يمكن وصف ما يحدث في الاحتجاجات العراقية بانه تشكيل لواقع جديد ابرز حقيقة العراق، فهناك وصاية دولية فعلية ممثلة بحكومة مكونات ومحاصصة، كل حزب فيها يعبر عن نفوذ خارجي لدولة معينة، وخاصة الولايات المتحدة الامريكية من جهة والجمهورية الاسلامية الايرانية من جهة أخرى.

ولان حكومة الوصاية هذه لا تاخذ شرعيتها من الشعب الذي تحكمه، فانها اوغلت في الفساد وتبذير المال العام واهمال المشاريع التي تنمي اقتصاد البلد وترفع الفقر والحرمان عن كاهل الناس، كان لزاما على الناس ان ينتفضوا حينما تصل الامور بهم الى نقطة اللاعودة، اي النقطة التي يتساوى فيها عيش الانسان وموته، فلم يعد للمواطن شيء يخسره، الا بعض الاساسيات الموجودة حتى في حياة من يقطنون الغابات.

الاحتجاجات التي بدأت في الاول من تشرين الاول الماضي كانت قوية بما يكفي لتعلن صراحة انها ضد الوصاية الخارجية على العراق، ولو انها شابها بعض الثغرات مثل المطالبة بمنع الوصاية الايرانية مع اغفال الوصاية الامريكية او تقليل خطورتها، فالتدخلين يدمران العراق ويمتصان كل شيء يسمح باستمرار الحياة في هذا البلد، هذه الدول الخارجية لا تنفع العلاقات معها بطريقة السيد والعبد، وما يجري هو تنصيب وكيل لاحدى هاتين الدولتين في منصب سيادي ويبقى يترنح في منصبه يخضع للابتزاز الخارجي ويجبر على فعل امور لا يعرف لماذا يفعلها أصلا.

هناك نقاط تشابه واختلاف في التدخلين الايراني والامريكي في العراقي نوجزها بالاتي:

1.كلاهما ينظر للعراق كمساحة للنفوذ والتحكم ليس في العراق وانما في مجريات الاحداث والتطورات في منطقة الشرق الاوسط، اي انهما يستخدمان العراق كمعسكر للعمليات الخارجية، سفارة واشنطن في بغداد هي اكبر سفارة لها في العالم واستخدمتها اكثر من مناسبة لمهاجمة ايران ومرشدها الاعلى، اما طهران فقد اسست اكبر عدد من الفصائل المسلحة والاجنحة السياسية التي تعلن ولاءها المطلق لولاية الفقيه وتنظر لحركتها كحركة عقائدية سياسية عابرة للحدود.

2.النسبة للولايات المتحدة الامريكية فلا يوجد لديها مشروع واضح تجاه العراق سوى ان لا يعود ليكون بلدا قويا كما كان سابقا ويهدد دول الخليج وحلفاء واشنطن في المنطقة وابرزهم اسرائيل، لذلك فلا غرابة حينما تعمل على تعزيز مفهوم الطائفية والمحاصصة وتفرض هذا الامر في مجلس الحكم والجمعية الوطنية ولجنة صياغة الدستور والدستور نفسه، هذه السلسة من الاجراءات كانت امريكا اللاعب الاساسي فيها والتي ركزت فيها على تعزيز مفهوم دولة المكونات على حساب الدولة القومية في العراق، وهو مشروع استراتيجي ادى الى ما وصل اليه الوضع الان من شرخ واضح لهذه الدولة، كما ان الولايات المتحدة قامت بتهديم البناء المؤسساتي الراسخ في العراق ابرزه حل وزارتي الدفاع والداخلية والمؤسسات الامنية الاخرى ما ولد فراغا هائلا في بلد يمر بتحول يحتاج فيه الى الامن والاستقرار.

3.النسبة لايران فانها على عكس الولايات المتحدة الامريكية تريد عراقا قويا لكن بشرط، ان يكون كل الممسكين بالسلطة ممن يدينون بالولاء المطلق لها، واذا حدث العكس فانها تعمل بما اوتيت من احزاب متحالفة معها او موالية لها لاضعاف الحكومة وتقييد حركتها، وهي تعتبر اي حكومة غير موالية لها بانها حكومة عميلة للولايات المتحدة الامريكية، وتعمل على تسقيطها امام الرأي العام عبر وسائل الاعلام الحزبية الممولة إيرانيا.

4. يمانع الطرفان الامريكي والايراني من استخدام العراق كمنصة متقدمة لصراعهما، او استخدامه كوسيلة للحرب بالوكالة، الدولتان تدفعان بكل اوراقهما الموجودة في الحكومة لمزاحمة خصمه، حتى ان تشكيل الحكومة نفسه اعتبر فوزا لصالح ايران وضد الولايات المتحدة الامريكية، وقال بعض المسؤولين الايرانيين انهم حققوا فوزا بنسبة ثلاثة الى صفر.

في هذه المعادلة القائمة على الصراع الشرس بين الطرفين للسيطرة على دولة العراق تم اهمال الشعب العراقي، واعتبر شيئا ثانويا في معادلات الطرفين، وعندما نقول ذلك فهذا يعني ان الحكومة بوزرائها ومسؤوليها سيعتبرون المنصب مجرد ثكنة عسكرية في المعركة وستنصب جهودهم في تحقيق انتصار على الطرف الاخر، اما الشعب العراقي وما يحتاجه فعليه الصبر لعدة سنوات حتى تنتهي المعركة، وقال الكثير من النواب ان على الشعب ان يصبر ويعطينا فرصة اربع سنوات وثمان سنوات واكثر، ليس لان هؤلاء النواب يريديون ان يعمولوا، بل لان الشعب خارج المعادلة ويريدون تخديره بهذه السنوات وبعدها لكل حادث حديث، لكن الشعب صبر وصبر، وكان لزاما ان يقع الحادث وهو الهيجان الشعبي، والحديث هو الاصرار والتحدي غير المسبوق، ويبدو ان الطرفين وهما واشنطن وطهران يحاولان ان يعملان على مسارات جديدة لكبح جماح التظاهرات.

المسار الاول هو تجنب الاتهامات المباشرة بالتسبب في الخراب العراقي طوال السنوات الماضية، وقد افلتت الولايات المتحدة جزئيا من هذه التهمة لان سياستها كانت غير واضحة للشعب فالخراب الذي تسببت به كان في الاسس والقواعد التي وضعتها للعملية السياسية ككل، اما ايران فقد حصلت على وسام التهمة كاملة ويبدو انها ابتلعت الطعم بعدما دفعتها الولايات المتحدة الى قلب العاصفة العراقية دون ان تشعر بذلك، فالخراب الذي تسبب به تدخلها لم يكن بمستوى الخراب الامريكي لكنه كان مرئيا بالنسبة للجمهور اكثر لانه قريب من حياة الناس، واشنطن وضعت القواعد للخراب وهو نظام المحاصصة وتسييس كل شيء، اما ايران فقامت بتطبيق هذه القواعد على ارض الواقع عبر حلفائها والموالين لها.

المسار الثاني هو محاولة الانصهار داخل موجة التظاهرات عبر الزج بالحلفاء ليكونوا في طليعة التظاهرات، او على الاقل ان يكونوا ممن يُحسبون من انصار الشعب، وهذا ما نجحت به الولايات المتحدة الامريكية عبر وسائل الدعاية القوية التي تملكها، فاظهرت الجانب الاسود للتدخل الايراني وشوهت صورة ايران وحلفائها والموالين لها، بينما عجزت الاخيرة عن مجارات الموجة بسبب تمسكها بالاعلام السطحي القائم على نظرية المؤامرة وتخوين المتظاهرين السلميين.

ما العمل؟

ما نعرضه هنا هو رسم للتحديات التي تواجه طريق الاحتجاجات السلمية في العراق، وتوضيح لحجم الخطر المحدق بالمطالب الشعبية، وهذا ليس كلامنا نحن فقط، انما اشارت المرجعية لذلك واكدت في ثلاث مناسبات متتالية خلال اسبوعين الى التدخل الخارجي واكدت على ضرورة ابعاده عن الدخول على خط التظاهرات، وعلى قادة التظاهرات ان ياخذوا هذا الكلام بجدية وعدم التقليل من شأن التدخل الخارجي بكل اشكاله، والابتعاد عن التبسيط واعتبار تدخل دولة ما سافرا محرما، بينما يتم اعتبار تدخل دولة اخرى مقبولا ومرحبا به.

كل تدخل او محاولة للتدخل في الشأن العراقي يجب ان يكون مرفوضا انطلاقا من مبدأ حفظ السيادة، فضلا عن ضمان عدم تدخل اطراف اخرى، لان اي تدخل يجر معه تدخلا مضادا عاجلا او اجلا، وبما اننا رأينا حجم الخراب الذي أصاب العراق نتيجة تحوله الى ساحة للصراعات، وكيف انتجت الصراعات الفساد والظلم وسوء الإدارة، فقد ان الأوان لنبدأ بالإصلاح الفعلي، ونقطع كل تدخل خارجي ولنبني حكومة جديدة بثوب عراقي خالص.

انقر لاضافة تعليق