من بين القصص الطريفة التي قراتها في احدى مجلات الاطفال - لعلها مجلتي او المزمار- قصة بعنوان (سمير يتعلم الطيران) او عنوان اخر قريب من هذا.. فكرة القصة تهدف الى تربية الطفل على عدم التسرع، وضرورة الالمام بالامر الذي ينوي القيام به .. وتقول، ان سمير وجد مجلة ولفت انتباهه عنوان مادة عن كيفية تعلم الطيران! ففرح، لانه سيحقق حلمه في التحليق قرب الغيوم البيضاء، لذا طلب من اخته الصغيرة مرافقته في مغامرته هذه، ولكي تقرا له التعليمات اولا باول! وهكذا رافقنا سمير واخته، وهما يركبان الطائرة حسب التعليمات، ويجلسان خلف المقود، ثم يشغلان محرك الطائرة .. وكل هذا حسب ما موجود في المجلة طبعا .. ثم يطيران في الجو وينتشيان حين يتاملان الغيوم البيضاء من حولهما والبشر والبيوت والمساحات الخضراء من تحتهما.. لكن المشكلة هي ان سمير الذي يستمع الى اخته وهي تعطيه التعليمات، وينفذها بمتعة، يرتبك مثلها ولايعرف كيف يتصرف، حين قالت له بدهشة، ان بقية التعليمات في العدد القادم من المجلة!!

في العموم، لم يبق الصغيران في الجو، ولم يحزن عليهما من يقرا القصة، وانما سيضحك للطرفة البريئة التي اراد منها الكاتب ايصال فكرة معبّرة .. امثال هذه القصة، صرنا نقراها ونراها في واقعنا اليوم، وابطالها من الكبار هذه المرة، اذ لم يعد مستغربا ان ترى بناية لمستشفى او حي سكني، او مشروع خدمي كبير في أي مدينة عراقية، صرفت عليه الملايين من الدولارات، متوقف العمل فيه منذ سنين، وقد تركت الهياكل الكونكريتية الضخمة تنادم الصمت، وقربها بعض المعدات متوقفة في ميدان العمل وقد علاها التراب او نالها الصدأ بفعل عوامل التعرية، وحين تسال عن السبب، تأتيك اكثر من اجابة، بعضها واقعي، يتصل بتوقف التخصيصات اللازمة لاستمرار العمل، وبعضها من صنع المخيلة التي اسهم في صنعها هي الاخرى واقعنا المأزوم، أي اخذ المقاول الاموال وهرب!.

وفي كلا الحالتين، تجد نفسك امام نتيجة واحدة، لاتحتاج منك ان تحصل عليها من احد، وهي ان هناك سوء تخطيط، فالمشروع الذي يكلف مبالغ كبيرة، لاترصد له الاموال المطلوبة، لكي تعطى للشركة المنفذة على شكل دفعات وفق السياقات المعروفة، لينجز في موعده، وانما وعدت الجهة المستفيدة باستلام المبلغ في الموازنات القادمة، أي تعطى دفعة اولى او ثانية، ثم لاتحصل على المبالغ المتبقية لاكمال المشروع بسبب العجز وقلة التخصيصات اللازمة، فتتوقف الجهة المنفذة عن العمل، وتترتب على الجهة المستفيدة غرامات كبيرة، وفي كلا الحالتين، المواطن هو من يدفع الثمن، اذ لم يحصل على المشروع الخدمي الذي ينتظره، ولم يستفد من الاموال، التي صرفت، بمشاريع اخرى اقل كلفة، بالامكان تنفيذها، بالاضافة الى العامل النفسي الذي يتركه هذا المنظر، الذي يوحي بتوقف الحياة .. لانعتقد ان هناك مدينة عراقية خالية من هذا المنظر، الذي بات من كوابيسنا اليومية!

تداعت الى ذهني هذه الكلمات، وانا ارى هياكل ملعب التاجيات ومرآب النهضة وغيرهما في بغداد قبل ايام.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق