كنتُ اذا لعبتُ الكرة مع الاطفال في الشارع خَرَجتْ واحتجتْ بصوت عال على ضجيجنا الذي يفوت عليها قيلولتها، وإذا بقيتُ بقربها وهي راقدة تَسَّمَرْتَ في مكاني كي لا اقطع عليها "رحلة النوم المقدسة".. هكذا كانت جدتي العتيدة التي قضيتُ طفولتي معها بعد رحيل والدتي بوقت مبكّر.. طويلة القامة، ثاقبة النظرة جهورية الصوت ومهابة في قيامها وقعودها.

تفترش الارض في ساحة البيت على مقربة من قدور طعام موضوعة على طباخ نفطي (ابو الفتيلة) تطبخ فيها للجميع مرة واحدة وحين يحل وقت الطعام يصطف امامها الكبار والصغار خاشعين لأخذ الأرزاق كلٌ حسب قدره وما يرتضيه مزاجها في تلك الساعة وفِي كل ساعة.

سألتها ذات مرة ببراءة: لماذا لم تتزوجي رجلا وتخليصنا من سلطانك؟؟ تقطب وجهها قليلاً وقالت: "تقدم لي رجلٌ بعد وفاة جدك ولكنه هرب بعدما رأى العصا معلقة حول خصري!! ثم سألتها عن علاقتها مع العصا فقالت: اتخذتها رفيقة لي كي لايطمع الرجال بي بعد ان رحل جدك وترك ايتامه الاربعة برقبتي"...

عصا جدتي لا تنطبق عليها قاعدة "العصا لمن عصى" لأنها كانت متعددة الوظائف. فلقد كانت تضرب بها على الارض او على الحائط للنداء على من تريد، تهش بها على من يقف في طريقها داخل البيت، ترميها على الطفل المشاكس الذي لا تطاله يدها فتسمره في مكانه ويأتيها بعد ذلك للعقاب صاغراً، تهزها في السماء عندما تخاطب الجميع كما يفعل الرئيس السوداني البشير بعصاه حين يخاطب شعبه وان لم ينفع هز العصا لجأت الى إلقاء بعض "الهوسات" وأشعار الحماسة او التهديد خصوصا حين يحتدم وطيس الحرب مع كنائنها فتقول كما اذكر (مثل: يا كاع انشكي وبلعيني... اليوم العب بيكم جولة)... ولَم تقتصر صولاتها على خصوم الداخل (البيت) بل كانت للخارج حصصه منها وذكرياته..

شدت عصابة رأسها ذات يوم ووضعت عبائتها السوداء ومسكت بيدي لاصطحابي الى مدينة الكاظمية من اجل التقاط اول صورة شمسية لي طلبها مني مدير المدرسة الابتدائية التي التحقت بها لأول مرة. وعند رأس الشارع أوقفت صاحب عربة يجرها حصان بائس (ربل) وساومته على الاجرة حتى لان واستجاب تحت وطأة الحاحها وسخونة الجو فركبنا معه وانطلق بِنَا..

اخترت حينها الجلوس في الموقع العلوي من العربة بجوار (العربنجي) كي امتع بصري بمشاهد الطريق وانتعش بنسائم الهواء العذبة التي تلامس وجهي اثناء المسير وابعد نفسي عن سطوة جدتي شيئا من الوقت واكتسب نشوة جر مقود الحصان بين الفينة والاخرى اذا سمح صاحبه بذلك.

وما ان سارت العربة بِنَا مسافة فرسخ او اقل حتى اضطرب حال الحصان وانتفخت بطنه وصار يقفز حول نفسه وتهتز العربة وتتمايل نحو اليمين ونحو الشمال كمركب مُبحر تتقاذفه الامواج وتدور حوله المحن مما دفع صاحبه (العربنجي) الى جر مقوده بأقصى ما يملك من جهد ليمنعه من السقوط و قلب العربة وما تبع ذلك من خسارات أولها خسارة اجرة اليوم..

وكعادتها، لم تفوت جدتي هذه الفرصة الثمينة في الزجر والتوبيخ فصاحت بصاحب العربة (شلون ترَكُبْ الناس وياك وانتَ مجوعْ حصانك؟؟ المايخاف من الله كل شي يسوي)!! ولكنها حين علمت بان انشغال "العربنجي" بأزمته لن يتيح له فرصة الرد عليها زادت في قوة صولتها عليه وشدة توبيخها له بالقول (اوف منكم..شلون تخلصون من عذاب الله...الأعوج اعوج).. وعلى خلاف المتعة التي كنت اتوق الى نيلها في مقامي العلوي وجدت نفسي فجأة اكابد رعشات الحصان الجنونية واتحمل اصوات جدتي المدوية ومعاناة (العربنجي) مع حصانه وجدتي.

تحت وقع رشقات التوبيخ الصادرة من جدتي ومشاكسات الحصان المعاند فقد "العربنجي" صوابه وقفز من مكانه وألقى بسوطه على الارض وقال لها (منا الحصان ثاير عليه ومنا الله مسلطج عليه..حجية والحسين راح اترك العربانة عليج واشرد...).

وعلى رغم شدة الحال التي وقع بها العربنجي وحصانه فإنني كنت ارى الاثنين أفضل حالا مني لان جدتي استمتعت بإفراغ شحنات غضبها على "العربنجي" ونفست عن نفسها والآخر ابتلع الشحنات وعزى نفسه وصبرها حسب قاعدة (شدة وتزول) فيما بقيت انا ضحية الاثنين اثناء الازمة وضحية التوتر الذي قاسيته بعدها خلال المسافة الطويلة المتبقية التي سرت بها أسيرا عند جدتي لحين انتهاء مهمة التصوير وحتى بعد ذلك..

لم تمثل صورتي الشمسية المدرسية أمرا عابراً لي كما يحدث في هذه الأيام التي يمتلك كل فرد منا آلة تصويره بل محنة تنتمي الى ذاكرة عهدٍ ونمط من الحياة سهل ومعقد بنفس الوقت.

حَكَمَتْ، اذن جدتي بعصاها بيتا كبيرا وأسراً متعددة خرج من بينها الاستاذ الجامعي والمهندس والضابط والفنان والمعارض السياسي والشهيد ورهط من الخاسرين وشيء من الكبت كبير.....

كبرت الاسر وتعدد أعضائها وكثرت محنها ورزاياها حتى عجزت عصا جدتي عن الوقوف امام اقدارها وآثارها فخسرت دورها امام الدموع والحسرات.

جاؤوا ذات يوم بجسد حفيدها المحبب لها معدوما وملفوفا بخرقة قماش بالية فخرجت كعادتها الى الشارع تصرخ وتهش الناس بعصاها ويكبت صوتها السامعون حين تشتم صدام على فعلته.. وفِي ذلك اليوم عَرَفَتْ الكبت لأول مرة وعَرَفَتْ ضعف العصا امام جبروت الزمن!! وليس بعيدا عن ذلك اليوم، صرع الموت ولدها البكر (ابي) امام عينها فثارت حسب فطرتها وخرجت بعصاها تهش عنه الموت بلا هداية او هدف حتى أغمي عليها وتمردت العصا على يدها!!

قالو لها في المرة الاْولى بان صدام قتل حفيدك ودفعنا ثمن الطلقات التي نخرت جسده واسكتت به الحب والحياة والحلم مرة واحدة فانكسرت شوكتها وخفت صوتها وصمتت تحت صدمة الخوف وتأملت عصاها وشموخها وذكريات ايّام خلت.

ايّام كانت تزأر فيها كلبوة جريحة اذا لامست الريح احدا من ذريتها وتحمل بعصاها وتشتم اذا قضم احد شيئا من سطوتها وهاهي تعيش هذا اليوم منكسرة تنطق بلسان اخرس وتهش بعصا مشلولة وهي ترى صدام يبتر بسيفه ثمرة من ذريتها وعزيزاً يسوقه الى الموت بلا وداع.

حين ودعتها في اليوم الاخير قبل هجرتي النهائية خارج البلد سألتني بصوت خافت عن وقت العودة وهي تعرف انني اقف عند مفترق طريقين كلاهما شديد الظلمة وعظيم الوحشة: اما بقاء وموت على يد صدام او انصراف وبعد عنها الى الابد.

ومع تغير الاحوال رق عظمها واحدودب ظهرها وقصرت خطواتها وتبدلت "عصاها "النحيفة" متعددة المنافع بأخرى "غليظة" تتكيئ عليها وكثر نحيبها واستقرت الدموع في عينيها لتصنع بريقا يلفت الانظار ويوجع القلوب واخذت توصل الليل بالنهار في البكاء والتأمل الحزين وتردد مع نفسها بكائية المطرب سلمان المنكوب:

(امُرَّنْ عالمننازل منازلهمْ خليه

اكولنْ وين أهلنه تكول اكطعوا بيه)

أفل نجمها في آخر الأيام وانفض القوم من حولها وذهب كل الى غايته وموطن رزقه وعصت عليها العصا حتى اصبحت عسيرة المسك فرحلت ورحل عهدها... الأيام دول!!!

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق