيتها، وستجد انه لا مبرر اطلاقا يحول بينها وبين السماح للمتظاهرين الموجودين في ساحة التحرير وغيرها من الساحات بالدخول ايضا الى الخضراء، وهذا يعني على المستوى الرمزي سقوط مدوي لهيبة الخضراء وهيبة من فيها.

- كما ان هذا الدخول للخضراء أرسل رسالة خاطئة للطرف الثاني المحتج على الحكومة العراقية (ساحات التظاهر) مفادها ان هناك متظاهر تفتح له أبواب الخضراء وآخر تغلق بوجهه، الاول امين والثاني خائن او شبه خائن بنظر السلطة، وهذا بحد ذاته سيقسم الشارع ويضعف تماسكه، وستكون لذلك ارتدادات قادمة خطيرة، تزيد من حدة ونقمة المتظاهرين، بل وربما تحفزهم على تصعيد مطالبهم الرافضة للحكومة الى مستوى جديد غير متوقع.

- قيام قيادات عراقية بارزة في الحكومة (فالح الفياض مستشار الامن الوطني وقائد الحشد الشعبي، وابو مهدي المهندس نائب قائد الحشد الشعبي، وهادي العامري رئيس تحالف الفتح البرلماني وقائد فيلق بدر، وقيس الخزعلي زعيم عصائب اهل الحق وغيرهم) بقيادة مسيرة احتجاجية ناقمة وقع فيها خرق للقانون الدولي، باستهداف سفارة اجنبية تحمي وجودها الاتفاقيات الدولية الموقع عليها من قبل الحكومة العراقية، وترديد شعارات غير مناسبة قربها سينعكس سلبا على هذه القيادات بطريقة ما في المستقبل.

لقد كان بإمكان هؤلاء القادة تحريك اللعبة من خلف الستار بدلا من الظهور العلني، وان يكون الرد في مكان آخر غير المنطقة الخضراء ومبنى السفارة الامريكية، ولكن يبدو ان حكمتهم لم تسعفهم في هذا الامر، الا ان الشيء المؤكد هو ان ظهورهم العلني كان خطأ محضا لمن يفهم، ولا يُقدم على فعله رجال الدولة ابدا.

- محاولة تشتيت الجهد السياسي المطالب بالإصلاح بخلق فعاليات استعراضية جانبية، سواء من قبل الحكومة او بعض الاجنحة السياسية المشكلة لها، لا يعد سلوكا جيدا لرجال دولة يدركون أن مصالح بلدهم العليا على المحك، فضلا على صورته وسمعته الدولية، فقد وصلت رسائل عدة من خلال هذا العمل بفقدان القيادات في بغداد لقدرتها على حل ازماتها الداخلية، وحماية التزاماتها الدولية، وان المحرك لأفعالها وقراراتها جهات خارجية، وهذا بحد ذاته يشكل قدحا جسيما في سيادة العراق وقدرته على تقرير مصيره، كما سيضعف ثقة العالم بالتعهدات الدولية لحكومته الحالية والحكومات القادمة.

- من الخطأ الاعتقاد أن محاولة اقتحام السفارة الأمريكية كانت مجرد ردة فعل غاضبة لضحايا وعوائل شهداء الحشد الشعبي، بل كانت رسالة ايرانية صريحة للرد على حرق قنصلياتها في النجف وكربلاء، اكدتها الشعارات والكتابات في موقع الحدث، ويخطأ كثيرا من يظن أن واشنطن لن ترد على هذه الرسالة برسالة ما ايضا فوق الأرض العراقية، ليكون الخاسر الاكبر في هذه اللعبة الملعونة العراق وشعبه.

ان وضع العراق اليوم شبيه بكرة الرعب التي تشكلها ذكور الثعابين حول أنثاها اثناء مرحلة التزاوج، والتي لا ينتهي الصراع فيها الا عندما تختار الانثى زوجها المنشود. ولكن مشكلة بغداد -اليوم- انها لا تتقن فن الاغراء والجذب لتكون هي المستفيدة في النهاية من صراع ذكور الثعابين، لذا تجدها عاجزة امامهم، وتسقط فريسة سهلة لهم جميعا، الا ان هذه الثعابين سوف لن تكتفي بأخذ نشوتها منها، انما هي عازمة –ايضا- على نهش لحمها، وتكسير رأسها، ومصمصة عظامها، ومنعها من حرية وحق الاختيار لترميها بعد ذلك في سلة نفايات التاريخ لا ترى، ولا تُرى.

- ظهور لعبة مظاهرات الشارع مقابل الشارع لا تبني دولة في العراق، فالدول تبنى من خلال العقد الاجتماعي الناتج عن وجود قيادات تدرك حتمية التغيير، وشعب مُصر على احداث التغيير. ومن يحاول تأخير التوصل إلى هذا العقد، يرتكب جريمة عظمى، ففعله منافي لسنن الحياة، وفيه ظلم كبير لدماء وتضحيات شعبه. لقد سبق لحكام أوروبا من الملوك والباباوات ان اتخذوا كل السبل الممكنة، وأقساها، وأفظعها، لمنع التغيير في بلدانهم، الا انهم تفاجئوا بتطور المطالب بعد اجيال عديدة الى درجة بزوغ افكار عنيفة مكبوتة من أمثال "ان الخلاص لا يتم إلا بإعدام آخر ملك بمصارين آخر قس"، فسقطت الملكيات والبابوية بحركات متطرفة شديدة كانت هي السبب في ظهورها وتناميها وقسوتها.

ان الحقيقة التي لا جدال فيها هي ان حياة البشر أطول من ان يقررها بصيغة نهائية جيل واحد، وان تراكم الغضب عبر اجيال عديدة ممكن ان يتحول إلى بركان في جيل ما يقضي على اولاد او احفاد الجيل الذي لم يؤمن بحتمية التغير ولم ينفتح عليه، هذا إذا تأخر حصول الانفجار في الجيل المعني نفسه، فما تزرع الان ستحصده غدا. لذا من مصلحة الطبقة السياسية العراقية ان لا تكون الجيل الممهد لبركان اجيال قادمة لن تقبل بمصادرة ارادتها.

- الانتصار الحقيقي لا يكون بضرب عدو قاهر او خلق حروب غير متكافئة، فالانتصار الحقيقي هو ان تتجنب الحروب واصطناع الأعداء، وتعمل على بناء دولة تمتلك زمام القوة لتفرض إرادتها في الزمان والمكان المناسبين... ان حماقة العرب والمسلمين جعلتهم فاشلين وعاجزين عن بناء دولة مثل سنغافورة ذات ال ٥ ملايين مواطن، فأي حماقة تدوم ولا يوضع حد لها دليل على جنون مطبق. ما يعني ليس من مصلحة بغداد (حكومة وشعبا) التورط في حروب مع قوى اقليمية ودولية تفوقها قوة وقدرة ولديها العزم على ايقاع الضرر بها، فالصراع الايراني-الامريكي أمر حاصل لا مفر منه، ومن الضروري ابعاد العراق عن محرقته الدامية والمدمرة.

- الصراع الدولي والإقليمي ليس جديدا على العراق، فما نراه اليوم من صراع بين واشنطن والرياض وطهران وغيرها، عاش العراقيون أمثاله -على الاقل- في الاربعة قرون الممتدة من مطلع القرن السادس عشر الى مطلع القرن العشرين بين طهران واسطنبول، فكان العثماني يُظهر نفسه كحامي حمى سنة العراق، والصفوي كحامي حمى شيعة العراق... والنتيجة كلاهما كانا كاذبين، فقد كانوا يدافعون عن مصالحهم ويتخذون العراقيين مطايا لهم اكتوت بنارهم عشائر العراق جميعها من الخزاعل وشمر وعنزة وبني مالك والاجودي وال غزي وآل فتلة وبني حسن والجبور... وغيرهم وليس من مصلحة ابناء هذه العشائر تكرار مآسي أجدادهم.

وعليه، فان الحكومة والطبقة السياسية العراقية مطالبة بالتوحد على ثوابت وطنية تحمي مصالح العراق وتتجنب تبديد طاقات أبنائه وهدر ثرواتهم في صراعات اقليمية ودولية لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

كلمة أخيرة، ورد في صفات الاحمق انه يغضب من غير شيء، ويتكلم بما لا ينفع، ويأتمن كل شخص، ويصدق كل كلام، ويعطي المال في غير حقه، ولا يعرف صديقه من عدوه... فعلى قادتنا السياسيين الابتعاد عن استدامة لباس الحماقة، والتركيز العملي على سماع واتباع صوت العقل والحكمة، اذ ليس مناسبا لمن يحكم العراق ان يكون أحمقا.

* الأستاذ الدكتور خالد عليوي العرداوي، مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2020
www.fcdrs.com

عبير جاسم
كيف يكون "تحريك اللعبة خلف الستار" للرد على جريمة استشهاد ثلاثين عراقياً بنيران الاميركيين؟ يفترض بالكاتب أن يأتي بمثال يقترحه -ولو مضى عليه الوقت- لقادم الأيام قبل ان ينتقد اعتراض الحشد الشعبي على مقتل عناصره وهو رد فعل طبيعي، أما عن انعكاسات الحادث على الشارع العراقي، فاعتقد ان العدوان الأميركي وحّد الشعب العراقي ولم يقسمه، فكما اجتمع الجميع في ساحات الاعتصام ومطالبة برحيل الفاسدين، فانه اليوم توحد ثانية لرحيل الاميركيين او على الأقل؛ القوات الأميركية وتقليص اعدادهم، مع احترامي للكاتب، الحديث بهذا الشكل عن المتظاهرين أخرجهم من كونهم مؤثرين وعلى مقربة من تحقيق أهدافهم بعد كل هذه التضحيات، فصاروا يخشون "التخوين" من الحكومة!! وانهم مهمشون ولا تعتني بهم، بينما كنا نقرأ سابقاً ان الحكومة هي التي تخشى المتظاهرين وتحسب لهم الف حساب.
من العقل والحكمة ان نقف مع الشعب العراقي ومع العراق كله، وليس مع اميركا ولا مع ايران، حتى لا يكون كلامنا دواءً بمضاعفات خطيرة.2020-01-02
انقر لاضافة تعليق