يستمر مسلسل اللامبالاة الحكومية وعدم المسؤولية تجاه القطاعات الحيوية في العراق، إذ يعاني اغلبها من التقصير والإهمال والنقص الواضح، ففي مشهد اليوم نرى صورة أشجار النخيل وهي منحنية نحو الأرض ويعتليها السواد حيث احترق اغلبها او اصابتها الامراض، حتى ان الأجيال الجديدة من الأطفال لا يصدقون كيف تغنى الشعراء والكتاب بهذه الشجرة "البائسة"، وهم لا يصدقون جمال صورتها على العملة النقدية.

منذ سنوات وحشرة "الدوباس" تهاجم أشجار النخيل، وهي إرهاب من نوع اخر، دأبت مزارع النخيل على معالجتها في كل عام بداية نضوج تلك الحشرة ما يسفر عن القضاء عليها (بشكل مؤقت) قبل انتشارها بين الاشجار، وخلال العام الحالي، بات الخطر اشد اذ متنعت الحكومة عن معالجة أشجار النخيل، ما دفع المزارعين للخروج بتظاهرات سلمية للمطالبة بالاسراع بمكافحة نخيلهم واشجارهم من حشرة الدوباس، والمخاطبات الرسمية التي وجهها اعضاء في مجلس النواب، فضلا عن الحكومات المحلية في المحافظات التي تضم اشجار النخيل، لكن دون جدوى فالجهة المسؤولة عن موضوع المكافحة متمثلة بوزارة الزراعة، دائما ما تكون ردودها غير مقنعة ومن بين تلك الردود وجود مشاكل في طائرة المكافحة وتعطلها، الامر الذي دعا الى مخاطبة سلطة الطيران المدني دون جواب من الاخيرة.

ورغم تأكيد وزير الزراعة صالح الحسني الشهر الماضي في كلمته خلال اجتماع المجلس الدولي في السعودية، على ان الوزارة ركزت على تنمية ورعاية النخيل من خلال القضاء شبه النهائي على حشرة الدوباس التي تصيب النخيل، واعلانه على هامش ذلك امتلاك العراق 600 صنف من التمور وهو يتصدر مواقع متقدمة في التجارة العالمية للتمور لعدد من الأصناف مثل الزهدي والحلاوي والساير والخستاوي والخضراوي، الا انه لم يحصل شيء من تلك الوعود وحشرة الدوباس تفتك بأشجار النخيل منذ اكثر من شهر.

ما يجري من احداث متتابعة يكشف حجم الخلل والانعزال في المؤسسات الحكومية، ويوضح للجمهور حالة عدم المسؤولية داخلها تجاه واجباتها في الحفاظ على ثروات البلاد، ويكشف الفوضى الحقيقية التي تعيشها الدولة العراقية، في ظل انعزالها عن معالجة القضايا والمشاكل التي تهدد الامن الغذائي والاقتصاد الوطني وتسبب في قطع ارزاق الالاف من الايدي العاملة الذي تمثل الزراعة مصدر رزقها الوحيد.

بالإضافة الى ذلك ما جرى العام الماضي بعد انخفاض اسعار شراء التمور من المزارعين الى دون المستوى المطلوب، ما تسبب بخسارة الكثير منهم وعدم ايفاء اسعار الشراء في السوق لما يصرفه الفلاح على نخيله منذ بدء حملها وحتى مرحلة الانتاج، كل ذلك مؤشر على السياسات الخاطئة للحكومة التي تجعل من المزارعين البسطاء لقمة سائغة لدى التجار.

يتفق الجميع على ان المشهد العام للبلد بعد سقوط النظام السابق عام ٢٠٠٣، كان الأكثر تعقيداً وفوضوية مع غياب واضح للتخطيط الاستراتيجي والرؤية المستقبلية للمؤسسات الحكومية، وانعدام الدور الرقابي، وضعف سلطة القانون في محاسبة من يثبت تقصيرهم، كذلك وضع أشخاص لا يمتلكون الكفاءة والاختصاص ميزتهم انتماءاتهم الحزبية في أماكن المسؤولية ودائرة القرار، تسبب بأزمات متتالية في مختلف القطاعات الحيوية في البلاد.

ويندرج الإهمال لشجرة النخيل ضمن مسلسل أوسع يستهدف القطاعات الحيوية في البلاد، ففي العام الماضي ضربت مشاريع الأسماك بمقتل، بعد نفوق مئات الالاف من الاسماك في نهر الفرات، كان ذلك بالتزامن مع اعلان الجهات الرسمية حصول البلاد على الاكتفاء الذاتي، وعدم الحاجة للاستيراد، وكذلك احتراق عشرات الاف الدونمات من مزارع الحنطة، لأسباب متعددة، والتي حصل ايضاً على الاكتفاء الذاتي من محصولها، خير دليل على مسلسل استهداف القطاعات الانتاجية رغم ما تمثله الزراعة من اهمية بالنسبة للعراق، خصوصاً بعد الضعف الكبير في القطاعين الصناعي والتجاري، فسير الازمات يأخذ شكلاً تراكمياً الى ان وصلت الامور الى ما نحن عليه الان.

.....................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق