لا مبالغة في القول ان اهم ما يؤخذ على النظام السياسي المشكل في العراق بعد عام 2003 هو انه نظام مولد للازمات في شتى قطاعات الحياة بدءا من تفجير المراقد المقدسة في سامراء مرورا بالأزمات الامنية والسياسية وتنامي الجماعات الارهابية وسيطرتها على مساحات واسعة من العراق وجريمة سبايكر والصقلاوية، وقضايا الاغتيالات المستمرة، والانتخابات البرلمانية الاخيرة، وانعدام الخدمات... الخ وليس انتهاء بحادثة العبارة في الموصـل في الحادي والعشرين من اذار الجاري والتي اودت بحياة ما يقارب الـ 200 مواطن اكثرهم من النساء والاطفال.

كل هذه الازمات تدلل على ان النظام الحالي ليس فقط لا يتناسب وعملية اعادة بناء الدولة التي طمح لها العراقيون بعد التغيير السياسي عام 2003 فحسب، بل انه فاق التوقعات بالسلبية والفوضى التي رأى الكثير من المراقبين والمختصين انها النتيجة الطبيعية لمرحلة ما بعد الاحتلال عسكري واسقاط نظام سياسي بالقوة العسكرية.

هذه السلبية والفوضى تبعث بصور مخيفة ومرعبة عن الحياة العامة في العراق للداخل والخارج، وهذا الامر له تداعياته السلبية على قطاعات السياسة والاقتصاد والاوضاع الصحية والاجتماعية والثقافية، ويضعف كثيرا من النظام العام ويبعثر ثقة المحكومين بالحاكم، ويُفقد العقد الاجتماعي قيمته.

كل هذه الاشكاليات والازمات تدلل على ان المعالجة لا يمكن ان تكون جزئية او من اتجاه واحد، بل تتعزز الحاجة يوما بعد آخر الى اعادة النظر بالنظام السياسي وعناصره وقواعده والسلطات وباقي النظم الادارية والرقابية. والا ما يتم اعتماده من اجراءات ترقيعية في هذه الوزارة او تلك، وفي هذه المحافظة او تلك بعد الحوادث الكارثية لا تعبر عن رؤية جريئة تجاه تصحيح وتقويم مسار النظام.

ولكن على القوى السياسية والنخب الفاعلة ان تدرك ان مساحة الاصلاح الذاتي من داخل النظام ومؤسساته وسلطاته تنحسر يوما بعد آخر، وبالتالي انحسار تلك المساحة لا يبقى فرصة لإصلاح النظام ذاتيا، بل يتطلب الامر حينها التحرر من عنق الزجاجة واعادة البناء من جديد على أنقاض النظام السابق. وفي ظل الاوضاع والتحديات الاقليمية والجيوبولتيكية الدولية ومعادلة الصراع والتنافس الجيوسياسي الاقليمية ستكون عملية اعادة البناء شاقة ومكلفة.

لذا لا مناص من الوقوف بجرأة والتوجه نحو العمليات الاجرائية لإصلاح النظام السياسي وسلطاته ومؤسساته بدءا من تعديل الدستور ومن ثم استكمال الاطر التشريعية الساندة لعمل السلطات والمؤسسات الرقابية والضامنة لإبعادها عن التأثير السياسي (الحزبي) ومنظومات الفساد الراغبة بتعزيز موقعها كمعادل موضوعي لمؤسسات الدولة.

اثبتت التجربة ان فرص مواجهة الفساد في السنوات القليلة بعد عام 2003 كانت كبيرة ولكن سرعان ما انحسرت، الامر الذي جعل محاربة الفساد في هذه المرحلة تعني بشكل او بآخر مواجهة نظام الدولة ككل وضرب مفاصله بعد ان باتت منظومات الفساد جزء كبيرا من نظام الدولة. وبالتالي لا يمكن للسلطات التنفيذية والرقابية وحتى القضائية ان تشرع بهذا الاتجاه لكي لا تستهدف النظام القائم وتتلافى انهيار اركانه وبالتالي العودة الى المربع الاول وربما حينها لن تتوفر البيئة المحلية والدولية والمستلزمات لبناء نظام جديد.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2019
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق