ماذا تفيد الكراهية؟ انها وسيلة لبناء الذات، فالجماعة لا يمكنها بناء ذاتها من خلال قيمها الخاصة فقط، بل يجب ان تكون هناك صورة اخرى يتم المقارنة بها وتوضيح مركزيتها، كما انها بحاجة الى الكفاح من اجل استمراريتها، وهذا لا يتم الا من خلال وجود عدو يجب التغلب عليه.

العدو يختلف بحسب قيم الجماعة، فالجماعات التي تهتم بالاستثمار الاقتصادي يكون خصمها الاول هو الطبيعة التي يجب التغلب عليها من اجل تحقيق نتائج اقتصادية مميزة، فتجدها تتميز بالابتكارات العلمية الهائلة، وتتقدم على الدول الاخرى، ورغم ما تتميز به من اقتصاد تبقى تكافح من اجل التقدم، في حركة تشبه اللولب، حياة من العمل والجهد للتقدم العلمي والاقتصادي.

في بعض الدول التي تغلب عليها الأيدلوجيا المتطرفة تجد ان وضعها مختلف عن الدول الاخرى، لأنها لا تكافح من اجل التغلب على العقبات الحقيقية التي تواجهها، مثل الطبيعة وتحدياتها، انما تعمل مثل عقليات الحكام في العصور الوسطى، فبدل انشاء نظام جديد لتحسين حالة الجماعة، تقوم بتوكيل الامر الى طرف ثالث، تطرح فكرة وجود قوة خارقة خارج اطار قدرة الانسان، وحينما تحدث بعض الكوارث الطبيعية يتم لعن هذه القوى الخارجية الوهمية الشريرة، فضلا عن التقرب من القوى الخيرة والتي تاخذ صفة الالهة.

اين نحن اليوم؟

هل نحن مثل الدول التي تؤمن بطريق العلم والتخطيط السليم ام اننا نفكر بعقليات العصور الوسطى الملوثة بالاوهام؟

فلنتتبع حجم الحديث عن العدو الخارجي في سياق الاحاديث الاجتماعية، اذهب الى احد المقاهي واسمع كم مرة تتهم بعض الدول الخارجية بتدمير العراق، واستمتع بالعقلية الهائلة لتتبع عالم المخابرات وقدرتهم على الدخول في قلب وكالة المخابرات الامريكية واعظم اجهزة التجسس في العالم، بالطبع اغلب تلك الاحاديث اوهام واكاذيب سياسية، فالشخص القادر على كشف كل هذه المخططات لا يمكن ان يكون سليما عقليا وهو لا يستطيع ان يصلح الحفريات الصغيرة في الشارع المواجه لبيته.

يقدم لنا الفرنسي بيار كونيسا تصورا عن حالة صنع العدو، اذ يؤكد أنه ليس هناك تصنيف نقي بصورة كاملة بالنسبة للأعداء، إذ كثيراً ما تختلط الأنواع المختلفة في صراع واحد، ثم يقدم ثمانية أصناف من الأعداء الذين نصنعهم، أو نصطنع العداوة معهم ليصبحوا وقود الالتفاف القومي أو الوطني وأشياء أخرى مهمة إستراتيجيا.

وهم: العدو القريب الذي نشترك معه بحدود جغرافية، العدو العالمي وهو المنافس في خصومة قوتين تعطيان لأنفسهما أبعاداً عالمية (الحرب الباردة)، العدو الحميم (الحرب الأهلية)، العدو الهمجي (المستعمَر في نظر المستعمِر)، العدو المحجوب (نظرية المؤامرة)، حرب الخير ضد الشر، العدو التصوري (فعل إمبريالي للقوة العظمى)، العدو الإعلامي وهو ما كان الغرب يحاربه بعد الفراغ الذي أنتجته الحرب الباردة.

ويؤدي العدو دوراً اجتماعياً وسياسياً ضرورياً في المجتمعات المعاصرة؛ بحسب ما يرى كونيسا.

ما يلاحظ على عملية صناعة العدو في العراق انها تقدم في فترة بناء مشاريع جديدة، وتذهب الى ايقاف الانشطة العامة، ففي فترة الحرب الطائفية توقفت اغلب انشطة الحكومة العراقية بحجة مكافحة الارهاب، وبقيت الحكومة تضخ نسبة عالية من الكراهية لهذا العدو الارهابي، بالطبع هذا العدو بغيض ومجرم، لكن ليست كل المشاكل هو من تسبب بها (اي الارهاب)، بل ان هناك من استغل هذا العدو من اجل تنفيذ اهدافه على حساب الوطن، ظهر الفساد في قمة الحرب الطائفية لان الفاسدين ينشؤون في ظل هذه البيئة، وكبرت مافيات الفساد بشكل مرعب حتى جاءت لحظة الحسم عام ٢٠١٤ عندما احتلت داعش مناطق شاسعة من العراق.

علينا الحذر من الروايات التي تتحدث عن مؤامرات الأعداء ضد الوطن، ليس لأننا نتعاطف مع هؤلاء الأعداء، فهم كثر وكل دولة لديها من الأعداء ما يكفيها، انما لان عملية صنع العدو والتسويق له والتخويف منه غالبا ما تكون خلفها اهداف سيئة ومشاريع تتعارض وروح الوطن وأهدافه السامية، ومع بزوغ فجر التظاهرات الشعبية منذ شهر تشرين الأول وحتى الان بات البلد امام حالة من صناعة العدو وإنتاج للاعداء يفوق ما انتجته الحرب الطائفية، فما زالت عقلية (معنا او ضدنا) هي التي تتحكم في مسار الواقع السياسي والاجتماعي، وما زال اللوم يلقى على الأوهام بعيدا عن الحقائق، اننا نسير في لولب من الصناعة الحرفية العالية للاعداء، وكلما تخلصنا من عدو او تلاشت فائدته يتم صنع عدو جديد.

انقر لاضافة تعليق