مطلع تموز 1997، تابع العالم حدثا بارزا، بثت وقائعه، وسائل الاعلام المختلفة من الصين التي وصلها الامير تشارلز، ولي عهد بريطانيا، ليحضر مراسم تسليم جزيرة (هونغ كونغ) للصين، لانقضاء مدة استئجارها من قبل البريطانيين بعد 99 عاما ... خلفية الحدث الكبير، تقول؛ ان شركة الهند الشرقية، نظمت اولى رحلاتها الى الصين في العام 1699 وسرعان مابدات نشاطا تجاريا واسعا، استدعى ان تؤسس في العام 1711 مركزا تجاريا هناك، وكان عماد تجارة الشركة، تبغ الأفيون، الذي وصلت كمياته المستوردة الى 2000 صندوق، فأثار ذلك حفيظة السلطات الصينية التي رفضت في العام 1839 استيراده.

لتندلع (حرب الأفيون الاولى) بين الصين وبريطانيا، فاحتلت الاخيرة (هونغ كونغ) في العشرين من كانون الثاني العام 1841 وفرضت على الصين (اتفاقية). وقعها عن بريطانيا الضابط (تشارلز اليوت)، وعن الصين محافظ هونغ كونغ (كي شان)، لتصبح الجزيرة مستعمرة ملكية بريطانية.

استمر الخلاف بين الجانبين وحصلت حرب اخرى في العام 1860 خسرتها الصين ايضا، فتنازلت عن جزيرتي (كو لون) و(نغو نغ)، وبقيت العلاقة بين البلدين محكومة بمنطق القوة، عاشت خلالها هونغ كونغ ويلات عديدة، قبل ان يتم توقيع اتفاقية العام 1898 التي نصت على استئجار بريطانيا لهونغ كونغ من الصين لمدة 99 عاما.

لتبدا مرحلة جديدة في حياة سكان الجزيرة التي شهدت، من قبل، موجات نزوج قسري وطوعي منها، لايتسع المجال لعرض اسبابها، وتذبذب عدد سكانها ارتفاعا وهبوطا، تبعا لذلك ... في العام 1941 اثناء الحرب العالمية الثانية، غزتها اليابان، فعانى اهلها الكثير في ظل الاحتلال، لاسيما نقص الطعام وانتشار داء الجرب، قبل تحريرها لاحقا.

لكن الحرب بين الشيوعيين والكومنتاج (الحزب القومي الصيني)، خلال الاربعينيات، كانت المحطة الحديثة الابرز في حياة الجزيرة، اذ دفعت بالكثيرين اليها هربا من المعارك، ومن ثم لجوء اعداد من الكومنتاج اليها، بعد انتصار الشيوعيين، ليخلق هذا واقعا جديدا، حيث باتت خليطا ثقافيا سياسيا، لاسيما بعد استيطان عدد غير قليل من البريطانيين والاوربيين فيها من قبل.

على الرغم من مجيء نظام شيوعي للصين بقيادة ماو تسي تونغ في العام 1949، الاّ ان المعاهدة مع بريطانيا ظلت سارية المفعول، وانتظر الصينيون العام 1997 ليعيدوا جزيرتهم الجميلة في احتفال مهيب.

واقع هونغ كونغ الاجتماعي، الذي تشكل عبر مراحل زمنية امتدت لنحو قرن ونصف، واستقرت فيها ثقافة ليبرالية لاتنسجم مع الثقافة الشيوعية، فرض على بكين ان تقبل بحل (دولة واحدة بنظامين)، أي ان تبقى هونغ كونغ بنظامها الراسمالي وتجّارها ونمط حياتها الخاص، لكن تحت سيادة الصين الشيوعية!.

هذا الواقع السياسي والاجتماعي، يوفر بطبيعته الكثير من الثغرات لمن يريد ان يلعب مع الصين في الظلام، وخبط مياهها الصافية. ولعل الاحتجاجات الاخيرة التي بدات برفض (قانون تسليم المتهمين) الى الصين، التي تسعى من خلاله الى تكريس نفوذها فيها، يمثل راس جبل الجليد من الكامن الخلافي، بين سكان الجزيرة وبلدهم الام، او بالاصح بلد الاغلبية من سكانها، لانهم متعددو الاعراق والثقافات واعتادوا نمطا مختلفا للحياة، ويتطلعون الى المزيد من الحريات الشخصية، التي يتعارض بعضها مع ثوابت سياسية صينية راسخة.

يصعب الجزم، بتشخيص الجهات الداخلية، الخفية، والخارجية التي تدفع باتجاه تأزيم الوضع في الجزيرة، لكن وجود مثل هذا الامر غير مستبعد ابدا، في ظل المناكفات الصينية الاميركية في اكثر من ميدان، وابرزها الحرب التجارية .. او حرب الافيون التي تتجدد بأشكال مختلفة!.

.....................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق