الأديان رافقت الفرد والمجتمعات الإنسانية منذ نشأتها باعتبارها رافدا أساسيا من روافد الضبط الاجتماعي والأخلاقي، والمنظم او المرشد لجميع العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية من خلال دورها المهذب والمصحح لمجموع القيم والأعراف والتقاليد والطقوس والثقافة التي تشكل بمجملها الموروث والسلوك المميز بين المجتمعات الإنسانية من جهة، والمفرق بينها وبين سائر المخلوقات الأخرى من جهة أخرى.

وقد برزت الحاجة الى الدين والتدين، والتي تطورت لاحقا الى مؤسسة دينية باعتبارها حالة تنظيمية للعلاقات التي يتفاعل معها الانسان مع نفسه روحياً ومعنوياً، ومع الاخرين سلوكاً وتعاملاً، ومع الخالق او الرب اتباعاً وطاعةً، من دون ان تكون هذه الدوائر الثلاث كنوع من الاطواق المقيدة لرحلة الفرد من الحياة الى الممات او سالبة للحق في الاختيار وتحري الحقيقة والسعي الى بناء الذات، بقدر ما تسعى الى مساعدة الانسان في الوصول الى الكمال والرقي.

المؤسسة الدينية

يذكر الباحث علاء ناجي بأن "هناك فرق بسيط بين المؤسسة والدين، فالمؤسسة هي مجموعة من الأفكار والمعتقدات والأعراف التي تشكل كلاً متناسقاً ومنظماً ويعمل على تأسيسها الافراد بالتعاون مع الافراد الاخرين في المجتمع من اجل ضبط سلوكهم الخارجي ، وكذلك تقوية العلاقات فيما بينهم ، ومن خلال هذا فالدين نظام عقلي موزون يتكون من مجموعة المعتقدات والأفكار والقيم والطقوس السلوكية المتعلقة بكائنات وقوى وأماكن مقدسة تفوق بطبيعتها الأشياء التي يستطيع الإنسان خلقها واستعمالها والسيطرة عليها، ولهذا النظام اثاراً اجتماعية عميقة في نفوس الأشخاص الذين يعتقدون ويؤمنون به إذ إنه يحدد سلوكهم ويرسم طراز حياتهم ويصنع أيديولوجيتهم التي تميز حياتهم الخاصة والعام".

ويضيف "ومن هنا فإن المؤسسة الدينية هي عبارة عن آليات ضبط اجتماعي غير رسمي يفرض قوانين على الافراد بصفة دينية خالصة تهدف الى تحقيق العدالة والإصلاح ومكافحة الفساد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مثلماً تفرض الدولة القانون على الافراد في مؤسسات الدولة واجبات وحقوق عليه".

التعددية

حتى نستطيع ان نطلق كلمة "مجتمع ناجح" على أي مجتمع يحوي بين دفته "التعددية" ينبغي تحقق ثلاث خطوات أساسية:

1. الاعتراف بوجود التعددية في المجتمع

2. احترام هذه التعددية

3. التفاعل والتعايش مع هذه التعددية

لكن ما المقصود بالتعددية؟

"التعددية تعني في أي شكل من أشكالها: مشروعية التعدد، وحق جميع القوى والآراء المختلفة في التعايش، وفي التعبير عن نفسها، وفي المشاركة على صعيد تسيير الحياة في مجتمعها".

وتشير التعددية إلى "التنوع في وجهات النظر والمواقف حول نهج أو فكرة معينة"، وتتنوع التعددية بين التعددية السياسية والتعددية الاقتصادية والتعددية الدينية والتعددية الثقافية، بينما تعبر التعددية الدينية عن "وجود عدة توجهات دينية في المجتمع الواحد مع تقبلها وتشجيع التعايش السلمي بينها".

الدين وبناء التعددية

في القران الكريم العديد من الأمثلة للسبيل الى بناء التعددية واعتمادها كأسلوب للحياة، يقول الله تعالى في محكم كتابه الكريم: (لا إكراه في الدين) البقرة: 256 ويقول تعالى (وما على الرسول إلا البلاغ المبين) النور:54 ويقول تعالى (فذكر إنما أنت مذكر، ليست عليهم بمسيطر) الغاشية:21-22، وهن آيات محكمات يشرن بوضوح الى عدم الاكراه والسيطرة على الاخرين واجبارهم في اعتناق ما لا يرغبون بالقوة والإرهاب والعنف، بل بالدعوة والموعظة والنصح والإرشاد (ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) النحل:125، وهي أساس الاعتراف بالتعددية واحترامها وقبولها كجزء من الطبيعة البشرية، وقد زخرت مسيرة الإسلام بالأمثلة والمواقف التي جسدت هذه الحقيقة، حينما اخذت المؤسسة الدينية على عاتقها بناء التعددية بمختلف أنواعها عموماً والتعددية الدينية على وجه الخصوص.

يقول المرجع الراحل السيد محمد الشيرازي: "وهذا هو الذي عمله الرسول (صل الله عليه واله وسلم) فإنه لما ظفر بأصحاب بدر، وكانوا مشركين لم يقتلهم بل أخذ منهم الفداء وتركهم على شركهم فلم يجبرهم على الإسلام، وكذلك فعل بأهل مكة فإنه (صل الله عليه واله وسلم) قال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء فلم يقتلهم ولم يجبرهم على الإسلام، وكذلك صنع بأهل حنين إلى غير ذلك مما لا يخفى على من له أقل إلمام بتاريخ الرسول (صل الله عليه واله وسلم)، وهذا هو المقطوع به من سيرة رسول الله (صل الله عليه واله وسلم) بل وسيرة المسلمين طول التاريخ الإسلامي، فإنه لم يعهد من أي مقاتل من المسلمين أن يقتل جميع الكفار الذين لم يكونوا أهل كتاب ولم يسلموا، بل مختلف أنواع الكفار كانوا يعيشون في كنف الحكومات الإسلامية السنية والشيعية بسلام، كما لا يخفى ذلك على من راجع التاريخ".

ويضيف السيد الشيرازي "وقد اقتدى أمير المؤمنين (عليه السلام) برسول الله (صل الله عليه واله وسلم) واحترم كل حريات الناس حتى الأقليات التي كانت تحت لواء الإسلام، وفي الوقت الذي كان الإمام (عليه السلام) في أقصى درجات القوة، وحدود بلاده وحكومته لم يجبر ولا مواطناً واحداً على ترك عقيدته واعتناق الإسلام، بل العكس صحيح، فقد ورد في روايات عديدة عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) حول الأقليات الدينية تقول: (ألزموهم بما التزموا به) وقال (عليه السلام): (كل الناس أحرار) وقال الإمام الحسين (عليه السلام): (إن لم يكن لكم دين فكونوا أحرارا في دنياكم)، فالروايات الواردة عن الأئمة الأطهار حول الحريات كثيرة حتى أن فقهاء الإسلام اعتماداً على الكتاب والسنة استنبطوا قاعدة عامة مختصرة ومفيدة تقول: (الناس مسلطون على أنفسهم وأموالهم)".

ماذا نستنتج؟

اولاً/ مثلما حثت الأديان السماوية على الايمان والاخوة والعمل الصالح والتحلي بالأخلاق الفاضلة وغيرها من القيم الإنسانية العليا، فإنها لم تغفل كذلك عن الدعوة الى قيم إنسانية أخرى مثل:

– الوحدة الإنسانية لتحقيق السلام العالمي كقوله تعالى (يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم ان الله عليم خبير) الحجرات:13

– الشورى والمشاورة في الامر وعدم احتكار الرأي والدكتاتورية كقوله تعالى (وأمرهم شورى بينهم) الشورى:38، وقوله تعالى (وشاورهم في الأمر) ال عمران: 159

– تحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية والمساواة بين الجميع كقوله تعالى (وإذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل) النساء: 58

– التعاون على الخير والسلام وليس العنف والعدوان كقوله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) المائدة: 2

كما لم تغفل ايضاً الدعوة الى تطبيق مبدأ التعددية بكل اشكالها والوانها كما أشرنا في بداية الحديث.

ثانياً/ ان المؤسسة الدينية بكل ما تحويه من أفكار وقيم واعراف وثقافة وقواعد واصول...الخ، لا تهمش او لا تحترم او ترفض الاخر وترفض مبدأ التعددية كما يشاع عنها، بل العكس صحيح تماماً، وهو جزء من تأصيلها الفكري والعقائدي الذي بنيت عليه واستقامت.

ثالثاً/ لا يمكن ان يستقيم أي مجتمع ويكتب له النجاح والتطور والرقي من دون قبول الاخر واحترامه والتعايش معه، وللمؤسسة الدينية دور كبير ومهم في المساهمة في ترسيخ هذا الامر ومراعاة بناء التعددية بمراحلها الحقيقية بعيداً عن التظاهر والادعاء.

رابعاً/ لا تتحقق التعددية باعتراف او استعداد طرف واحد دون الاخر المختلف معه، بل هي عملية تكاملية داخل المجتمعات الإنسانية المتعددة الألوان والاتجاهات، وهنا يبرز دور المؤسسة الدينية كوسيط للجمع بين المتناقضات والبحث عن القواسم الإنسانية المشتركة بين الفرقاء.

التوصيات

1. نبذ الخلافات والابتعاد عن الخطاب المفرق بين مختلف المؤسسات الدينية والاتجاه نحو طرح خطاب بديل معتدل جامع ومشجع للعمل المشترك يقوم على أساس الاخوة الإنسانية والمساواة والعدل والتعاون وقبول الاخر والابتعاد عن العنف.

2. على المؤسسة الدينية توفير بيئة مناسبة لقيم التعددية من خلال الاستفادة القصوى من الثقافة القرآنية والسنة النبوية ومدرسة اهل البيت (عليهم السلام)، إضافة الى ما كتبه العلماء الاعلام والمفكرون والفلاسفة وغيرهم في هذا المجال وتحويلها الى ثقافة عامة مطبقة على ارض الواقع.

3. الاستفادة من وسائل الاعلام المختلفة في التعريف بالتعددية (الدينية، السياسية، الاقتصادية، الثقافية) وكيفية التعايش معها وتحويلها الى سبب للقوة والسلام بدلاً من الضعف والتصارع.

4. اعتماد آلية مدروسة ومتكاملة للتعريف بدور الإسلام والمؤسسة الدينية في بناء التعددية على مستوى العالم، لرفع الشبهات التي تدور حول نفي هذا الامر عن الأديان بصورة عامة والإسلام بصورة خاصة، خصوصاً بعد انتشار الحركات الإرهابية التي عززت ما يعرف بالاسلاموفوبيا.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2019Ⓒ
http://shrsc.com

.................................
المصادر
1. القران الكريم.
2. الحكومة الإسلامية في عهد أمير المؤمنين/ السيد محمد الشيرازي.
3. الرعاية الاجتماعية الإسلامية/ محمد سيد فهمي.
4. ويكيبيديا
5. مقالات شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق