بنبرة متذمرة وحادة تساءلت المرجعية الدينية العليا على لسان وكيلها الشيخ عبد المهدي الكربلائي: ما الحل لمأساة العراقيين التي مضى عليها أكثر من عقد ونصف العقد؟ وهم محرومون من أبسط مستلزمات الحياة، بالرغم من صرخاتهم المدوية التي اكتظت بها شوارع وساحات المدن، لكنها لم تنفع في تحريك ضمير ميت لطبقة سياسية قدر لها أن تمسك زمام امورنا، ومع ذلك لم يسترجع العراقيون شيئا مما فقدوه، ولا أظن في قابل الأيام يتحقق لهم بعضا مما تمنوه، ومتأكد من ان هذه الطبقة لن تستحي وهي تسمع توبيخا تستحقه من المرجعية، فلا أحد من الذين يمسكون بالمقود يرى في نفسه مسؤولا عما حدث، كل يلقي باللائمة على غيره، وسيبقى الحال على هذا المنوال ما لم نرجع الى المنطق، ونفكر بطريقة مسؤولة ووطنية . ومع ان الحلول واضحة وليست بالمستحيلة اذا ما توافرت الارادة الصادقة لمسؤول غيور وجريء ويتطلع لفعل تاريخي يحفر له مكانا أثيرا في ذاكرة العراقيين، فالأمر بحاجة لرجال يضعون العراق نصب عيونهم وليس دول الجوار، وينتشلون الفقراء من بؤسهم وليس تخليص أحزابهم من مآزقها، وبناء وطن وليس تشييد شقق على شواطيء المتوسط.

ويتساءل البسطاء من الناس: اذا كانت المرجعية بوصفها ضمير الامة تسأل عن الحل لهذه العقدة التي فشل في فك ألغازها الكثير ممن يصفون أنفسهم بأهل الحل والعقد على اختلاف مشاربهم الحزبية والعقائدية، فمن يعرف الحل؟ فلماذا امتهنتم السياسة اذا كنتم غير قادرين عليها، وهل من لبيب يُقدم على المشاركة في ادارة الخراب؟

أبدا المرجعية تعرف مفاتيح الحل، لكنها تنأى بنفسها عن الخوض في مستنقعات آسنة، ولا تريد محاورة من لا قيمة او وجدان لهم، ولا ترغب لمشورتها المقدسة ان يتجاهلها تافه. فلم تخلو أي من خطبها من رسائل غير مباشرة للسياسيين تدلهم فيها الى الطريق القويم، لكن الطمع في المغانم أغلق آذانهم وأعمى أبصارهم وبصائرهم، ففرحوا بما جنوا من مال وتناسوا اللعنات التي ستطاردهم على مدى التاريخ.

وعندما أيقنت المرجعية ان غير المباشر من الكلام لا ينفع مع هذه الطبقة، عبرت عن انزعاجها الذي كتمته لسنوات لتحثهم على التوقف عن غيهم ووضع الله تعالى بين عيونهم والعراقيين في ضمائرهم، فالعراقي كريم وغيور وشهم يستحي أن تصفه الشعوب الاخرى بما لا يستحق . ويبقى السؤال ما الحل؟ وهل هو صعب لهذه الدرجة التي نقبل أن يظل العراق على حاله من دون التفكير بشكل جاد بانقاذه ؟، وأرى ان الحل ليس كذلك، لكنه ليس بيد السياسيين الذين قذفتهم الصدفة لهذا المجال، فمنهم من رأى في السياسة تجارة، ومنهم من لازال يعمل لترسيخ اقدام الطائفة في السلطة، ومنهم لا هم له الا ازاحة من هم في السلطة مهما كانت الأثمان وان تحالف مع الشيطان، ومنهم من لا يعنيه من السياسة سوى الجاه والسلطان والمال، وقلة اولئك الذين بصمت تحترق قلوبهم ولكنهم غير قادرين على مواجهة عاصفة قصار النظر.

ومع ان حياتنا صارت أزمات تلو اخرى والتي لا تحل نرحلها للمستقبل، حتى غدا مستقبلنا عبوة ضخمة قابلة للانفجار بشرارة بسيطة، كما استهلك الجميع أكداسا من الكلام السياسي الفارغ، وانفق من المال ما يتعذر حسابه، لكننا لم نفكر للحظة بمراجعة ما فات، ولم نضع هذه الفكرة أمام التفكير العملي، وأحلف أمامكم بأغلظ الأيمان ان هذه المراجعة اذا وضعت على طاولة الأكاديميين والقانونيين وبعض من محترفي السياسة من غير الحاليين، سنتمكن من تشخيص مواطن الخلل التي شُخص بعضها بالأصل، والتشخيص من شأنه تحديد الآليات العملية للحل . بأمس الحاجة لفكر عملي وليس لعبارات انشائية فيها من البريق أكثر مما فيها من العلاج لجسد نخره سرطان المحاصصة، والكل يدري كيف (جيرت) الأحزاب والتيارات مؤسسات الدولة لحساباتها بذرائع المكون والتوازن والشراكة والتوافق، لنجب بطريقة اجرائية عن السؤال: كيف نتخلص من المحاصصة؟

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق