على خطى تركيا سارت حكومة القاهرة وصولا الى روسيا لاتمام عقد شراء صفقة الطائرات الروسية من طراز سو 35، خطوة تراها واشنطن غير صحيحة في ظل التعاون المشترك والتفاهم الاستراتيجي الذي يربطها مع الجانب المصري.

رفض امريكي لصفقة شراء مصر مقاتلة روسية من طراز سو 35 ورسائل تحمل تحذيرات من المضي من قبل حكومة القاهرة لاتمام الصفقة سيعرضها ذلك للعقوبات الامريكية، بينما يقول المسؤولون الحكوميون ان مصر ملتزمة بأتمام الصفقة ونقل الخبرات مع الجانب الروسي، فهذه الخطوة تأتي ضمن سياسة انسحاب مصر من تحت الهيمنة الامريكية.

فالبيت الابيض ينزعج كثيرا من تمرد دولة ما عليه، وتذهب بعيدا عن انظاره في الكثير من القرارات لاسيما في محور شراء الاسلحة كون الولايات المتحدة تعتبر المصدر الاول للاسحلة في العالم، وتخيم على جميع المعاملات الدولية المتعلقة بهذا الخصوص.

الموقف الامريكي نابع من كون الولايات المتحدة تنظر لمصر على انها حليف استراتيجي في مجالات عدة من بينها مكافحة الارهاب، وما يتعلق به من تعاون مستمر في جميع الاتجاهات لاسيما العسكرية منها.

ومن الملاحظ فان دونالد ترامب تمكن من ترميم الصدع الذي اصاب العلاقات الامريكية المصرية ابان حكم براك اوباما، حيث اتسمت العلاقة بالتذبذب وخصوصا ما يتعلق بالمعونات العسكرية والتنسيق الدائم من اجل التسليح.

مصر لم تبقي نظرها متجها صوب ادارة البيت الابيض فقد اتجهت لتنويع علاقاتها الاستراتيجية فتارة نجدها تضع يدها بيد الامريكان واخرى تتوجه نحو الروس، ربما ياتي هذا التقرب نتيجة التسهيلات التي تقدمها روسيا امام الدول التي تريد اقتناء اسلحتها، في المقابل تضع واشنطن الكثير من العراقيل امام من يرغب في شراء اسلحتها.

لم يغب عن اذهان الرئيس المصري محمد عبد الفتاح السيسي حراجة اتخاذ هذا القرار الذي من الممكن ان يخسر حليف استراتيجي في المنطقة وهي السعودية، لا سيما وانه يعرف مدى التعاون الحاصل بين السعودية والولايات المتحدة لتنفيذ بعض السياسات في منطقة الشرق الاوسط، فقد تقوم حكومة البيت الابيض بالضغط على السعودية ومن ثم تقوم الاخيرة بأجبار مصر على التراجع عن اتمام هذه الصفقة، ففي حال لم تستجب مصر لهذه المطالبات ربما ستقلل حكومة الرياض من دعمها اللامتناهي لمصر.

ادارة الرئيس الامريكي دونالد ترامب تنظر لقضية تقديم السلاح المتطور لحلفائها في الشرق الاوسط على اهمية كل حليف ومكانته في اللعبة السياسية التي تحدث في المنطقة وما يتعلق بميزان القوى ايضا، فامريكا تريد سلب تلك الدول حقها في رسم سياستها الاستراتيجية وتقويض حريتها في تعاملاتها المختلفة.

ففي ظل التنامي الكبير الذي يتمتع به الجانب الروسي، تبقى امريكا تتبع الكثير من الاساليب المقبولة وغير المقبولة دوليا من اجل ابقاء هيمنتها على السلاح الجوي العالمي، فنراها تمارس أقرب ما يكون الى الابتزاز مع الدول التي تود الخروج عن السرب والتجهز بغير منظومتها التسليحية.

لم تكن المرة الاولى التي يلجأ بها الرئيس السيسي الى روسيا ففي حرب عام 2013 امتنعت الولايات المتحدة من تجهيز الجيش المصري بطائرات الاباتشي التي هو في أمس الحاجة اليها خلال حربه مع داعش في سيناء لكنه سرعان ما ذهب نحو المنقذ الروسي وجلب طائرات مروحية من طراز k52، فهنا على امريكا ان تعي ان مصر تذهب الى حيث تكمن مصلحتها بغض النظر عن التلويحات الامريكية بالعقوبات القاسية.

مصر وبهذه المرحلة تحديدا تواجه تحديا كبيرا ازاء تعاملها مع الروس، لاسيما وان امريكا تستند في معارضتها الى الغطاء القانوني (قانون اصدقاء الولايات المتحدة)، الذي بموجبه يمنه اي دولة متعاقدة معها استراتيجيا ان تتزود بالاسلحة من طرف آخر دون موافقتها، وهنا تكمن الاشكالية في الموقف وقد يكون من الصعب على مصر مقارعة النفوذ الامريكي والاستمرار في طريق التعاقد الجديد.

لن تقدم الولايات المتحدة على فرض عقوبات على القاهرة كون الاخيرة تعتبر شريك فاعل في تنفيذ الاستراتيجية الامريكية في المنطقة، وهو ما يجعل امكانية فرض بعض العقوبات امر صعب وغير محبب من قبل ادارة ترامب، في المقابل ليس من الممكن ان تتخلى الحكومة المصرية عن المعونات المالية التي تقدمها امريكا للجيش المصري، فقد يركن الجانبين الى حل وسط يخدم العلاقات الدبلوماسية القائمة.

الخشية الامريكية تجاه ما يحدث يكمن في تأثر الحركة الاقتصادية الخاصة بتجارة الاسلحة، اذ من المؤكد انها ستحرم من الاموال المصرية التي ستذهب لخزانة الحكومية الروسية في حال تمت الصفقة المزعوم تمريرها بين حكومتا القاهرة وموسكو.

بعد فشل الرهان الامريكي مع تركيا التي سبقت مصر في اللجوء لروسيا من اجل امتلاك السلاح الجوي، يبقى السؤال القائم هو هل ستنجح الولايات المتحدة في وقف التقدم المصري وتحقيق الرغبات السيسية ام ستبقى هذه التلويحات مجرد سراب يحسبه المراقبون موجة ستمر كمرور السحاب؟.

انقر لاضافة تعليق