المقدمة

من اهم الطاقات المهدورة في مجتمعاتنا هي الطاقة الشبابية نتيجة:

اولاً: عدم الاهتمام بها من ناحية تطوير قدراتها العلمية والابداعية تجاه الإنتاج والمشاركة.

ثانياً: قلة رعاية وحماية وتوجيه الشباب سلوكياً واخلاقياً وتربوياً لتمكين وزرع ثقافة العمل والابداع والإنتاج والنجاح داخل المجتمع، وبالتالي لا يمكن الحديث عن الاستفادة من طاقة ربما تمثل أكثر من نصف الطاقة الفعلية الموجودة داخل المجتمع اصبح مصيرها الهدر والضياع نتيجة الإهمال المباشر (وغالباً ما يكون اهمال حكومي متعمد خوفاً من ردة فعل الشباب السياسية في حال تمكينهم من المشاركة في الحياة العامة) وغير المباشر (نتيجة عدم دراسة أسباب الفشل والسعي لحلها والاستفادة من طاقات الشباب).

من المسؤول؟

وحتى نضع الأشياء في نصابها الصحيح ينبغي ان نعترف اولاً ان المؤسسات الحكومية او النظام السياسي او الحاكم ليست المسؤول الوحيد عن هذا الهدر الهائل وغير المبرر للطاقات الشبابية، وقد شخص المرجع الراحل السيد محمد الشيرازي المسؤولية بالقول: "فهناك مسؤولية كبيرة على عاتق الجميع" معللاً ذلك بالقول: "فإن تملك زمام الشباب لا يكون إلا بجذب بناء صحيح في العقيدة والعمل بحيث يوفر للشباب من الجنسين العمل في قبال البطالة، والعلم والدراسة في قبال الجهالة والسكن والمسكن والعلاج الصحي والحماية وغيرها في قبال عدمها، فإن الفوضى وكثرة الأعداء جعلت من بلاد الإسلام في الحال الحاضر ما ترتطم في مشاكل لاحد لها ولا حصر لأسباب كثيرة منها عدم توفر هذا الأمر بعدم أخذ العقلاء أزمة الشباب"، وهذا الامر يضع الجميع امام المسؤولية الأخلاقية والتربوية، والمسؤولية الاقتصادية وتوفير فرص العمل، والمسؤولية العلمية وغيرها مما شخصها المرجع الشيرازي في كتابه (الشباب).

التحديات والشباب

باعتبار أن "الشباب هم فئة من البشر لهم تكوينهم البيولوجي والسيكولوجي المختلف عن تكوين الشرائح العمرية الأخرى، ولهم أوضاعهم الاجتماعية ومواقفهم المختلفة عن نظائرها عند الشرائح العمرية الأخرى، الأمر الذي يدفع إلى ظهور مجموعة من القيم أو المعايير التي تتوافق مع احتياجات هذه الشريحة، إضافة إلى قدرتها على توجيه سلوكيات الشباب في مختلف مجالات الواقع الاجتماعي".

ومن هنا برز التحدي الكبير في التعامل مع مجموع القيم والسلوكيات التي ارتبطت بالشباب وبالتالي يمكن لطرف ما رعاية وإعادة توجيه هذه الطاقة بما يخدم الشباب على وجه التحديد والمجتمع على وجه العموم.

ولعل هناك جملة من التحديات التي برزت كمعوق يحول دون تمكين الشباب من ممارسة دورهم الطبيعي في تحريك عجلة الاقتصاد والثقافة والسياسة...الخ، داخل مجتمعاتهم يمكن ان ندرج البعض منها:

1. التحديات الاقتصادية: البطالة والاحتكار والفساد والتخلف والجهل وتهالك البنى التحتية وانعدام فرص الاستثمار وسوء التخطيط... كلها عوامل تدمر الاقتصاد في المجتمعات الساعية الى تطوير واقعها الاقتصاد، وان اول انعكاس سلبي ستجد صورته في شريحة الشباب باعتبارهم المحرك الأول لعجلة الاقتصاد.

2. التحديات الاجتماعية: يشكل طريقة التعامل والتعاطي المجتمعي مع شريحة الشباب، ابتداءً من الاسرة وصعوداً نحو قمة الهرم السياسي امراً في غاية الأهمية، حيث سيضع هذا التعامل أثره الواضح على الشباب وطاقاتهم الكامنة مستقبلاً، وبالتالي فالمجتمع اما سيكون صاحب الدور السلبي في تعطيل هذه الطاقات او العكس تماماً.

3. التحديات الفكرية والثقافية: ان التحديات الفكرية والثقافية التي يتعرض لها الشباب تكون على نوعين: الداخلية والتي أشرنا اليها سابقاً على اعتبار ان "لهم أوضاعهم الاجتماعية ومواقفهم المختلفة عن نظائرها عند الشرائح العمرية الأخرى، الأمر الذي يدفع إلى ظهور مجموعة من القيم أو المعايير التي تتوافق مع احتياجات هذه الشريحة"، والنوع الاخر: خارجية والتي يتأثر بها الشباب من خارج اسوار المجتمع الذي ينشأ فيه، وهي اما ثقافة سلبية مدمرة او ثقافه إيجابية مساعدة.

4. التحديات الأخلاقية: غالباً ما يميل الشباب نحو الثورية والعنف (نتيجة لطبيعة حجم الطاقة الهائلة الكامنة في داخله) والاستعجال والحركة من دون التقيد بالضروريات الأخلاقية، وهذا الامر إذا لم يتم إعادة توجيهه بصورة صحيحة قد يتحول الى طاقة سلبية ضارة وغير منتجة.

5. التحديات التربوية والتعليمية: بالتأكيد تشترك التحديات التربوية مع الأخلاقية في هم واحد، وقد يكون المشترك الأهم بينهما هو إعادة توجيه الطاقة الشبابية بصورة إيجابية بدلاً من تحولها الى طاقة مدمرة، وهو امر شبيه بإعادة توجيه المياه الفائضة عن الحاجة نحو السدود لمنع الفيضانات، ولا يتم ذلك الا من خلال التعليم وبناء القدرات العلمية للشباب من خلال الورش والمدارس والجامعات والندوات والمؤتمرات العلمية وغيرها.

6. التحديات السياسية: الدكتاتورية والتسلط مدمرة لكل شرائح المجتمع، لكن الضرر الأكبر سيقع على الشباب حتماً لاعتبارات تتعلق بخوف الحاكم من هذه الشريحة الساعية الى التغيير والقادرة على ذلك، وبالتالي فان الإهمال الحكومي المتعمد عندما يطال هذه الشريحة ستكون آثاره مدمرة لهم على المدى البعيد.

المؤسسة الدينية ورعاية الشباب (التوصيات)

للمؤسسة الدينية دور بارز في رعاية وتمكين الشباب وتوجيههم نحو اخذ زمام المبادرة وممارسة دورهم الطبيعي داخل المجتمع، وكما ذكر المرجع الراحل محمد الشيرازي بان المسؤولية تقع على عاتق الجميع، فإن مفاتيح الحل ايضاً لدى الجميع، لذلك فان المؤسسة الدينية تمتلك عدداً من المفاتيح التي تمكنها من المساهمة بصورة فاعلة في إيجاد الحلول المناسبة لمنع الهدر الدائم في الطاقات الشبابية من جانب، وإعادة توجيهها بصورة إيجابية من جانب اخر.

وقد ذكر السيد الشيرازي عددا من النقاط التي يمكن اجمالها كنوع من الحلول:

1. المؤسسة الدينية والدور الارشادي والتوعوي لشريحة الشباب:

"من الضروري بث التوعية في صفوف الشباب حتى يعرف كيف يسلك سبل الحياة الآمنة، إن سبل الحياة متشعبة وصعبة وشائكة، خصوصاً في هذا العصر، فاللازم أن يؤخذ بأيدي الشباب علماً وعملاً حتى يعرف كيف يمكنه أن يسير في هذا الضنك بسلام في الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعائلية وغيرها، وكيف يمكن أن يحل مشاكله، وإلا فإذا لم يستغل جانب من هذه الأمور لم تستقم سائر الجوانب الأخرى، إذ الصحيح في كل بعد يلازم الصحة في سائر الأبعاد، والفاسد في كل بعد يلازم الفساد في سائر الأبعاد".

2. دور المؤسسة الدينية في ترسيخ العقيدة الصحيحة وحماية الشباب من الانحراف:

وهو من اهم الأدوار التي تقع على عاتق المؤسسة الدينية لمنع وقوع الشباب في الانحراف، ويوضح السيد الشيرازي هذا الامر بالقول: "من أهم المسائل المرتبطة بالشباب العقيدة، فإن العقيدة هي التي تحمي الإنسان في مختلف المراحل الحياتية، فالعقيدة الصحيحة بشكل كامل هي الضمان لعدم الانجراف في مــختلف المفاسد، وأما العقيدة المنحرفة بشيء من الانحراف فبقدر صحتها يكون لها الأثر الإيجابي في مقابل فقد مطلق العقيدة، قال سبحانه: (لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً) (الحج 40).

3. دور المؤسسة الدينية في حث الشباب على طلب العلم والمعرفة:

يؤكد السيد الشيرازي على هذه النقطة لأهميتها القصوى بالقول: "وكلما ازداد علم الإنسان ارتفاعاً ازدادت معرفته، وتمكنه من السير الأفضل في حياة سعيدة لا تشوبها مشاكل، أو تشوبها مشاكل قليلة طبيعية لا يمكن الوقاية منها". ويضيف: "ولذا فاللازم على القادة أن يهيئوا للشباب الدراسة والعلم بما للكلمة من معنى، لا كالمتعارف في هذا الزمان حيث انهم إذا اشتغلوا بدراسة العلوم، وانهوا الجامعة ابتدأوا الحياة تاركين للتقدم العلمي من دون استفادات أخرى علمية ولا تجارب ونظريات جديدة. بل يلزم التقدم العلمي دائماً كما روي عن رسول الله (ص): (اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد)".

4. دور المؤسسة الدينية في تنظيم الشباب:

حيث أشار السيد محمد الشيرازي الى ان "من الضروري أن يهتم القادة بتنظيم الشباب تنظيماً حسب الموازين العلمية والشرعية، وقد اخذ الاعداء بتنظيم شبابنا واستغلوهم في اهدافهم الخطرة، وليكن التنظيم عملياً بكل أبعاده في الخلايا الحزبية أو السياسية أو الثقافية أو الاجتماعية، وما أشبه".

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2019Ⓒ
http://shrsc.com

انقر لاضافة تعليق