يختلف المفسرون في أصل كلمة "مافيا" ومصدرها كما يختلفون أيضا في معناها الحرفي الأول، غير أن المعنى العام يدور في دائرة مفردات الترهيب والإبتزاز، التلاعب والإتجار غير المشروع، التزوير والخداع والكذب، التفاخر العدواني والتبجح، روح المغامرة، مخالفة القوانين والأعراف والتعهدات، التستر والتخفي، عدم الإلتزام بالمعايير والمبادئ والأخلاق الإنسانية وغيرها.

الذي راقب تصرفات الرئيس الأمريكي الحالي "دونالد ترامب" ومنذ حملته الانتخابية للرئاسة والى حد هذا اليوم، وجد أغلب هذه المعاني، إن لم يكن جميعها حاضرة في سيرة ونهج هذا الرجل غريب الأطوار !. فالذي يتابع قنوات التلفاز الأجنبية وعلى الأخص الأمريكية منها وكذلك الصحف والمجلات، سوف يجد وفي كل يوم خبر أو حدث صادر عن هذا الرجل يكشف فيه: مخالفة قانونية أو دستورية أو دبلوماسية، فضيحة وخرق أخلاقي، إستفزاز وإهانة بألفاظ نابية وإستهزاء موجه الى شخصيّة أو عنصر أو لون أو دين أو كيان أو دولة. وقد يسمع أيضا عن: حالة تستر على خبر أو تصرف غير مشروع وخداع فاضح وقلب حقائق، خرق أو إلغاء لمعاهدات ومواثيق دولية، فرض أوامر أو عقوبات قهرية وغير إنسانية ضد دول أو منظمات أو مصالح أو أفراد داخل أو خارج أمريكا، وغيرها.

هذه التصرفات غير العادية وربما الصادمة في كثير من الأحيان، تحصل بشكل دائم ومستمر من خلال تصرفات وأفعال أو تعليمات وتوجيهات أو أحاديث وأقوال مباشرة أو غير مباشرة مع الصحفيين ووسائل الإعلام أو عن طريق كتابات " تويترية". هذه الحقيقة تجعل المتابع في حيرة وتساؤل: كيف يجوز أن يحكم أقوى دولة في العالم، رجل له صفات مافيوية واضحة وجليّة أمام أنظار العالم !؟.

صفات هذا الرجل وتصرفاته قهرت غالبية الأمريكيين وخصوصا طبقات المثقفين وأنصار القانون والديمقراطية والإنسانية، وقهرت كذلك بل هددت مصالح غالبية دول العالم وشعوبها، الى الحد الذي أفقدت فيه ثقة العالم وإعتباراته الخاصة لأمريكا وحكامها. بل دخلت هذه الدولة التي تتبجح بالتحضر والديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان وإحترام العهود والمواثيق والحضارة الإنسانية في قائمة الدول الفاسدة في العالم! لم يعد أحد يثق بعقود وإتفاقات يعقدها مع هذا الرجل وحكومته لأنه قادر على نقضها في اليوم التالي بعد توقيعها. كما لم يعد أحد يصدق ما يقوله ترامب في محافله العلنية، حيث بلغ عدد كذباته التي أحصتها جريدة الواشنطن بوست الى ما يزيد على 12000 كذبة منذ توليه منصب الرئاسة! لقد تبينت من خلال سياسات ترامب الغريبة حقائق وأسرار كانت خافية ومستترة على العالم وأهمها هو أن المافيا "الترامبية" هذه لا تنحصر بشخصيّة ترامب وحده فحسب وإنما هي إمتداد لمافيا سياسيّة مستترة داخل الكيان السياسي الأمريكي، حيث كشف عن وجهها السيد ترامب.

هذا الرجل لوحده لا يمكن أن يبقى في سدة الحكم أسبوعا واحدا لولا اللوبي الصهيوني الذي يدعمه من الخلف! هذا اللوبي الذي يمثله غالبية أعضاء مجلس الكونغرس الأمريكي من الجمهوريين والذين وقفوا ولا زالوا يقفون خلفه رغم الأخطاء والفضائح، لأنه حقق للصهيونية مالم يحققه أحد من قبل !. الصهيونية كانت تحكم أمريكا خلف حجاب، لكنها اليوم وبفضل ترامب نزعت الحجاب وأسفرت عن وجهها !

هذا التوجه الصهيوني في الحكم المباشر لدول العالم وخصوصا الدول المحورية والهامه سبقه تحضيرات دؤوبة ومدروسة حُضّر لها وخُطط. بدأت هذه التحضيرات في الشرق الأوسط لأنها منطقة القلب حيث بوشر بتنفيذ ما سموه بـ "مشروع الشرق الأوسط الكبير" والذي كان أهم بنوده هو التخلص من الحكام العرب الذين يرفعون شعارات وطنية ويعادون الصهيونية. من خلال يافطات الديمقراطية التي أدخلوها، إستطاعوا أن يدمروا البنية التحتية والفوقية لتلك البلدان التي كان يقودها زعماء غير متواطئين مع الصهيونية، فنشروا الخراب والحروب الأهلية وحالة عدم الإستقرار فيها.

هذا الحال إستفادت منه الصهيونية العالمية بحالتين: الأولى تدمير من كان عقبة أمامها من بلدان وزعماء والى أجل غير مسمّى والحالة الثانية هي خلق حالة عدم إستقرار دائم في تلك البلدان، مما أدى ذلك الى هجرة مليونية تضررت منها أوربا. هذه الهجرة غيّرت مفاهيم الشعوب الغربية فراحت مرتبكة تحت تأثير الخوف من الإسلام "الإسلامو فوبيا" الذي عززه الإرهاب من جهة، وتأثيرات الكساد الإقتصادي الملحوظ والذي بدأ منذ عام 2008م بعد إفلاس البنك الأمريكي العالمي العملاق " ليمان براذر". حالة تخوّف الشعوب الغربية من زحف اللاجئين لها، فتح الباب على مصراعيه أمام إنتخاب شخصيّات سياسيّة شعبوية عنصريّة أخترقتها اليد الصهيونية فنجحت في إعتلاء سدات الحكم في بلدانها وكان دونالد ترامب أهمّها!

القادة الشعبويين والعنصريين الغربيين يتشابهون في كثير من الأحيان بصفاتهم وسيرتهم، وهذه الصفات منبعثة غالبا عن حالة خلل مرضي إجتماعي نفسي يعاني منه هؤلاء. صفة النرجسيّة وبكل أنواعها وصنوفها إبتداءا من النرجسيّة البسيطة الى النرجسيّة الخبيثة هي صفة تكاد تكون مشتركة عند هؤلاء الزعماء. حب الذات ونبذ الآخر هو الشعار المشترك بين الشعبويين وهكذا نادى ترامب ومنذ اللحظة الأولى "أمريكا أولا".

شخص بعض أطباء النفس ومنهم البروفسور الأمريكي جون غارتنر والبروفسور البريطاني ألين فرانسيس بأن ترامب مصاب بمرض " النرجسيّة الخبيثة" والتي بدت أعراضه واضحة عليه منذ البداية. غير أن النرجسيّة الخبيثة قد تكون عارض لمرض أشمل وأكبر الا وهو الـ "السايكوباثيّة" وقد بينت الأحداث والتجارب أن عددا لا يستهان به من السياسيين الشعبويين والعنصريين مصابون بهذا المرض أيضا. السايكوباثيّة هي حالة مرض إجتماعي وراثي على الأرجح يتصف المريض به بصفات خاصة منحرفة غير طبيعيّة أهمها: حب السيطرة والسلطة، قهرالأخر، غياب الضمير الإنساني، الكذب والمراوغة، السخرية والإستهزاء بالآخرين، الغطرسة وجنون العظمة، عدم الشعور بالخجل، غياب الأخلاق والعواطف الإنسانية والمحبة الصادقة.

حب الأنا والذات وتسخير كل الأدوات في تحقيق المصلحة والهدف، قوة الشخصيّة وقابلية الإقناع وكسب ود الآخرين. أكثر هذه الصفات السايكوباثية متوفرة بشخصيّة ترامب وتتوفر بزعماء شعبويين مثله جعلتهم قادرين على كسب أصوات الشرائح البسيطة في مجتمعاتهم، أمثال بنيامين نتنياهو رئيس وزراء "إسرائيل" وجايير بولسونارو رئيس البرازيل وبوريس جونسون رئيس وزراء بريطانيا وغيرهم.

التشابه القوي في صفات المافيويين والسايكوباثيين والشعبويين العنصريين تشير الى وجود علاقة جدلية بين طبائع هؤلاء، هذه الطبائع برمتها إن توفرت في قائد ما ستكون هدفا هاما تبحث عنه الصهيونيّة لخدمة أغراضها ومصالحها، لأن أصحابها لا يترددون في عمل أي فعل منكر أو تصرف شاذ من أجل الوصول الى الهدف والمصلحة الذاتية الخالصة. وهكذا حقق دونالد ترامب أغراضا للصهيونية مالم يحققها شخص آخر غيره! ضاربا عرض الحائط كل المواثيق العالمية والأصول والقيم، فعلى سبيل المثال وليس الحصر، نقل السفارة الإسرائيلية من تل أبيب الى القدس دون خجل أو وجل! وهكذا بحث الصهاينة ويبحثون عن أمثال ترامب بين السياسيين من أجل دعمهم ورفعهم الى كراسي السلطة ومن ثم تمرير أجندتها عليهم.

تلخيصا لما سبق نستطيع أن نقول بأن ثالوث المافيوية والسايكوباثية والعنصرية هو السلاح الذي تشهره الصهيونية أمام العالم الحر اليوم منذرة بتغيّر ستراتيجي مهم في السياسات العالمية! وهكذا نستطيع أن نقول بأن الصهيونية عرفت من أين تؤكل الكتف فحضرت الساحة للشعبويين بإعتلاء السلطة داعمة لهم في الخفاء، حتى تحققت القاعدة التي تقول: إذا لم يكن العنصري أو المافيوي أو السايكوباثي صهيونيّا فلابد للصهيوني أن يكون عنصريّا مافيويا سايكوباثيّا، حيث دونالد ترامب نموذجا!

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق