منذ يوم الجمعة المصادف 16 تموز 2016 وحتى اليوم، شهدت تركيا الكثير من المتغيرات والاحداث، وكأنها، ومجتمعها، في عملية إعادة تشكيل غير مسبوقة لشرعيتها السياسية والدستورية، لهذا، حاول خبراء ومحللون وصف ما يجري من أحداث وحملات الاعتقالات الواسعة التي طالت شرائح متعددة من موظفين مدنيين وعسكريين وكأنها عملية تصفية لميراث الدولة الاتاتوركية وللقوى القريبة من توجهات فتح الله غولن، والمتابع لسير الاحداث يلاحظ أن السلطة المتمثلة بالرئيس وفريقه تعمل على اخراج الطبقة البيروقراطية ذات التاريخ الطويل في العمل الحكومي من قضاة واساتذة جامعات وعاملين في المجال المالي والاقتصادي والمحسوبين على توجهات لا تتطابق مع توجهات حزب العدالة والتنمية من مجال إدارة الدولة.

ان التساؤل الحاضر بين أوساط المتابعين للشأن التركي هو: هل أن ما جرى في 16 تموز انقلاب ام عملية تطهير سياسي واجتماعي لميراث الدولة السابق الذي بناه مصطفى كمال أتاتورك وعمل على ترميمه فتح الله غولن برؤية مغايرة؟

تركيا الأمس: تراث الاتاتوركية

الخط التاريخي لصعود الاسلام السياسي التركي يعطينا مؤشرات تعضّد أطروحة السعي لـ"تصفير" ميراث الدولة الاتاتوركي، فمنذ تأسيس الدولة التركية الحديثة الذي جاء في ضوء حركة الصراع العسكري والسياسي مع الميراث العثماني والوجود اليوناني في أجزاء من الاراضي التركية، اذ وضع اتاتورك مبدأ العلمنة كمبدأ حاكم وموجّه لعمل الدولة ووظائفها الاجتماعية والسياسية، ولكي يؤمن حماية هذا المبدأ من المتغيرات المقبلة، جعل الجيش حارساً لهذا المبدأ، وبهذا تصبح الدولة قائمة على ثنائية العلمنة و وحراسة الجيش لها.

ان الاسلام السياسي نشأ مع حركات الكفاح المسلح ضد الوجود الاجنبي اليوناني، وكانت أغلب تلك الحركات صوفية الطابع والتوجه، وكانت أبرزها حركة سعيد النورسي التي ظهرت في منطقة الاناضول (الخزان الاجتماعي لمريدي حركات الاسلام السياسي)، فتح المجال امام امكانية تغيير هذه الثنائية "العلمنة وحراسة الجيش"، وكانت المحاولات الاولى مع الرئيس عدنان مندريس الذي أعدم في انقلاب للجيش عام 1960، وكانت من محاولات مندريس الاولية العمل على اعادة رفع الاذان في مساجد إسطنبول.

وانتبه القائمون على الاسلام السياسي منذ تجربة أربكان وحزب الرفاه في الحكم العام 1997 الى قوة هذه الثنائية العلمنة وحراسة الجيش لها، أن الجيش عمل على امتلاك مؤسسات "اعلامية ومالية ومراكز بحث" توفر الزخم الاجتماعي والسياسي لإبقاء هذه الثنائية حاكمة ومسيطرة، لهذا اخذ القائمون على التوجهات الاسلامية البحث عن مؤسسات موازية تمارس الوظيفة والدور نفسه، ولعل نموذج انشاء تجمع رجال الاعمال "موسياد" لرجال الاعمال القريبين من التيار الاسلامي يثبت ان الاسلام السياسي أخذ يتعامل مع قوى العلمنة ومؤسسة الجيش بالإسلوب والممارسة نفسها.

ان التحول الملفت في تطور حركة الاسلام السياسي هو تأسيس حزب العدالة والتنمية في 14 آب 2001، بعد فشل تجارب اسلامية عدة، وسعيها للوصول الى السلطة، وزاد من تعقيدات هذا الفشل ان الجيش كان الفاعل الرئيس في افشال تلك التجارب، واسلوب التعامل مع نجم الدين أربكان واجباره من قبل الجيش على تقديم استقالته من رئاسة الحكومة يؤكد دور الجيش الفاعل في هذا الجانب.

اما الاختلاف الذي حمله حزب العدالة والتنمية فكان في أنه تنظيم سياسي خليط من ثلاث توجهات "الاسلاميون السابقون في حزب الرفاه، التيار القومي المحافظ القريب من التوجهات الاسلامية، العلمانيون الليبراليون أو ما يسمى الكماليون الجدد" تظهر هذه التوجهات على انها مختلفة سياسياً وأيديولوجياً، ولكن ما يجمعها هو التجاور الجديد في التوجهات والافكار الذي فرضته الظروف السياسية الدولية والمحلية، اذ ان تركيا كانت تبحث عن رؤية مغايرة تقنع بها اوروبا لكي تقبل بها كعضو في الاتحاد الأوروبي.

اما مؤسسو الحزب، فكان يطلق عليهم "التجديديون" الذين كان يقودهم الرئيس التركي السابق عبد الله غول، والذين بروزا في حزب الرفاه وكانوا من الداعين الى تقييم تجربة الرفاه في السلطة، وأكد هؤلاء التجديديون أن مشروع الاسلام السياسي بحاجة الى اعادة النظر في رؤيته للدولة والمجتمع باقتناع بأهمية التوازن بين تاريخ بناء الدولة والسمات الثقافية للمجتمع التركي، والابتعاد عن محاولة تغيير منظومة الدولة بكاملها، بل الاهمية تكمن في التركيز على فهم دور الجيش في حراسة مبدأ العلمانية وتحليله، لهذا، ومع مجيء حزب العدالة والتنمية انطلق صراع خفي بين هيمنة الجيش على موجهات السلطة وسعي العدالة والتنمية للنفوذ الى داخل مؤسسة السلطة.

وتمكن حزب العدالة والتنمية في بداية توليه السلطة من استدراج الجيش الى مواجهة صامتة قامت على سلب هذه المؤسسة زخمها المعنوي من خلال النجاح في الجانب التنموي والاقتصادي وأثبات قدرة الحزب على التخلص من عائق الاتاتوركية التي مثلت معياراً للشرعية السياسية في ادارة الحكم باستثمار منجزات هذا النجاح التنموي والاقتصادي.

تركيا اليوم: الاسلام السياسي ضد الاسلام الاجتماعي

وضع حزب العدالة والتنمية مبدأ "الديمقراطية المحافظة" بديلاً للعلمنة التي تبناها أتاتورك والذي قدم رجب طيب أردوغان محاضرة عن هذا المبدأ في معهد أنتربرايز أميركان في العام 2002 وعرفها: ان ميراث الاتراك التاريخي وقيمهم الذاتية ورغبتهم في استعياب وتقبل القيم المعاصرة يعد اساس مفهوم الديمقراطية المحافظة.

مع هذا التطور أخذ شكل الصراع في توجهات الاسلام السياسي يأخذ مناحي مختلفة فمع تمكنه من الامساك بمقاليد الحكم لمدة طويلة امتدت من 2002 والى اليوم، فهناك صراع خارجي مع القوى والاحزاب التي تتبنى الاتاتوركية وهي قريبة على مؤسسة الجيش، وصراع داخلي مع قوى وحركات الاسلام السياسي التي تختلف في الرؤى معها بشأن ادارة الدولة، لم يكن الصراع الخارجي يهدد وجود الاسلام السياسي، وانما التهديد يأتي من القوى الاسلام الاجتماعي التي احست ان حزب العدالة والتنمية أخذ يتجه للشخصنة في ادارة الحزب ومؤسساته ومن ثم لينقل هذه الممارسة في ادارة الدولة.

بوادر الازمة بدأت منذ 2013 حينما أزاح بهدوء اردوغان رفيقه في تأسيس الحزب عبد الله غول عن واجهة العمل السياسي والحزبي، وأخذ مكانه في رئاسة الدولة وأتى بعد ذلك بأحمد داود أغلو رئيساً للوزراء، وحينما نستعرض تاريخ الشخصيات المؤثرة على الحركات الاسلامية وتوجهاتها المتنوعة السياسية والاجتماعية نجد ان نجم الدين اربكان وفتح الله غولن كان لهما الاثر الابرز في تحديد خيارات تلك الحركات، فلأربكان نفوذ ورمزية سياسية في اغلب الاحزاب الاسلامية التي نشأت منذ سبعينيات القرن الماضي والى تسعينياته.

ولكن أثر دعوة غولن متميزة ومنفردة عن أربكان في كونها جابت أرجاء تركيا، تعقد الندوات وتقدم المحاضرات لكي تعالج أزمات جيل تركي وقع تحت طائلة ازمة اجتماعية ونفسية، من هنا احسّ أربكان ان غولن ضده النوعي مشروعا وشخصية، اذ يتعامل غولن مع الاسلام كخيار فردي وروحي، لكنه يهتم بالسمات الثقافية والاجتماعية التي تراعي التقدم المعرفي والتكنولوجي، لذلك يمكن تعريف حركة غولن على أنها رؤية معاصرة في الاسلام الاجتماعي الذي يعتمد الخدمة على حساب الوصول الى السلطة التي كانت خيار أربكان، اهتم غولن بقضيتين أساسيتين بالنسبة له هما "التعليم، والتكنولوجيا"، اذ نظر اليهما كبوابة لتغيير حال المجتمعات الاسلامية ومنها المجتمع التركي لكي يتمكن من اعادة مكانته بين البلدان الشرق اوسطية.

فيما نظر اردوغان لمشروع غولن والذي أطلق عليه "الكيان الموازي" البديل الحاضر لما يقدمه هو وحزبه، لذلك نشأت هذه الحساسية بين الاثنين على الرغم ان غولن ينظر له على انه الاب الروحي لارودغان، بسبب اهتمام حركته بالتعليم والتكنولوجيا. أخذ مريدو غولن بالتغلغل في الجامعات والقنوات الإعلامية، فضلا عن القوة الاقتصادية المتنامية لحركة غولن ما جعلها كتلة اجتماعية فاعلة في الانتخابات التركية، اذ ظلت الحركة الى مدة قريبة داعمة لحزب العدالة والتنمية من خلال تصويت القواعد الاجتماعية للحركة، ولكن الاختلاف ظهر منذ توجه أردوغان نحو تغيير نظام الحكم في تركيا الى النظام الرئاسي، اذ تعاملت الحركة بعدم ثقة مع هذا المشروع، وأخذت تغيّر توجيه أفرادها نحو التصويت الى حركات وأحزاب هي على النقيض السياسي من حزب العدالة والتنمية، وهذا تبين من اللقاء السري الذي عقد بين ناظلي الي جاك التي هي من قيادات حركة غولن وصلاح الدين دميرطاش رئيس حزب الشعوب الديمقراطية، لتعلن بعدها ناظلي تأييدها لحزب الشعوب الديمقراطية في الانتخابات البرلمانية المقبلة.

ما جرى في تركيا اليوم يكشف عن وصول الاسلام السياسي الى مرحلة الصدام مع نظيره الاسلام الاجتماعي، وهذا يؤكد الافتراق الاجتماعي العميق بين نظرة التوجهين للدولة والمجتمع، اذ أغفل الاسلام السياسي المجتمع والحريات التي يبحث عنها، واهتم بإمساك السلطة لكي يواجه بها متطلبات المجتمع، على العكس من الاسلام الاجتماعي الذي اولى أهمية للخدمة والرعاية للمجتمع، ولكنه لم يتمكن من حلّ التناقض الحاصل بين اولوية من يتولى الحكم لكي تتعزز الخدمة أو الاهتمام بالخدمة على حساب ايجاد صيغة تراضي مع السلطة أيا كان شكلها السياسي.

فعلى الرغم من حيازة حزب العدالة والتنمية على السلطة والمال وقدرته على ردع حركة غولن وتحجيم دورها الاجتماعي والخدمي إلا انها تمتلك رصيدا معنويا لا يستهان به، ولهذا الصراع في عمقه يدور حول كسب قلوب وعقول الاتراك شعبا وجماعات، وما يحدد نتائج هذا الصراع أي عملية انتخابات تجري في تركيا سواء انتخابات البرلمان او الرئاسة بعدما تم تحويل النظام السياسي من شكله البرلماني الى الرئاسي.

* الدكتور علاء حميد، باحث في مجال الانثروبولوجيا، باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2019Ⓒ
http://shrsc.com

انقر لاضافة تعليق