اظهرت الدراسة المعمقة التي اجراها الباحث في العلوم السياسية كريستوفر كلاسن ان "ما يفكر فيه الجمهور حول الديمقراطية مهم. يرتبط الدعم الشعبي الأعلى للديمقراطية بتوسيع الحقوق الديمقراطية وتعزيز المؤسسات الديمقراطية؛ يرتبط الدعم الأقل بتآكل هذه الحقوق والمؤسسات."

هذه حقيقة امبريقية توصل اليها الباحث من خلال جمع وتحليل نتائج الاستطلاعات العابرة للبلدان فيما يتعلق بدعم الجمهور للديمقراطية أو معارضة الأنظمة الاستبدادية، ما مكنه من جمع قاعدة بيانات تضم 3765 رأيًا حول الديمقراطية تم الحصول عليها من 1،390 استطلاعًا منفصلًا تم إجراؤها في 151 دولة من 1988 إلى 2017.

وبالتالي فهذا الذي توصل اليه لا يمثل رايا شخصيا او انطباعا ذاتيا منتزعا من ملاحظات عامة، بل هو دراسة دقيقة منهجية علمية. ومن هنا تأتي اهمية النتائج التي استخلصها الباحث. يشهد العراق عملية تحول بطيئة نحو الديمقراطية، تعرضت في نفس الوقت الى عيوب تاسيس وتشوهات جعلت الناتج حتى الان نظاما سياسيا تلفيقيا هجينا، يحتوى على بعض عناصر الديمقراطية، لكن لا يمكن وصفه بانه نظام ديمقراطي. ومن هذه العناصر: الدستور الديمقراطي، الحرية السياسية، الحرية الاعلامية، الانتخابات الدورية للمجالس التمثيلية، مجلس النواب الخ. وقد استفاد الشعب من هذه المؤسسات، من خلال استطاعته التظاهر او انتقاد الحكومة الخ.

لكن القول بان النظام القائم نظام هجين رغم وجود عناصر ديمقراطية فيه يجعلنا نتساءل ان كان الدعم الشعبي للديمقراطية وقيمها ومؤسساتها ضروريا لاسنادها ودعمها وتاصيلها وترسيخها في المجتمع والدولة.

حسب دراسة كريستوفر كلاسين فان الجواب نعم، ان هذا الدعم ضروري، بغض النظر عن درجة هذه الضرورة.

وتبرز هذه الضرورة اذا استحضرنا قوة المبادرة الطوعية للتحرك لدى الجمهور. وفي الحالة العراقية نستطيع ان نلاحظ ان هذه المبادرة الطوعية ليست قوية كما ينبغي في جميع المواقف والحالات. ففي حالة الهجمة الداعشية على الاراضي العراقية في عام ٢٠١٤، لم يبدي الشعب العراقي رد فعل مضاد بصورة تلقائية وعفوية وانما انتظر الفتوى الدينية التي صدرت بعد حوالي ثلاثة ايام ليبدا بالتحرك ورد الفعل المضاد. وهذا يعني ان الشعب العراقي بحاجة الى محرك ليتحرك، وقد يكون هذا المحرك هو المرجعية الدينية.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف نبني ونحقق هذا الدعم الشعبي للديمقراطية؟

والجواب هو: التثقيف. فالشعب العراقي بحاجة الى ثقافة سياسية عامة تجعله يدعم ويساند الديمقراطية، تحولا وفكرا ومؤسسات. و الثقافة السياسية بصورة عامة مطلوبة في كل الحالات، فنحن لا ننتظر من مجتمع اية ممارسة سياسية سليمة او وعيا سياسيا صحيحا ما لم يكن يملك على نحو الاجمال ثقافة سياسية سليمة وصحيحة. وعليه يكون توفر الثقافة السياسية السليمة من شروط تحقق الدعم الشعبي للديمقراطية.

والسؤال الان هو: من يشيع الثقافة الديمقراطية؟

بالعودة الى تجربة الفتوى الدينية بخصوص داعش يمكن القول ان المرجعية الدينية هي المسؤولة عن اشاعة الديمقراطية. فالشعب العراقي سمّاع جيد لخطب الجمعة ومنفذ لتوجيهاتها وتوجهاتها وفتاوى المرجعية. ويمكن ان تلعب المرجعية دورا كبيرا في تحشيد الدعم الشعبي للديمقراطية. خاصة وان المرجعية الدينية اعلنت في اكثر من مناسبة انها تسعى "منذ سقوط النظام الاستبدادي السابق في ان يحلّ مكانه نظامٌ يعتمد التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة عبر الرجوع الى صناديق الاقتراع، في انتخابات دورية حرّة ونزيهة." وعليه فان حث الجمهور على مساندة الديمقراطية يأتي في صميم سعيها. مع التاكيد على ضرورة بقاء دور المرجعية فاعلا لكي تتم بناء الدولة الديمقراطية.

دور المرجعية الدينية في دعم الديمقراطية لا يعفي المدرسة، والاعلام، والكتاب، من دورهم المماثل في هذا المجال.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق