يقول هرقليطس ان الحرب أب وملك على الجميع، وهي التي جعلت بعض الافراد آلهة وبعضهم بشراً، وبعضهم عبيداً وبعضهم احراراً.

في ذروة الصراع (الحرب) بين الطبقة السياسية الحاكمة من جهة والشعب العراقي من جهة اخرى دخلت عربات "التوك توك" التاريخ السياسي العراقي من بابه الواسع بدون تذكره رسمية، فهذه العربة المنبوذة شعبيا قبل بضعة اشهر تحولت الى محبوبة الجماهير ويهتف الناس باسمها، ويتغنون باصحابها، وتنشر باسمها الصحف وتفتح الكثير من المشاريع باسم ولاجل "التوك توك".

التظاهرات هي من قلبت المشهد البائس للتوك توك، بعد سلسلة المواقف النبيلة لاصحابها، قاموا بنقل الجرحى حيث عجزت سيارات الاسعاف الرسمية عن ايصالهم للمستشفيات، وابعدت الكثير من قنابل الغاز التي تطلق على المتظاهرين، كانت تنقل المؤن والمواد اللوجستية للمتظاهرين حيث تقطع الطرق على سيارات الاجرة، بمعنى اخر فان وجود التوك توك كان تعويضا عن غياب الدولة عن ممارسة دورها الذي يفترض ان تقوم به في نقل واسعاف المتظاهرين وتوفير الخدمات اللوجسية لهم.

ما يظهر في حالة التوك توك ليس حالة فريدة من نوعها، فهناك الكثير من القطاعات التي تغيب فيها الدولة فتاتي جهات اخرى غير رسمية لتقوم بالدور، وبما ان هذه الجهة قامت بعمل ليس من مسؤوليتها، فان نظرة الجماهير لها تعطيها نوعا من الاحترام الكبير وربما التقديس، يشبه هذا ما حدث للكثير من الحركات السياسية خلال الحقبة الماضية، فالمعارضة للنظام دائما ما تاخذ شعبية واسعة بحكم قربها من حاجات المواطن، وكونها الامل في التغيير، بغض النظر عن طريقة التضحية التي تقوم بها الجهات المعارضة سواء كانت في الكفاح المسلح او بالتظاهر السلمي.

حصلت لاجنحة المسلحة للمعارضة العراقية خلال الحقبة الديكتاتورية على شعبية شبيهة بشعبية التوك توك حيث تولت مهمة مقاومة النظام البعثي، الا انها وبعد عودتها استغلت كفاحها من اجل القفز على القانون عبر نظام دمج المليشيات مع القوات المسلحة، هذه الالية التي نفذت اسوأ تنفيذ، لاننا نعرف ان جميع الدول التي تمر بتحولات ديمقراطية تحتاج الى هكذا نوع من القرارات للتخلص من اثار الحقبة السابقة، لكن ما حدث انها اعادت الفوضى بثوب جديد.

وحدثت الفترة الثانية من عمل الجماعات المسلحة عندما غابت القوات المسلحة عن حماية حدود الوطن من الجماعات الارهابية عام ٢٠١٤ فجاءت الفصائل الشيعية المسلحة لتدفع عن العراق اكبر خطر وجودي، على اثر ذلك حصلت هذه الجماعات على احترام طيف واسع من الشعب لدرجة ان ذلك مثل لها اغراء حتى دخلت عالم السياسة بتحالف "الفتح" المحور الرئيسي في تشكيل حكومة السيد عادل عبد المهدي.

سواء تعلق الامر بالتوك توك او بالنشاط المسلح ضد النظام الحاكم او دفع الخطر عن الدولة هناك عمل استثنائي تقوم به جماعة من المواطنين في مصلحة الوطن، وبما ان عملهم استثنائي وبطولي يتم استثناؤهم من بعض القواعد التي تحكم النظام العام للدولة، حدث هذا مع بعض من قاوموا النظام الديكتاتوري البائد، وايضا مع من حاربوا ضد الارهاب، ونتوقع ان يحدث مع اصحاب التوك توك.

لكن هذه الاستثناءات تكمن فيها بعض المخاطر اذا لم توظف بطريقة سليمة، ووفق التجارب السابقة فانه غالبا ما يتم التمادي في استخدام الاستثناء فبدلا من ان يوجه لانصاف الابطال، او الفقراء، يستخدم لاغراض تتعارض مع العدالة، ويصبح سيفا مسلتا عليها (العدالة) ويتسرب الفساد اليه من كل جانب، بل انه يتحول في بعض الاحيان الى سياسة ثأرية ضد العهد السابق.

نتذكر الامتيازات التي منحت بعض الفئات المعارضة للنظام الديكتاتوري، وكيف عززت مفهوم الثأر ليس من الظالم فحسب، بل من المجتمع بأسره، وكاننا نعيش في دائرة من الظلم والظلم المضاد، والتي لا يمكن ان تنتهي بسهولة، واليوم لدينا استثناء ظهر بسرعة البرق، وهو استثناء التوك توك، فقبل التظاهرات كانت هناك حالة من الغضب الشعبي على وجود هذه العربة الصغيرة وتعتبر احدى اقبح وجوه الفساد في العراق، والمقصود هنا الحكومة التي تخلت عن بناء مشاريع الطرق والقطارات، وعندما بات من الصعب الاعتماد على السيارات كوسيلة للنقل، جاءت فكرة استيراد عربة صغيرة لها القدرة على الانزلاق في زحمة السير مستفيدة من حجمها الصغير المصمم لهكذا ظروف فوضوية.

كل ذلك دفع الناس للتساؤل عن اي مدى ستصل اليه الدولة العراقية من التراجع الى الوراء، وبمجيء التوك توك ماتت فكرة تطوير مشاريع الطرق السريعة، لكن التظاهرات الاخيرة التي قطعت فيها الطرق نهائيا اعادت التفكير بالنظرة السلبية للتوك توك، فمن يقودونها باوتوا ابطالا، استطاعوا انقاذ الجرحى خلال المواجهات، وساهموا بتوفير المؤن والدعم اللوجستي، وفجأة اختفت الصورة القديمة للتوك توك، ولم تعد تعبر عن الفساد الحكومي، لان اصحابها هم ابطال التظاهرات.

من منا يستطيع ان يرفض وجود هذه العربة التي تجتاح المدن، بدل ان تنتشر في المناطق الفقيرة كما في السابق، انتشرت الان داخل المناطق الاكثر ثراء، لم لا وهي رمز الشعب، وحبه الجديد الذي يعبر عن كره الطبقة السياسية.

لا نحتاج الى رموز معارضة جديدة واذا كانت التوك توك واصحابها قاموا بعمل بطولي، فان الواجب الوطني يفرض علينا المطالبة بسحب كل هذه العربات من الشوارع وتعويض اصحابها بسيارات يستحقونها، وتستحقها شوارع العراق، بدل ان نتشبه بمدن الهند الفقيرة، علينا ان نطالب بمشاريع كبرى للطرق والجسور ومحطات القطارات السريعة اكراما لاصحاب التوك توك وعرفانا لهم بان من اوصلهم الى استخدام هذه العربة الرخيصة الثمن والتي تكشف عن فقرهم لا بد وان تستبدل بواقع يستحقه الشعب العراقي.

انقر لاضافة تعليق