تفضل يا ثائر هي العبارة التي حلت محل عبارة تفضل يا زائر التي طالما نسمعها في المناسبات الدينية المليونية وتحديدا الزيارات التي تحصل في بعض المدن المقدسة ككربلاء المقدسة والنجف الاشرف والكاظمية المطهرة، فما هو وجه الشبه بين العبارتين مع اختلاف واضح في التوقيت.

عندما تتجول في المناطق التي يتواجد فيها المتظاهرون بمحافظة بغداد وكربلاء على سبيل المثال تجد السرادق منصوبة بشكل دائم وتوزيع وجبات الطعام قائم على قدم وساق، مشهد يفسر مدى اللحمة الوطنية والتضحية من اجل ادامة القضية.

في كل يوم يتحدث المستمرون في التواجد بساحات العزة وطلب الحياة الكريمة عن تنوع الوجبات المقدمة الى جانب تناميها فما كان يوزع في الامس اختلف تماما عما يتم توزيعه اليوم، كل هذا يبرهن اصرار العراقيين على التكييف مع الظروف ومواجهة اعتى التحديات، لمَ لا وهم لا يزالون يقارعون ظلم الطبقات الحاكمة المتعاقبة منذ عشرينيات القرن المنصرم ولغاية الآن.

في توصيف قد يكون مصيبا مئة بالمئة فان ما يحدث بساحات الاعتصام من قبل الجماهير هو تجسيد حقيقي لكرم ابناء الرافدين الذين تجاوزا الارقام القياسية بالغيرة والتكاتف ورص الصفوف، وهو ما يميزهم على جميع الشعوب ويشهد لهم بذلك القاصي والدان، فلا يمكن لاحد ان يراهن على تفوق الشعب العراقي في مختلف المجالات واخيرا مجال التراحم والتعاون فيما بينهم.

الوقائع الاخيرة افرزت لنا وجه التشابه بين حدثين مختلفين وهما زيارة الاربعين وانتفاضة تشرين كما اطلق عليها، ففي المناسبة الاولى تشمر الجماهير عن سواعدها ولفترة معينة لتقديم ما تجود به ذخيرتهم لتوفير الراحة للجموع الزائرة ضريح سيد الشهداء عليه السلام.

في الحين نجد ذات الافراد يصرون على ادامة زخم المظاهرات عبر تواجدهم الدائم الى جانب المعتصمين، فنراهم عاكفون على تقديم وجبات الطعام منذ الصباح الباكر وحتى ساعات متأخرة من الليل.

هذا الاصرار والتواجد نابع من كون الاغلبية يشعر بان ما يحدث الآن هو معركة فعلية بين معسكرين وهما المسكر الجماهيري صاحب الاحقية كونه يطالب في حقوقه المنهوبة مقابل المعسكر الحكومي الذي يقبع في الرذيلة وسلب الحقوق واراقة الدماء وتكميم الافواه والقائمة تطول، فالدعم الذي تحظى به المظاهرات يدلل على وقوف الجماهير الى جانب اصوات الحق التي صرخت بها الطبقات المظلومة.

بعض المتصيدين في الماء العكر حاولوا الصاق صورة سلبية في المظاهرات ذلك عبر التشكيك بمصادر التمويل، فبعضهم من يقول ان التمويل يأتي من الخارج من الدول التي لا تريد للعملية السياسية الاستمرار فاخذت تضخ الاموال للجماهير الغاضبة من اجل استمرار تواجدها في ساحات الاعتصام، ويذهب البعض الآخر الى احتمالية دعم المظاهرات محليا من قبل احزاب وجهات هدفها الوحيد هو إسقاط الحكومة الحالية والذهاب نحو الفوضى او تشكيل حكومة بديلة قد يحصلون على مناصب او امتيازات افضل مما لديهم في الوقت الحالي.

كثيرة هي التهم التي وجهت لمن يتواجدون في ميادين الاعتصام لكنها في الحقيقة مخالفة للواقع تماما، اذ لاتزال الالفة بين ابناء الشعب حاضرة في نفوس الجميع، والكل هدفه ديمومة الاعتصامات واخراج البلاد من الازمة التي عصفت بجميع اركانه دون رحمة ولا رأفة، وما تقديم الدعم المستمر من قبل الاهالي ومن مختلف الطبقات الا دليل قاطع على ان المظاهرات عفوية ولا تنتمي لاي جهة سياسية.

من يحاول بين الفينة والاخرى التقليل من اهمية المظاهرات او على الاقل تهميشها فهو واهم ولا يملك اي رؤية سليمة، كون التكاتف والدعم الذي حظيت به هذه المظاهرات التي اندلعت في تشرين الاول المنصرم لم يحدث سابقا في جميع الاحتجاجات السابقة، امر يدلل على جدية الموقف وعدم الحياد عنه لحين تحقيق المطالب المشروعة والمكفولة دستوريا.

العراقيون جميعا عرفوا الحاجة الملحة لاستمرار الاحتجاجات، ولكل حراك شعبي لابد ان يكون تخطيط ورسم خارطة طريق تضمن تحقيق الاهداف التي اندلع من اجلها واذا ما ارادت الثورة الشعبية تحقيق اهدافها عليها اتباع الخطوات التالية:

اولا: المحافظة على ديمومة التواجد في ساحات الاعتصام وعدم السماح لمن يريد تشويه الصورة الناصعة للمظاهرات من خلال التواجد بين صفوف السلميين.

ثانيا: التنسيق مع جهات مختلفة من اجل جلب الدعم اللوجستي وضمان تدفقه لساحات الاعتصام بصورة كافية بغية خلق وشائج بين الجماهير التي اخذت على عاتقاها الحضور الدائم في المظاهرات والافراد الآخرين الذين تعذر عليهم التواجد لأسباب معينة.

ثالثا: تشكيل لجنة تنسيقية من شخصيات لها مقبولية شعبية ومن ثم العمل على تحشيد علاقاتهم وتشجيعهم على بذل المزيد، اذ من المفترض ان يشعر المتواجدون في خيام الاعتصام بأهمية تواجدهم والالتفاف الشعبي حولهم لكي لا يتسرب الملل الى نفوسهم ومن ثم يضطرون الى المغادرة.

انقر لاضافة تعليق