الموجة الخامسة من الاحتجاجات في العراق

بين تعقيدات الواقع وتيسير الاستجابة

ظهرت دعوات على مواقع التواصل الاجتماعي الى الخروج بتظاهرات عامة في الاول من تشرين الاول احتجاجا على الاوضاع السياسية والامنية والاقتصادية والخدمية المتردية وانعدام فرص العمل.

تزامنت هذه الدعوات مع وجود اعتصامات فئوية كما في اعتصام اصحاب الشهادات العليا امام وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والذي انتقل ليكون امام بناية مجلس الوزراء والذي جُوبِه بقوة مفرطة، واعتصام خريجي كليات الهندسة امام وزارة النفط، ومظاهرة لخريجي كليات الطب البيطري وسط بغداد، وسبقتها تظاهرات للمفصولين من القوات الامنية. وهذه جميعها حفزت من الدعوة للخروج بتظاهرات ضد الحكومة.

وفعلا انطلقت التظاهرات الشبابية في الاول من تشرين الاول الجاري في محافظات ذي قار، ميسان، الديوانية، النجف، بابل، كربلاء، والعاصمة بغداد.

يمكن القول ان هذه الاحتجاجات هي الموجة الخامسة للاحتجاج في العراق بعد عام 2003 بعد احتجاجات الاعوام 2011، 2015، 2017، 2018. وهي تختلف كثيرا عن الموجات الاربع التي سبقتها من حيث المشاركين، والقيادة، والتعامل معها.

وحتى نستقرأ مستقبل الحركة الاحتجاجية الحالية، لابد من توفر قراءة موضوعية لها. وبماذا تميزت عن سابقاتها.

- الاحتجاجات الحالية خرجت بدعوة من مواقع التواصل الاجتماعي، وبالخصوص Facebook، Twitter، ولم تكن بدعوة من جهة سياسية كما حصل مع التظاهرة التي دعا لها تيار الحكمة الوطني خلال الاشهر الماضية، وكما حصل مع تحشيد التيار المدني خلال الاعوام السابقة والتحق معه جماهير التيار الصدري، ولكن هذا لا يعني عدم وجود متظاهرين مستقلين شاركوا فيها وطالبوا بإصلاح النظام العام وتحسين الخدمات العامة آنذاك.

وهذا يعني امرين:

الاول، ان المشاركين في الحركة الاحتجاجية الحالية هم من فئة الشباب غير المؤيد لحزب او تيار سياسي معين. ونتيجة لذلك لا تتوافر قيادة سياسية لهذه الحركة يمكن للحكومة ان تنفذ لها وتدخل معها بوساطات ومساومات يمكن ان تُرجع المحتجين الى بيوتهم.

الثاني، ان طريقة الدعوة والتحشيد تم عبر العالم الافتراضي والذي سرعان ما ترجم الى واقع فعلي، وهذا تطور في الحركة الاحتجاجية الحالية مما جعلها تختلف عن سابقاتها.

- تنظيم الحركة الاحتجاجية الحالية يختلف كثيرا عن سابقاتها، وذلك من خلال توزع المشاركين كمجاميع متعددة تشغل اكثر من منطقة على صعيد المحافظة الواحدة وحتى العاصمة. فبعد ان كانت ساحة التحرير وسط بغداد مثلا هي المكان الرئيس لتجمع المحتجين، ظهرت الاحتجاجات في عدة مناطق -فضلا عن ساحة التحرير- توزعت على جانبي الرصافة والكرخ منها الشعب، الشعلة، شارع فلسطين، الصليخ، حي العامل، والزعفرانية، وشرق قناة الجيش شرق العاصمة. كذلك الحال في محافظة بابل التي شهدت احتجاجات في مركز المدينة وقضاء المسيب. والامر نفسه ينطبق على محافظة ذي قار، اذ بيّن احد المحتجين ان توزعهم على عدة مناطق يصعب من مهمة اخماد حركتهم امام الاجهزة الامنية. وهذا التكتيك –ان صح التعبير- يُستخدم لأول مرة لتشتيت الجهد الامني.

- لم يختلف تصدي الاجهزة الامنية مع الاحتجاجات الاخيرة عن سابقاتها كثيرا. اذ نتج عن الموجات السابقة للاحتجاجات عددا كبيرا من القتلى والجرحى لاسيما خلال العام 2018 خلال ايام الاحتجاج في اغلب المحافظات التي خرجت فيها الاحتجاجات، كما قامت جهات مسلحة اخرى باستخدام القوة والرصاص الحي ضد المحتجين. وهذه المرة كانت اشد عنفا وبطشا، ففي اليوم الخامس لها سقط قتيلين وعشرات الجرحى في ساحة التحرير. وتزايد العدد خلال الخمسة ايام ليصل الى 104 قتيل و6107 جريح كما اعلنت عن ذلك وزارة الداخلية العراقية.

كما تشير المعلومات الى انه ربما جهات مسلحة من غير الاجهزة الامنية استخدمت الرصاص الحي ضد المحتجين، كما اوضح ذلك رئيس مجلس الوزراء عادل عبد المهدي في خطابه انه لم يكن لدى القوات الامنية امر بإطلاق الرصاص الحي ضد المحتجين، فضلا عن تأكيد الحكومة بان ضحايا الاحتجاج من المحتجين والقوات الامنية تم عبر قناصين انتشروا في البنايات القريبة من ساحة التحرير وشارع فلسطين.

- طبيعة تعاطي السلطات التشريعية والتنفيذية مع مطالب المحتجين كانت بضرورة الاستجابة لتلك المطالب، وهي بذلك لم تختلف عن سابقاتها. كما ان طبيعة الاجراءات المعلنة خلال المؤتمر الصحفي لخلية المتابعة التي شكلها مجلس النواب وقرارات الجلسة الاستثنائية لمجلس الوزراء يوم 5/تشرين الاول الجاري كانت وعودا بإجراءات تتطلب تخصيصات مالية كما حصل خلال العام 2018 حينما اعلنت الحكومة السابقة توفير عشرة آلاف درجة وظيفية لمحافظة البصرة ولم تتحقق لاحقا حتى لم يتم وضع التخصيصات المالية لها في الموازنة الاتحادية لعام 2019.

واما الاجراءات الحالية من قبيل تقديم المنح للخريجين، وبناء دور سكن متوسطة الكلفة، وتعزيز قدرة صندوق الاسكان الائتمانية، وعودة المفصولين من القوات الامنية وغيرها تتطلب وجود تخصيصا ماليا في الموازنة الجارية لعام 2019، وهذا الامر غير متضمن في قانون الموازنة. وربما يتم تضمين التخصيص المالي لتلك الاجراءات في مشروع قانون الموازنة لعام 2020، ومعروف ان هذا الامر سيكون اسير التوافقات السياسية بين القوى السياسية شأنه شأن اي منجز تشعر به تلك القوى انه سيعزز رصيد كتلة رئيس الوزراء او رئيس مجلس النواب.

- من حيث طبيعة مطالب المتظاهرين، لاحظنا ان المطالبة بالإصلاح السياسي كانت لاحقة لمطالب توفير الخدمات العامة خلال الاعوام السابقة، في حين تصدرت المطالبة بالإصلاح السياسي وتغيير الحكومة الحالية لتكون موازية لمطالب المحتجين التي تغلبت عليها توفير فرص العمل ورفع الحيف والقهر عن الشعب العراقي وانصاف فئة الشباب.

من جانب آخر، تؤكد الاجراءات الحالية، ان ارتقت الى اجراءات واقعية، والاجراءات التي تعاملت بها الحكومات السابقة، عدم وجود رؤية واضحة لتصحيح الاوضاع السياسية والاقتصادية على الرغم من وجود منهاج حكومي صوت عليه مجلس النواب بالإيجاب، ويفترض ان المجلس منح الثقة للحكومة على اساسه.

كذلك تؤكد تلك الاجراءات انها تمثل استجابة لمطالب فئات معينة من دون ان تستجيب لآمال وطموحات الشباب بشكل عام، كما انها اجراءات غير مدروسة من حيث عواقب عدم تحقيقها وتلبيتها. وهنا يتوقف مستقبل الحركة الاحتجاجية الحالية التي دخلت مرحلة التهدئة، وهذا لا يعني عدم امكانية تجددها لاحقا. وستكون حينها اكثر توسعا وانتشارا ومصحوبة بغضب عدم تنفيذ الوعود. على الرغم من انها وعود لفئات معينة –كما قلنا سلفا- ولا تمس مصالح شريحة الشباب بشكل عام ولا تحقق تطلعاتهم.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2019
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق