مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية العراقية المطالبة بالتغيير واصلاح بنية النظام السياسي العراقي الحالي، وبعد استقالة حكومة عادل عبد المهدي وتحولها الى حكومة تصريف اعمال، عادت الاختلافات البرلمانية والسياسية والشعبية حول شخصية رئيس الوزراء الجديد ودوره في إكمال مسيرة التغييرات السياسية.

إن مسألة اختيار رئيس حكومة مابعد حكومة عادل عبد المهدي المستقيلة، تطرح العديد من التساؤلات يتصدرها تساؤل مهم وهو هل يتعين الالتزام بالأطر الدستورية في اختيار رئيس الوزراء الجديد؟

في الحقيقة لامناص من الالتزام بالأطر الدستورية في أي تغيير دستوري، حتى وان كان يستهدف الدستور ذاته، فحيث لاوجود لإعلان حالة طوارئ، وحيث حرص الجميع على مبدأ التداول السلمي للسلطة، ويمكن إيجاد المخارج الدستورية لكل الإشكالات التي قد تطرح في طريق إجراء التغيير المنشود والمرضي للشعب. وهذا بدوره يطرح تساؤلات جوهرية تتعلق بآلية اختيار الحكومة، وعمرها دورها في المرحلة الحالية، وعلى ذلك نسلط الضوء اولا على آلية اختيار الحكومة الجديدة، من سيرشح رئيس الوزراء الجديد؟

طبقا للدستور وقرارات المحكمة الاتحادية العليا فإن الكتلة الاكبر في مجلس النواب هي التي تملك اختصاص تقديم مرشح لرئاسة مجلس الوزراء، سواء كانت ذات الكتلة الانتخابية التي فازت بالعدد الاكثر من المقاعد النيابية واحتفظت بأكثريتها بعد تشكيل المجلس، أو الكتلة التي تحرز الاكثرية عن طريق التحالفات، وكما هو معلوم، في اختيار حكومة عبد المهدي تحالفت كتلة سائرون مع كتلة الفتح وكتل اخرى وشكلوا اغلبية، أما اليوم وتحت ضغط التظاهرات الشعبية العارمة انفرط عقد جميع التحالفات البرلمانية، واصبح الموقف في مجلس النواب منقسما الى اتجاهين، الاتجاه الاول تمثل بمجموعة كتل ترفع تخويلها لرئيس الجمهورية لتكليف مرشح يحظى بقبول المحتجين في ساحات التظاهر، والمجموعة الاخرى اعلنت تخويلها الصريح للشعب المنتفض من اجل اختيار رئيس حكومة جديد، فما هو المخرج الدستوري لكلا الاتجاهين؟

بالنسبة للاتجاه الاول المتمثل بتخويل رئيس الجمهورية لتكليف شخصية مقبولة شعبياً حتى وان حقق اكثرية عددية فهو مخالف للدستور، لأن اختيار المرشح لرئاسة الحكومة هو من اختصاص مجلس النواب طبقا للمادة (76) من الدستور وما لرئيس الجمهورية إلا التكليف والتكليف مرحلة لاحقة للاختيار، بالتالي فإن تخلي مجلس النواب عن اختصاصه في الترشيح لرئيس الجمهورية لا أساس له من الدستور وهو يتعارض مع حكم المادة (47) من الدستور والتي نصت على ان السلطات الاتحادية تمارس اختصاصاتها ومهماتها على أساس مبدأ الفصل بين السلطات ، إضافة الى خلو الدستور من أي نص يبيح لمجلس النواب تفويض اختصاصاته كلا او جزءا للسلطة التنفيذية، سواء كانت ممثلة برئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء ، بل ومن الخطأ القول بتنازل النواب عن حقهم في ترشيح رئيس الوزراء كما هو متداول اليوم، لأن النواب لايملكون حقوق اصلية ولا مكتسبة في أي سلطة او اختصاص ممنوح في الدستور حتى يتنازلون عنها، انما هي سلطات واختصاصات ومسؤوليات يكلفون بها وفقا لتفويض الشعب عن طريق الانتخابات، وتحت سقف الدستور، وبذلك نصل الى نتيجة مفادها عدم دستورية ما ذهب اليه هذا الاتجاه من تخويل رئيس الجمهورية اختصاص اختيار المرشح لرئاسة مجلس الوزراء.

أما الاتجاه الثاني، والذاهب الى تخويل المحتجين في ساحات التظاهر، باختصاص اختيار رئيس الحكومة الجديدة، فإن هذا الاتجاه يمكن سلوكه بشكل غير رسمي، لأنه وعلى الرغم من كون الشعب هو صاحب السلطة الأصلية، الى ان الأطر الدستورية لاتدعم هذا التوجه أيضا لوجود عدة اشكالات دستورية وفنية في ذات الوقت نلخصها بالآتي:

أولا: آلية الاختيار، كيف سيتم التوصل الى اختيار رئيس الحكومة عن طريق ساحات التظاهر؟ هل يتم ذلك بإجراء انتخاب مباشر؟ أم مجرد استفتاء؟ لا يوجد في أي نظام سياسي انتخاب مباشر لرئيس الوزراء ولا حتى استفتاء لاختياره، ناهيك عن احكام دستور جمهورية العراق لسنة 2005، وفي حال تم الاتفاق على اعتباره اجراء استئناسي من قبل النواب لغرض الرجوع الى رأي الشعب المنتفض في ترشيح شخصية مقبولة.

فهذا يحتم تطبيق هذا الاجراء في كل المحافظات المنتفضة دون اقتصاره على العاصمة، بل ان فلسفة الديمقراطية واصولها تحتم ماهو ابعد من ذلك، وهو اشراك جميع الناخبين وفي كل محافظات العراق، بالتالي فإن الذهاب بهذا الاتجاه بشكل رسمي غير مقبول دستورياً ولا دولياً، ولامناص من اتمام ذلك بشكل غير رسمي.

حيث يمكن اجراء الاتصالات بين النواب وساحات التظاهر لغرض استقبال قوائم مرشحيهم، وهذا يتطلب التنسيق بين المتظاهرين في كل المحافظات المنتفضة والاتفاق على آلية للترشيح ومن ثم رفع قائمة بالأسماء الى مجلس النواب، بعدها تتبنى الكتلة الأكبر( وهذا يتطلب تسمية واضحة لها) تقديم المرشح لرئاسة الحكومة، حتى يقوم رئيس الجمهورية بعد ذلك بتكليفه لغرض تشكيل مجلس الوزراء وبالطرق الدستورية المعروفة وبذلك يمكن تحقيق الإرادة الشعبية وبالطرق الدستورية.

ثانيا: عمر هذه الحكومة واختصاصاها، في حال انتهينا من مسألة اختيار الحكومة برئيسها ووزرائها، فهل ستكون حكومة انتقالية محددة الاختصاصات؟ ام حكومة برلمانية كاملة الاختصاصات؟ وإذا كانت كاملة الاختصاصات، هل ستكمل مدة التكليف التي انتهت عندها الحكومة السابقة؟ ام ستكون حكومة لأربع سنوات مقبلة؟

بخصوص الحكومة الانتقالية، لا يوجد في الدستور أي حكومة بهذا التوصيف، بالتالي فإن تشكيل حكومة انتقالية هو أمر غير دستوري، حتى لو اتجهت الإرادة الشعبية والسياسية نحو اجراء انتخابات تشريعية مبكرة، بعد حل مجلس النواب الحالي، إذاً ما هو المخرج الدستوري لذلك؟ في الحقيقة إن الأمر مرهون بمجلس النواب ومدة بقاءه في الولاية التشريعية ذلك إن الحكومة البرلمانية ترتبط ببرلمانها وجوداً وعدماً (دون العكس) مالم يسحب عنها الثقة او تستقيل، لأنها حكومة خارجة من رحم البرلمان، وبمجرد حل البرلمان تعد الحكومة مستقيلة وتتحول الى حكومة تصريف اعمال لحين تشكيل مجلس نواب جديد والذي بدوره ينتخب رئيس جمهورية جديد، يقوم بتكليف رئيس وزراء جديد.

معنى ذلك انه اذا تم التوجه نحو خيار الانتخابات التشريعية المبكرة، فليس مهماً توصيف الحكومة سواء كانت حكومة انتقالية بصلاحيات محددة أم حكومة بصلاحيات كاملة، فهي بكل الاحوال ستعد مسقيلة عند حل مجلس النواب، وهذا ما يدعمه الدستور في المادة (64) منه والتي نصت على ان (... ثانيا: يدعو رئيس الجمهورية، عند حل مجلس النواب، الى انتخابات عامة في البلاد خلال مدة اقصاها ستون يوماً من تاريخ الحل، ويعد مجلس الوزراء في هذه الحالة مستقيلا، ويواصل تصريف الامور اليومية).

أما بخصوص صلاحيات هذه الحكومة أو بكلام أدق ماهو مطلوب من هذه الحكومة القيام به خلال هذه الفترة، فيمكن اشتراط ذلك بالبرنامج الحكومي الذي يتقدم به رئيس مجلس الوزراء للحصول على ثقة المجلس استناداً للمادة (76) من الدستور( .. رابعا: يعرض رئيس مجلس الوزراء المكلف، اسماء وزارته، والمنهاج الوزاري، على مجلس النواب، ويعد حائزاً ثقتها، عند الموافقة على الوزراء منفردين، والمنهاج الوزاري، بالأغلبية المطلقة....).

بالتالي يفترض تقيد رئيس الحكومة الجديد بماهو مطلوب منه خلال هذه الفترة مابين استكمال القوانين المطلوبة من مجلس النواب تشريعها، حل المجلس، واجراء الانتخابات التشريعية المبكرة، بحيث لايتم التصويت على منهاج الحكومة في حال عدم تضمنه المهام المطلوبة منه، وعدم التصويت على المنهاج الحكومي يعد فشلا للحكومة الجديدة في الحصول على ثقة البرلمان، فالنص الدستوري واضح، التصويت بمنح الثقة يتضمن شقين الحكومة واعضاؤها، والمنهاج الحكومي، عدم تحقق الاغلبية المطلقة لأي منهما يعني عدم منح الثقة لهذه الحكومة، وبهذه الطريقة نكون قد أطرنا المطالب الشعبية بالإطار الدستوري المقبول دون الوقوع بأي مأزق دستوري.

* الدكتورة ميسون طه الزهيري، عضو ملتقى النبأ للحوار، استاذة القانون الدستوري جامعة بابل

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق