ينفصم العقد حينما يتقطع وينحل وتنفصم شخصيّة الإنسان حينما يتشوش عقله ويفقد توازنه وتواصله بواقعه حيث يدخل حالة الوهم، وتنفصم المجتمعات حينما تنقسم على نفسها وتسقط في ضالة الإستقطاب والتمحور على أطراف الخير أو الشر والصح أو الخطأ. يحصل الإنفصام بشكل عام تحت تأثير حوافز ومسببات داخليه وخارجيه تتباين في شدتها وميكانيكية تأثيراتها. أهم أسباب إنفصام المجتمع وتحلله وتمحوره وإضطرابه هو إنحراف قادته وأولياء الأمر فيه.

منذ تولى الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" زمام الحكم والمسؤولية في الساحة السياسية الأمريكية، بل ومنذ حملته الانتخابية التي سبقت ذلك، أظهر هذا الرجل، ومن خلال خطاباته المثيرة للجدل وشعارات المغالاة والتعصب التي أطلقها، طبيعة سياساته وإراداته وأفكاره التي بنيت على أسس العنجهية السياسية والعنصرية والأنانية المرضية وجنون العظمة وقلب الحقائق ونقض المواثيق والأعراف.

هذه السيرة ورغم إستقطابها للكثير من الشرائح الأمريكية غير أنها حفزت حالة الرفض والإستنكار والتذمر عند الغالبية. المبالغة في جوهر التصرف الذي إنتهجه "ترامب" شجع على خلق حاله من الإستقطاب والتمحور في آراء الأمريكيين مما خلق هوّه تتسع يوما بعد يوم بين أنصار الحزبين الرئيسيين في أمريكا وهما الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري. هذا التمحور إتسم ببث حالة عدم الثقة بين الحزبين ونشر بذور الكراهية والحقد!

خلال دراسة بحثيّة قام بها حديثا المركز غير الحزبي للإستطلاع الإنتخابي الأمريكي المسمّى بمركز "بيو" للدراسات والأبحاث، أظهرت نتائجه المستقاة من آراء (9895) ناخب أمريكي بأن أكثر من نصف الجمهوريين يعتقدون بأن الديمقراطيين عديمو الأخلاق وأقل من نصف الديمقراطيين بقليل يعتقدون بأن الجمهوريين عديمو الأخلاق! بينما يعتقد أكثر من 60 بالمئة من الجمهوريين بأن الديمقراطيين غير وطنيين، في حين يرى ثلاثة أرباع الديمقراطيين بأن الجمهوريين متعصبون ومنغلقون على أنفسهم. كما بينت هذه الدراسة بأن غالبية الأمريكيين يشعرون بأن الفوارق بين الحزبين صارت واسعة وكبيرة الى الحد الذي جعل أكثر من 80 بالمئة من الأمريكيين يشعرون بأن الأمر أصبح مدعاة للقلق وأن الخلافات صارت شعارات تفرقة نارية قد تخرج عن نطاق السيطرة بين الحزبين! هذا القلق لا يدعو لتخفيف التوتر بين الطرفين بل أن كل طرف ينظر بعين الغضب والإشمئزاز لسلبيات الطرف الآخر وإن كان الديمقراطيون أقل تعصبّا في هذه النظرة من الجمهوريين.

قبل مجيء "ترامب" للحكم لم يكن التمحور بهذه الصورة ولم يكن الإشمئزاز والتذمر بين الحزبين قد وصل الى حالة الكره العميق والإتهام بخرق الوطنية، إنما يلتزم كل حزب بآرائه ورؤاه دون أن يطعن برؤى وسيرة الحزب الآخر أو يتهمه بالضلالة والخيانة. الديمقراطيون إعتمدوا على ركيزة التنوع العرقي وعدم الإكتراث بالتقاليد الدينية والأعراف الجنسية التقليدية وإنتهجوا سياسة التساهل مع المهاجرين وحازوا على إستقطاب الناخبين من سكان المناطق الحضرية والساحلية في أمريكا. بينما كان توجه الجمهوريين على عكس ذلك، فهم من العرق الريفي الأبيض المحافظ الذي يخشى هجرة الأجانب ويخاف النخب الحضرية. وهكذا ورغم إختلافات الرؤى بين الحزبين فإن ثلثي الأمريكيين لا يرون وجود لفوارق حقيقية واسعة بين الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري في العقود السابقة على عكس حال هذا اليوم.

أهم الأسباب التي حركت روح الإنفصام في المجتمع الأمريكي هي سياسات ترامب المتطرفة والغريبة في شؤون عديده وأهمها: النهج الدكتاتوري المتمثل بسياسات التمسك بالسلطة وخرق الدستور والقوانين والأعراف ومحاولة سحق الرأي الآخر. أشارت أفعال "ترامب" ومنذ تسلمه الحكم، الى تحوّل خطير في السياسة الأمريكية المعتمدة وذلك حينما عادى وتجاهل أسس الدولة العميقة المتمثلة بالسلطة القضائية ومراكز الأمن كالـ (أف بي آي) و (سي آي أيه) وقادة الجيش والإعلام وغيرها. تخليه عن الحلفاء والأصدقاء الكلاسيكيين من الأوربيين وغيرهم وتقربه ممن كانوا يعتبرون أعداءا تأريخيين لأمريكا أمثال روسيا ورئيسها "فلاديمير بوتين" وكوريا الشمالية ورئيسها "كم جونغ أون".

سياساته في البحث عن مصادر التسقيط لغرمائه السياسيين الأساسيين وخصوصا تلك التي بحث ويبحث عنها في دول خارجيّه كروسيا وأوكرانيا والتي تعتبر سابقه ليس لها مثيل من قبل!. ميوله العنصرية وتصريحاته بين الحين والحين بهذا الشأن وأفعاله اللاإنسانية ضد المهاجرين.

محاولاته المحمومة في إلغاء قوانين شرعت من قبل في الرعاية الصحية وسبل معالجة متطلبات المناخ. سياساته المخالفة لتطلعات العالم في التجارة الحرة من جهة وإخلاله بالمعاهدات العالمية والمواثيق الدولية من جهة أخرى. كل هذه الأمور وغيرها لم تغضب الشريحة الكبرى من المجتمع الأمريكي وحده فحسب إنما أغضبت الحلفاء والأصدقاء في الخارج قبل الأعداء والمنافسين.

رغم كل هذه السياسات غير المألوفة والأخطاء الاستراتيجية والفضائح التي إرتكبها ويرتكبها دونالد ترامب، بقيت قاعدته الصلبة في المجتمع الأمريكي والمتمثلة بالبيض المحافظين والمسيحيين الأنجيليين متماسكة ومخلصه له! وهذا ما حفز حالة الإستقطاب والتمحور والإنفصام في كيان الهرم الأمريكي.

في بدايات أيام حكم "ترامب" حذر السناتور الجمهوري الأمريكي الراحل "جون ماكين" من خلال وصيّته التي كتبها للأمريكيين قبل وفاته، قال فيها بأنّ: "على الأمريكيين ألآ يتخندقوا خلف الأسوار ولا يستسلموا للقبلية السياسية"، حيث كان القصد مفهوما من وصيّته التي يعني فيها مخاطر الإنزلاق صوب الإنقسام بسبب السياسات المتطرفة التي إنتهجها "ترامب" منذ بداية عهده. وهكذا فقد حصل ما كان يخشاه، حيث إتجه الجمهوريون صوب اليمين المتطرف وأغمضوا أعينهم وسدوّا آذانهم عن مقالب "ترامب" وخطاياه وبقوا يناصروه ظالما ومظلوما. هذا الموقف العنيد من الجمهوريين دفع بعض الديمقراطيين، وكردة فعل معاكسه، صوب أقصى اليسار!. هذا الإستقطاب والتمحور الواضح بين الحزبين بدأ يقوّض مبدأ ومنهج الحزبين المتبع عبر مسيرة التأريخ الأمريكي وقوّض أسس وحدة الشعب المألوفة وخلق إنشقاقا مجتمعيّا يتزايد حجمه مع الزمن!

أهم علامات الإنفصام في المجتمع الأمريكي المتماسك هو إنقسام الرأي بصلاحيّة "دونالد ترامب" في حكم البلاد، حيث لم يستطع بعد فوزه بزمام الحكم أن يوحد شعبه خلفه فبقى رئيسا لمناصريه دون الآخرين! فوزه في إنتخابات عام 2016م كان مفاجأة للجميع حيث أن السواد الأعظم من إستقراءات الرأي كانت تشير الى فوز غريمته بالإنتخابات "هيليري كلنتون"!.

حينما تبينت تفاصيل التدخل الروسي في روح الإنتخابات، بدت خيبة الأمل عند الديمقراطيين واضحة جليّه حيث يرون بأن السلطة قد سحبت من تحت أقدامهم وأن الرئيس "ترامب" يعد رئيسا غير شرعيّا!. الملاحقات القضائية التي أجراها المحقق الخاص "روبرت مولر" وما تمخض عنها، إضافة الى قضايا التحقيق الأخرى التي لاحقت وتلاحق "ترامب" في شؤون مخالفات دستورية وقانونية وسياسية وأخلاقية مستمرة وخصوصا فضيحته الأخيرة مع أوكرانيا في البحث عن خطايا لغريمه الديمقراطي الأبرز في إنتخابات عام 2020م " جون بايدن"، خلقت جوا متشنجا بين أنصار هذا الرئيس ومناهضيه وصلت حد التصادم. الدفاع المستميت لأنصار "ترامب" عنه والرفض القاطع لمناهضيه له بسبب تخطيه للحدود الحمراء في السياسة الأمريكية وتقاليدها، خلق جوا متشنجا بين الطرفين حد التحدي مما يوحي بأخطار لا يعرف مداها!

التطرف في أفكار المجتمع يصنعه في الغالب أو على الأقل يحفزه قادة ذلك المجتمع وأولياء أمره، وذلك بالضرب على أوتار حساسة تمس المشاعر والأحاسيس سواء كانت عنصرية الطابع أو عرقية أو دينية أو طائفية أو اقتصادية أو غيرها. إنقسام المجتمعات وتفككها ظاهره ليست جديده في التأريخ حيث لعب الساسة في داخل المجتمع كما لعبت جهات خارجية سواء كانت قوى أو حركات أو دول أدوارا هامه في صنع حالة التفكك والإنقسام في المجتمعات.

لعبت أمريكا دورا كبيرا في تمزيق الشعوب وتفكيكها من خلال تغذية وتحفيز وإثارة النعرات والتباينات الاجتماعية والسياسية في كثير من دول العالم خدمة لمصالحها وإراداتها السياسية والاقتصادية. أمريكا هي من تعاني اليوم من هاجس الإنقسام والإنفصام بسبب قائد متعصب متطرف ساعدته تدخلات أطراف خارجيه للوصول الى سدة الحكم، فهل يدور التأريخ حول نفسه! أم أن السحر قد ينقلب على الساحر؟ وهل مدنيّة أمريكا وعظمتها في طريق الإنهيار أم أن حكماء السياسة الأمريكية سيتصدون ويصححون المسار في نهاية المطاف!؟ هذا ما سنشهده في قابل الأيام......!

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق