في أحيان كثيرة تكون الديمقراطية الزائفة أعتى من الدكتاتورية، وتبلغ في التخريب مبلغا يتعذر وصفه، والديمقراطية الزائفة وسيلة محببة لفاعلين سياسيين تهيمن عليهم رغبة عارمة لبلوغ السلطة، ويظنون انهم تحايلوا على الشعب وأوهموه ببريق آلياتها، فينغمسون بالسلطة ويهملون البناء الذي يندر ان يتحول لفعل حقيقي.

لكنهم غالبا ما يتخذونه شعارا للتضليل والخديعة، وفي سكرات الانتشاء لا يتوانون عن انتهاج مختلف الأدوات في صراعهم ضد الخصوم والمنافسين بما في ذلك العنف وافتعال الأزمات والاحتماء خلف الدين والمذهب والقومية، وقبول البعض أن يكون ذيلا لأطراف أجنبية، يستعينون بها في الصراع المحتدم، متناسين انها تغلّب مصالحها ولا يعنون لها شيئا خارج هذا الاطار، ومع ادراكهم لذلك الا ان مغريات السلطة تعمي أبصارهم وبصيرتهم عما لحق بشعبهم من مآس، وتضع غشاوة على قلوبهم من تحسس مشاعر الانتماء التي يفترض ان يتحلى بها كل من يسبغ صفة القائد على شخصه.

وانتجت الديمقراطية الزائفة كما هائلا من الفاسدين الذين طغت ضوضاؤهم على الأصوات الوطنية التي تتطلع بصدق لبناء الوطن، لكن عجلة الفساد الضخمة تسحق كل من يقف في دربها حتى يبدو للناظر وكأن الساحة قد خلت من اولئك الذين وضعوا الوطن في شغاف القلب، وهذا ما حدث خلال تجربتنا السياسية الماضية التي ينتفض الشباب ضدها بروحهم الوطنية وأدواتهم السلمية كاشفين عن رؤية واضحة لإصلاح العملية السياسية التي جذرت المحاصصة واشاعت الفساد وعمقت الضغائن وفتتت المجتمع وغيّبت المواطنة، وبالمحصلة عادت بالعراق قرونا الى الوراء .

فمن غير المعقول أن ينتفض الشباب لتغيير المسار نحو الاتجاه الصحيح، بينما تقابلهم السلطات الرسمية وغير الرسمية بالموت والاتهام بالعمالة، بينما تقتضي الموضوعية الاعتراف ان المسيرة الماضية كانت خاطئة، وان مضامين الاصلاح التي طالب بها الشباب مشروعة، فلماذا ترفض هذه السلطات تصويب مساراتها وتعديل آلياتها وتنقية منظومتها من الفاسدين والمجرمين، والعمل على وضع أحجار تأسيسية سليمة لبناء وطن بهوية واضحة؟.

ان معاداة الانتفاضة ومواجهتها بطرق غير شرعية، والايغال في قمعها، وتقديم ذرائع بائسة للمنظمات الدولية، يكشف ان الأحزاب المهيمنة وقياداتها لا تريد التفريط بالسلطة وما يترتب عليها من امتيازات ونفوذ، غير مدركة لموقف الأزمة وما ستؤول اليه مستقبلا، ذلك ان قمعها والمراهنة على الزمن او الظروف الجوية، لا يعني سوى ترحيل لغم كبير للمستقبل قد ينفجر بأية لحظة، وربما تكون نتائجه مشابهة لما حدث في النموذج السوري او مقاربا لما جرى في عام 2003 او وضع العراق تحت الوصاية الدولية ورهن ارادته واستقلاله، وملاحقة الأطراف المسببة له، بينما لا نريد لهذا أن يحدث، لما فيه من خسائر بشرية ومادية، واغتيال لحاضر العراق ومستقبله.

وبما ان مطالب الشباب الأساسية مشروعة، فليس أمام الجهات الماسكة بالسلطة سوى الاستجابة لها، والحوار مع مضامينها وتنقيتها مما هو حاد ومتطرف ومختلف بشأنه، اما تسويف المطالب والالتفاف عليها لن يخمد الأزمة بشكل حقيقي، لذلك على الجميع اغتنام هذه الفرصة التاريخية لإحداث التحول المنشود وتعديل المسارات للارتقاء بالبلاد، ولاسيما ان العديد من الأطراف بضمنها الماسكة بالسلطة قد اعترفت بأخطاء التجربة، وهو اعتراف يبرر تبني خارطة طريق مرضية للشعب بكافة ألوانه، وأظن ان الجميع متفق على ضرورة تشكيل حكومة انتقالية بلا طموح سياسي مهمتها تحقيق الاصلاحات ضمن اطار زمني معلوم، لكن الاشكالية مَنْ يرأس هذه الحكومة؟.

ذلك ان ساحات التظاهر لا تقبل بالسياقات الدستورية السابقة، وسترفض أي مرشح يتقدم به المشاركون بالعملية السياسية ولديها من المبررات ما يكفي، كما ان هذه الكتل لا تقبل بمرشح يقدمه الشباب المنتفض، ولديها بشأنه مخاوف عديدة، وهذا يضع رئيس الجمهورية في زاوية حرجة، كما قد تعمق ترشيحاته المحتملة الأزمة وتعقدّها، لذلك لابد من حكومة محايدة، والحل يكمن في القضاء بوصفه جهة مستقلة، وتتمتع بنسبة ثقة عالية لدى الشعب، فتكليف أقدم القضاة بتشكيل الحكومة يمكن أن ينتشلنا من المأزق الذي نحن فيه.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق