موجات مد وجزر سياسية يتعرض لها العراق في ظروف قياسية، فلا تكاد تنتهي موجة من العراك الاعلامي وفي مواقع التواصل الاجتماعي، حتى تبدأ معركة حول قضية جديدة رغم ان الاولى لم تحسم لصالح اي طرف سوى التموج في المواقف.

مرة تستخدم الطائفية كرافعة سياسية، يستفيد منها اصحابها لكسب النفوذ الاجتماعي، وتحصين انفسهم جماهيرياً، ومرة اخرى بإسم مواجهة المحتل يتم تبرير اختراق القوانين، وتاسيس جيوش موازية اقوى من الجيش نفسه، وفي بعض الاحيان تتبرأ جهات من كل هذه الاساليب لتستخدم الحريات المدنية من اجل التستر على بعض الممارسات المدمرة اجتماعيا.

في كل هذه المعارك لا يتم الاحتكام الى القانون العراقي، انما للاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وكانها "فزعات" عشائرية، فمن ضمن اكثر ملفات الفساد التي حرمت الشباب من التمتع بالاجواء التي يحبونها هو الحظر الذي فرضه الاتحاد الدولي لكرة القدم نتيجة سوء التنظيم الذي هو انعكاس للفساد، وقبل أيام نظم العراق بطولة غرب اسيا من اجل رفع الحظر عن الملاعب المحلية، وحتى في هذه البطولة التي يفترض انها نظمت لرفع الحظر تكررت القضية نفسها، لكن العيون لم تلتفت الى الفساد الذي يقبع خلف جدران الملاعب، وراحت تهلهل للمنظمين لانهم استطاعوا جلب عازفة كمان غير محجبة، فتحت معركة جانبية دخل فيها الدين والتقديس ونسي الجمهور ما تجنيه مافيات الفساد من معاركهم.

على مقربة من الرياضة يعيش الجيش العراقي في ثقب اسود من الفساد، تسبب بضياع ثلاث مدن عراقية عام ٢٠١٤ بيد داعش، وخسارة الاف الارواح من المدنيين والعسكريين وتدمير البنى التحتية للمدن المحتلة من داعش، رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي وضع يده بنفسه على الفساد المستشري في المؤسسة العسكرية، وكشف عن وجود عشرات الالاف من الاسماء الوهمية في الجيش تحت مسمى "الفضائيين"، كما الغيت صفقة الاسلحة الروسية بسبب الفساد ايضا.

اما شركات الاتصالات ففيها من الفساد ما يشيب له الطفل الرضيع، اذهب الى فاتورة الرصيد واضربها بنوعية الخدمة التي تتحصل عليها، ستكتشف انك تتعرض لعملية سرقة علنية، وبنفس الطريقة مزاد بيع العملة الصعبة في بغداد، وملفات كثيرة لا تظهر للجمهور الا في أوقات محددة، ما يثير الشبهات بسبب التوقيت وقصر مدة ظهورها واختفائها.

لا تحرك هذه القضايا امام القضاء وتبقى مركونة على الرفوف كاصول استثمارية سياسية مستقبلية، يمكن استخدامها حينما تشح الموارد من اجل ابتزاز الخصوص والحصول على بعض المكاسب لتغلق للغرض ذاته، هذا الجو من الاستثمار يمثل بيئة مناسبة لكل سياسي لا يمتلك مشروعا واضحا لبناء الدولة العراقية، ولا هو بصدد التفكير في التاسيس لمشروع مستقبلي، فالميكافيلية في اوضح صورها تمارس في دهاليز القصور السياسية، ووسائل الاعلام ايضا، الغاية تبرر الفساد المالي للزعيم الفلاني لكونه من فريقنا (من جماعتنا)، وغاية التسقيط في الطرف المقابل تبرر استخدام الرموز الوطنية والمطالبة بالحقوق من اجل تسقيط هذا السياسي لا اكثر، اي بمعنى ان فساده نعرفه منذ امد طويل ولا نستنكره، لكن اذا امكن استغلاله سياسيا فهذا جيد، مع إضافة قليل من المطالب الحقوقية والوطنية كستارة لحجب الهدف الاساسي.

لا معنى للمصلحة العليا في التبارز السياسي، المصلحة الاكبر ما تقرره سفارتان رئيسيتان، فالسفارة الكبيرة قد تتعرض لابتزاز خطير، وتصوب وسائل الاعلام سهام النقد نحوها، فترد بنبش ما كان مخفيا للسفارة الصغيرة، وبالطبع تساندها وسائل اعلام قادرة على تحريك مواقع التواصل الاجتماعي، والغاية تبرر الحرب الداخلية الوطنية.

ما بين سفارة كبيرة واخرى صغيرة، وما بين معارك خارجية تنعكس على شكل معارك داخلية عراقية، ووسائل اعلام ممولة من الخارج علنا، وتروج لهذا الممول بدون خجل، وما بين جمهور تحركه مصالح الخارج بدون ان يشعر، يقبع هناك في مصارف بغداد ومشاريعها الاستثمارية ومزادات بيع المناصب، يقبع فساد كبير مطمئن للوضع الذي وصل اليه العراق، فلا حرب ضده الا في الاعلام، والسجون وجدت لاصحاب الحظ العاثر ممن لم يرتموا باحضان احدى السفارتين.

يعرف الفاسد اليوم ان الخط الاحمر الذي يجب ان لا يتجاوزه ليس القانون العراقي، فهو مستثنى منه اصلا بدلالة وصوله للمنصب بدون مؤهلات، وخرقه للقوانين بدون ان يتعرض لابسط العقوبات، فهل بقيت اي حصانة لهذا القانون، اكثر ما يخيف الفاسد غضب احد السفيرين، لانه قد يؤدي به الى الهلاك السياسي، وضياع مستقبله كمتنفذ وشخصية بارزة في البلد، فالمعارك الإعلامية اليوم تعلن باسم الوطن، وباسم الدفاع القيم الاجتماعية والدينية، ومرات باسم الحقوق المدنية، لكنها في غالبها ترتبط بالصراع الإقليمي والدولي الذي يشتد في العراق، لتوفر هذه الأجواء مظلة سليمة للتخلص من أي محاسبة قضائية.

.....................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق