"الاستشارية حقيقة في باطن الحكم، حالها حال الروح السائدة في الجسد"
المرجع الراحل السيد محمد الشيرازي

المجتمعات الديمقراطية او كما يطلق عليها المرجع الراحل السيد محمد الشيرازي المجتمعات (الاستشارية) هي المجتمعات التي تنعم في ظل نظام ديمقراطي مستقر حقق الرفاه والتقدم والحرية لجميع الافراد ضمن حدوده الجغرافية، وبالتالي وجود نوع من العلاقة القائمة على مبدأ الثقة المتبادلة بين الحاكم والمحكوم في إطار عقد اجتماعي ناجح يعتمد معيار الواقعية والعقلانية، وعليه فان: "المجتمع الاستشاري هو الذي تربط أفراده علاقات روحية متبادلة، سواء العلاقات بين أعضاء الحكومة، أو بين الحكومة والشعب، أو بين الشعب والحكومة، في إطار الواقعية والعقلانية، وبذلك سيكون الحكام على مستوى راق من الشعور بالمسؤولية، وبالمقابل سيدعم الشعب الحكام باستمرار دون الالتجاء إلى العنف".

ولم تأت العلاقة (الاستشارية) التي ولدها هذا النظام من الحكم بين الحاكم والمحكوم او بين المسؤول والمواطنين من فراغ او عن طريق الصدفة، وانما عبر أجيال طويلة من العمل الدؤوب والإصلاح المستمر والكفاح ضد الاستبداد وممارسة التغيير وتراكم الخبرات والتعرض للكثير من الهزات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية حتى وصل المجتمع الى حالة من الاستقرار والقناعة بنظام واقعي وعقلاني يضمن حقوق الجميع ويحقق العدالة الاجتماعية ويمنع وصول الدكتاتورية او المستبدين الى الحكم، فالاستشارية "لیست بالألفاظ، ولا بتسطير دستور يتضمن نصه الحريات والعدالة وما أشبه ذلك (وانما) حقيقة في باطن الحكم، حالها حال الروح السائدة في الجسد، لا في الألفاظ والأعلام والدستور فحسب، ويعرف وجودها وعدمها من آثارها، فإن ظهرت تلك الآثار، فالاستشارية موجودة وإلا فهي مفقودة".

البيئة الصالحة للاستشارية

قبل التفكير بضرورة وجود نظام ديمقراطي حقيقي يمثل تطلعات الشعوب نحو الحرية والكرامة والرفاه والعدالة الاجتماعية، لابد من التفكير بضرورة وجود بيئة صالحة لهذا النظام، والمقصود هنا (المجتمع) القادر على التفاعل مع الاستشارية من اجل تحقيق الاستقرار والتوازن والتفاعل الإيجابي بين الاثنين، وقد أشار السيد الشيرازي الى هذه الحقيقة بالقول: "أن النظام الديمقراطي (الاستشاري) إنما يتمكن من العمل على أحسن وجه في البيئة الصالحة، فكلما كانت البيئة أصلح كان النظام أقدر على العمل، فإن الدولة إنما تتكون من الأمة، والأمة إنما تتكون من الأفراد، وكيف كانت الأفراد كانت الدول، وقد ورد (كيفما تكونوا يولى عليكم)، فإن الثمرة إنما تكون من نحو الشجرة، وهل يظهر التفاح من شجرة الحنظل، وهل يعطي العنب شوكاً".

"وعلى هذا فاللازم على المصلحين تعاهد الأمم بأفرادها ليكونوا صالحين بوجود المعاني السامية فيهم، من التواضع والإيمان، وصحة المواعيد، واحترام الكلمة، والشورى في الأمور، وحب الخير للناس، والتعاون والأريحية، وتقبيح القبيح وتحسين الحسن، والإتقان، والتضحية والاندفاع وغيرها، نعم للأفراد والمنظمات والأحزاب والكتل أن تختلف في الذوق والعمل والاجتهاد، لكن ليس لهم الاختلاف والانطواء على المعاني الشريرة، والمؤامرات وتحيين الفرص لنيل بعضهم من بعض، وغيرها من أسباب التأخر والانحطاط، فكلما كانت الأمة بأفرادها في الصعود، كانت الديمقراطية (الاستشارية) أحسن وأكمل وأتقن وأقدر، والعكس بالعكس".

تحقق الاستشارية

وبذلك يمكن وضع شرطين لتحقيق بيئة مناسبة او مجتمع استشاري:

1. وجود المصلح: وجود قادة مصلحین امر حتمي لنجاح اي تغيير حقيقي في اي مجتمع، والمصلح بمثابة المحرك الحقيقي لدفع المجتمع نحو تحقيق الإصلاح والقضاء على الموروث المتخلف وإزالة العقبات التي تعترض طريق الإصلاح، وهناك الكثير من المصلحين عبر التاريخ كان لهم الدور الكبير في ترك الأثر والتأثير في المجتمعات واصلاحها، ولنا في مدرسة الإصلاح الخالدة، الامام الحسين (عليه السلام) الدرس والعبرة في الإصلاح، وكما اوجزها المرجع الراحل: "إن من يريد الخلاص من الذل والعبودية، ومن يريد العزة والسعادة، فعليه أن يتعلم من مدرسة أبي الأحرار الإمام الحسين (عليه السلام) درس الشهامة والشجاعة، وسمو النفس وعزة الروح، والاستقلال الفكري ورفض العبودية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإصلاح المجتمع وإنقاذ الإنسان، والجهاد ضد الظلم والطغيان".

وأضاف: "إن سيد الشهداء الإمام الحسين (سلام الله عليه) عبر نهضته المباركة دل الأجيال على الطريق، وأوضح عن السبيل لعلاج مشاكل المجتمع، والحصول على سعادة الدنيا وكرامة الآخرة، وحينما كان المجتمع الإسلامي يلتزم شيئاً ما بتلك التعاليم الإسلامية كان يعيش العزة والسعادة والرفاه والكرامة، ولم يكن يعرف شيئاً من هذه المشاكل الموجودة اليوم".

2. مجتمع قابل للإصلاح: الاستعداد الروحي (النفسي)، والعقلي (الواقعي)، للمجتمع وقدرته على قبول الاصلاح وتغيير الموروث والعادات والقيم والاعراف والخرافات والمعتقدات البالية، واحلال القيم الانسانية والفضائل الحميدة والاخلاق السامية التي فطر الانسان عليها، هي اولى درجات النجاح في سلم المجتمعات القادرة على التفاعل مع الاستشارية والحفاظ عليها من الانهيار، والا فان العديد من الامثلة التاريخية عن مجتمعات قد "ازدهرت فيها الديمقراطية ولو في الجملة، لكن لما لم يكن كل الشعب آهلاً بالمعاني السامية، لم يمر زمان إلا وسقطت فيها تلك الصورة، وسيطر عليها الديكتاتوريون بمعونة الاستعمار الخارجي، بينما لو كان الشعب منطوياً على تلك الفضائل لم يتقبل الديكتاتور، ولم يجد عملاء الغرب والشرق سبيلاً إلى الإطاحة بالديمقراطية ولو الصورية منها".

الشورى طريق الاستشارية

ان اهم طريقة لاعتماد الاستشارية او (الديمقراطية) كاسلوب للحياة وطريقة للتعايش بين الناس من قبل الجميع بحسب اختصاصهم ومكانتهم، وكما يراها السيد محمد الشيرازي هو: "اعتماد الشورى في كل صغيرة وكبيرة ترتبط بالبلاد والعباد"، باعتبارها الخيار الأنسب والاقرب لتحقيق الاستشارية او الديمقراطية لأنها ببساطة تعتمد على منح الجميع حق إبداء الرأي ليكون جزء من منظومة المشورة وبالتالي جزء من عملية البناء الديمقراطي للدولة والمجتمع.

وتعتبر (الشورى) من اهم المبادئ والمثل العليا التي طرحها الإسلام الحنيف وسعى الى تطبيقها الرسول الأعظم (صل الله عليه واله وسلم) واهل بيته الطيبين (عليهم السلام) بين الجميع انطلاقاً من الاسرة والى كافة المجتمعات الإنسانية: "إذا آمن المجتمع بالمثل الإسلامية العليا، التي تمثلت في الرسول وأهل بيته (عليهم السلام)، تتضاءل فيه المشاكل الفردية والنزاعات الشخصية، ويغلب على الناس روح الجماعة، والاتجاه إلى البذل والعطاء، وتحاشوا الوقوع في المعاصي والجرائم والآثام".

ولم يقف كلام المرجع الراحل عند (الشورى) وانما أضاف اليها عددا من النقاط التي تحتاج الى الكثير من التأمل والوقوف عندها وهي:

1. تحكيم علقة الأخوة بين أفراد المجتمع.

2. المساواة أمام القانون.

3. توفير الحريات بين الناس.

4. جعل ميزان التفاضل هو التقوى والفضيلة.

5. تعميم العطف والرحمة، والتعاون والخدمة.

6. احترام العقل والعقلاء والفكر والمنطق.

والخلاصة ان المجتمعات الاستشارية ليس مجتمعات خيالية او قادمة من كوكب اخر، بل يمكن تحقيق امثلة أكثر رقيا ونجاحاً منها من خلال زرع البذرة المناسبة في الارض المناسبة لها والصبر عليها حتى توتي ثمارها، بخلاف الديمقراطية الجاهزة او المستوردة التي قد تفشل قبل تطبيقها او قد تكون مخالفة لطبيعة المجتمع وغير منسجمة مع عادات واعراف وقيم وثقافة وحضارة المجتمع او تركيبته الاجتماعية.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2019Ⓒ
http://shrsc.com

انقر لاضافة تعليق