الهندسة السياسية هي علم بناء الدول. فبناء الدولة عملية علمية تخضع للحسابات والاحصاءات الرقمية والتخطيط وتقدير الموارد وتوقع النتائج والتقييم النهائي، وهي ليست عملية عشوائية، عفوية، اعتباطية، تنطلق من انطباعات ذاتية وتصورات شخصية، يفرضها من يعطي لنفسه حق الوصاية على الاخرين.

وعملية بناء الدولة ترتبط مباشرة بالناس، فالدولة لا تقوم بدون ناس (شعب، مواطنين)، ولذا يجب ان تكون العملية محمية دائما بالشرعية، بمعنى انها تتم برغبة الناس ورضاهم وتفويضهم وقناعتهم. لذا نرفض منذ البداية ان تجري عملية بناء الدولة استنادا الى وصاية حزبية او شخصية، على القاعدة الفرعونية القائلة، حسب رواية القران:"مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ". فالرؤية المعتمدة ليست رؤية الشخص او الحزب الذي يفرضها على الناس بالقوة والغلبة والاستيلاء والانقلاب العسكري. ولذلك رفضنا رؤية حزب البعث لبناء الدولة في العراق لانه انطلق من اعتقاده بحق الوصاية على الناس. وهذا ينطبق على كل الحالات المماثلة.

وعملية بناء الدولة هادفة. وهدف الدولة هو الهدف الذي يسعى كل انسان الى تحقيقه وهو تحسين نوعية ومستوى الحياة بما يحقق سعادة الانسان.. على الاقل هذا هو ما يقوم به الانسان العاقل منذ الاف السنين. وسعي الانسان الى تحقيق هذا الهدف هو الذي ادى الى انبثاق الحضارات الانسانية.

وتشخيص الهدف بهذا النص يكتسب شرعيته من قبول الناس به، فاذا ثبت ان الناس غيروا رايهم، واستبدلوا هذا الهدف بغيره، فلا يصح فرضه عليهم بالقوة والغلبة.

تحسين نوعية ومستوى الحياة عبارة واسعة عريضة تشمل مختلف نواحي الحياة الروحية والثقافية والفنية والاخلاقية والاقتصادية والتربوية والمعيشية الخ. وهذا تتحقق من خلال الحرية والعدالة والمساواة والامن والعلم والتكنولوجيا وغير ذلك.

لا يمكن ان تشتغل الهندسة السياسية دون ان توجد في اذهان المهندسين، اي القائمين على بناء الدولة امثال الاباء المؤسسين للولايات المتحدة، صورة عامة للدولة التي يرومون بناءها. وقد حدد اولئك الصورة المطلوبة قبل بناء الدولة من خلال اطلاعهم على كتابات مفكرين وفلاسفة سبقوهم الى ذلك ابتداءً من افلاطون وارسطو ومن تلاهما ومن خلال النقاشات رفيعة المستوى التي دارت بينهم. وقد استطاع اولئك ان يرسموا هذه الصورة في "الاوراق الفيدرالية" وثم الدستور الذي جعلوه مرنا الامر الذي مكنهم من ادخال اكثر من ٢٠ تعديلا جوهريا عليه في وقت لاحق. وكذلك فعل مفكرو الثورة الفرنسية ومن قبلهم مفكرو الثورة الانگليزية. ولا ننسى ان لينين قام بالامر نفسه قبل قيادة الثورة التي اسفرت عن تأسيس الاتحاد السوفيتي بغض النظر عن انهيار هذه الدولة بعد عدة عقود.

يمثل الدستور الصورة التخطيطية للدولة الجديدة. واحترام الدستور والحرص على الالتزام به، وتعويد المؤسسات والناس والمسؤولين من شروط نجاح عملية بناء الدولة الجديدة.

اكتب كل هذا وانا استحضر تطور الامور منذ سقوط النظام الدكتاتوري حتى الان. واتذكر ان "الاباء المؤسسين" عندنا لم يُعرف عنهم اشتغالهم بالهندسة السياسية لدولة سوف يكتبون في دستورها انها "دولةٌ اتحادية واحدة مستقلةٌ ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوريٌ نيابيٌ (برلماني) ديمقراطيٌ". ولا اتذكر ان مناقشاتٍ علميةً جرت بينهم حول هذه الكلمات المفتاحية ودلالاتها. فلا النظام الاتحادي (الفيدرالي) كان واضحا ومتفقا عليه، بدليل الظواهر الكونفدرالية الموجودة حاليا في الدولة، ولا النظام البرلماني كان واضحا ايضا، ومثله قل عن الديمقراطية التي تم تشويهها بطريقة بشعة.

وبعد ان تم اقرار الدستور بالاستفتاء الشعبي، لم يعرف عن الحكام الجدد تمسكهم بالدستور والتزامهم باحكامه!.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق