بقلم: ادواردو كامبانيلا

ميلانو- قد يصف مؤرخو المستقبل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على أنه اللحظة الحاسمة لموجة قومية، أزاحت النظام الدولي الليبرالي الذي بني بعد الحرب. ومع ذلك، فإن مهمتهم ستكون معقدة بسبب كون خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ليس، في الحقيقة، تعبيرا عن القومية البريطانية. بل على العكس من ذلك، فإن غياب القومية البريطانية الصحيحة، هو بالضبط، ما دفع المملكة المتحدة إلى حافة التفكك.

وعلى مدار قرون من الزمن، تطورت الهويات القومية الاسكتلندية، والويلزية، والإيرلندية، لتكون ردود فعل ضد الإمبريالية الإنجليزية الخانقة. وقبل تأسيس إمبراطورية خارجية- أولاً في أمريكا الشمالية ومنطقة بحر الكاريبي، ثم في الهند، وجنوب شرق آسيا- بنى الإنجليز إمبراطورية برية، عن طريق التوسع من جنوب الجزر البريطانية إلى الشمال الغربي. وهكذا، مع أن "الإمبراطورية الخارجية" سمحت بدمج الهويات الوطنية المختلفة للمملكة المتحدة في هوية بريطانية مشتركة، فإن "الإمبراطورية الداخلية" كانت إنجليزية بكل تأكيد.

ومع ذلك، ولعدة قرون، وفرت الإمبراطورية البريطانية ثروة لجميع سكان الجزر البريطانية، وزودتهم بالمواد الخام، وبفرص مهنية شاملة. وخلقت مهمتُها "الحضارية" إحساسًا بالمعنى الجماعي، بالإضافة إلى سرد للتقدم الديمقراطي والاقتصادي المستمرين.

ولكن دمج الهويات كان دائمًا غير مكتمل، خاصة في إيرلندا، حيث لا تزال تداعيات الاستقلال تتردد بعد قرن من الزمان، متجلية في حالة عدم اليقين الناتجة عن "دعم إيرلندا الشمالية". وكشف الاستقلال الايرلندي عن الألوان الحقيقية لـ"الإمبراطورية الخارجية". لقد كانت، هي أيضًا، هدفا تسعى وراءه إنجلترا دائما، وكانت الويلز، واسكتلندا، وإيرلندا، شركاء صغار لها.

وعلى أي حال، بنيت كل من الإمبراطوريتين الداخلية والخارجية على أسس القانون العام الإنجليزي، والبرلمان الإنجليزي، والملكية الإنجليزية. وكانت لندن العاصمة السياسية، والمركز التجاري والمالي الرئيسي، وكانت اللغة الإنجليزية هي اللغة التي تتحدث بها مناطق السيادة، والمستعمرات، والمحميات. وفي الوقت الحاضر، فإن محددات الهوية "البريطانية" و"الإنجليزية" تبادليتان في الاستخدام بشكل أساسي.

ولكن ما إن تلاشت الإمبراطورية، ذاب الغراء الذي كان يربط البريطانيين ببعضهم البعض. وفجأة، أصبح الإنجليز هم الوحيدون الذين لا يحملون هوية وطنية تقليدية. وباعتبار الإنجليز الجوهر الفعلي للإمبراطوريتين، فقد كانوا دائمًا يقمعون تعبيرات القومية الإنجليزية العرقية لصالح الوحدة والاستقرار، ولتجنب أن يُنظر إليهم على أنهم مضطهِدون.

ومع ذلك، فقد ظلوا على الحال الذي يسميه عالم الاجتماع كريشان كومار "شعب إمبراطوري": إذ أن هويتهم الوطنية، كما هي، لا تزال مرتبطة بقوة بالدور التبشيري للإمبراطورية. وفي الواقع، خلال الحرب العالمية الثانية، رأى الرئيس الأمريكي فرانكلين دي روزفلت أيضًا، أن الإمبريالية كانت فطرية للبريطانيين/الإنجليز- ولم يقصد المدح من وراء تلك العبارة. وقال لِوينستون تشرشل: "كان البريطانيون يأخذون الأرض في أي مكان في العالم، حتى لو كانت صخرة، أو قضيب رملي". "لديك 400 سنة من الغريزة الاستحواذية في دمك."

ودائما ما كان تاريخ بريطانيا في المجد الإمبراطوري يساهم في تشككها في المشروع الأوروبي، لأن ذلك الماضي يوفر معيارًا بعيد المنال لتقييم الحاضر. واستخدم نفس الاستثناء البريطاني الذي برر ذات مرة الحكم الإمبراطوري، للقول بأن المملكة المتحدة يجب ألا تستسلم "للاستعمار" من قبل إمبراطورية أوروبية (ألمانية ـ فرنسية). ومن هذا المنطلق، كان الانضمام إلى المشروع الأوروبي يعني التخلي عن مهمة بريطانيا السرية؛ ويمكن استردادها فقط عن طريق العمل السياسي المتطرف، مثل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي

ولكن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لا يتعلق فقط بقطع العلاقات مع الاتحاد الأوروبي. بل يتعلق ظاهريًا أيضًا، بتقوية الروابط المحلية بين سكان الجزر البريطانية. ولكن يتضمن جوهر إستراتيجية "بريطانيا العالمية" لرئيس الوزراء بوريس جونسون، الوعد باستعادة مجد البلاد الإمبراطوري الماضي، عن طريق إحياء العلاقات مع المستعمرات السابقة للكومنولث. والدافع الخفي، بطبيعة الحال، هو إعادة غرس الشعور بالأهمية الذاتية في المواطنين الإنجليز، عن طريق إعادة وضعهم في قلب مشروع بريطاني مشترك.

ومع ذلك، لا يبدو أن الشوفينيين الإنجليز قد أدركوا أن زوال الإمبراطورية البريطانية- ناهيك عن نقل السلطة الدستورية- قد سمح لزملائهم من سكان الجزر على حد سواء، بتعزيز هوياتهم الوطنية، وتحقيق مزيد من الحكم الذاتي لأنفسهم. وفضلا عن ذلك، فإن مواطني اسكتلندا، والويلز، وإيرلندا، أصبحوا ينظرون إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، على أنها ضمان ضد الانتقام السياسي الإنجليزي.

وكما في الماضي، تطمح الإمبريالية إلى الوحدة، ولكن لديها آثار جانبية مثيرة للخلاف. وتركز تخيلات مؤيدو البريكسيت لبريطانيا العالمية بشكل مباشر، على الهوية الوطنية الإنجليزية، بينما تضعف تلك التي لدى حكومات اسكتلندا، وإيرلندا الشمالية، والويلز، التي ستعود إلى العمل كشركاء صغار في مشروع إنجليزي أقل قيمة ومكافأة.

ومع أن العوامل الاجتماعية والاقتصادية لعبت بعض الدور في نتائج استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإن الانهيار الجغرافي يروي القصة الحقيقية. وباستثناء لندن، وهي معقل للكوسموبوليتية المتعددة الأعراق، أيد 55٪ من الناخبين في إنجلترا مغادرة الاتحاد الأوروبي، في حين أن 62٪ من الاسكتلنديين، و56٪ من مواطني شمال إيرلندا صوتوا على البقاء. وكما لاحظ أنتوني بارنيت من openDemocracy، (أوبن ديمركرسي)، كان ذلك "خروج بريطانيا من إنجلترا".

إن الخطر الآن هو أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيؤدي إلى التفكك السياسي للمملكة المتحدة، حيث تتنافس الدول الأخرى على البقاء في الاتحاد الأوروبي. وبدأت الطموحات الانفصالية تغلي في اسكتلندا وحتى في ويلز، مما دعم "الانسحاب" بنسبة 52٪. ونظراً لتعقيدات مسألة الحدود الإيرلندية، من السهل تخيل كيف يمكن أن يؤدي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يومًا ما إلى الوحدة الايرلندية.

لا ينبغي إغراء أي شخص بالاعتقاد بأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هو انعكاس موثوق لعودة القومية البريطانية. وبعيدًا عن إحياء باكس بريتانيكا، (عصر هيمنة السلام البريطاني)، فهي تعِد بالتضحية بالمملكة المتحدة باسم إمبراطورية إنجليزية لن تكون أبدًا أكثر من طموح خيالي.

* ادواردو كامبانيلا، زميل مستقبل العالم في مركز إدارة التغيير بجامعة آي إي في مدريد، ومؤلف مشارك مع مارتا داس لـ "أنجلو نوستالجيا: سياسة العاطفة في الغرب المنكسر"
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق