الانطباع المألوف لدينا ان التاريخ ليس أكثر من سجل لأحداث الماضي. غير ان هيجل (1770-1831) اعتقد ان تاريخ العالم ليس فقط عبارة عن سلسلة عشوائية من الأحداث وانما هو يتقدم عقلانيا طبقا لهدف معين. هذا قاد البعض الى الاعتقاد الخاطئ بان هيجل يرى ان التاريخ يتبع مسارا مقرر سلفا، وبهذا فان فلسفته يمكنها الكشف عن مسار الأحداث في المستقبل. سوء الفهم هذا عادة ترافق مع اتهام هيجل بانه يسعى لفرض مشروعه الميتافيزيقي على الحقائق التاريخية، لكي يطابقها مع نظريته. سنرى ان هذه آراء خاطئة جدا وان هيجل بريء ايضا من فكرة اعتقاده "بنهاية التاريخ"- فكرة ان التاريخ قد اُنجز في لحظته التاريخية المعينة.

كيف تعمل نظرية هيجل في التاريخ

عرض هيجل فلسفته في التاريخ بشكل واضح في (محاضرات في فلسفة التاريخ العالمي) التي ألقاها في جامعة برلين في الاعوام 1822 و1828 و1830. في مقدمته لتلك المحاضرات قال هيجل ان هناك عقل في التاريخ "العقل يحكم العالم" وعليه فان تاريخ العالم هو التقدم في العقل.

ماذا يعني هيجل بالعقل في التاريخ؟ هو في ذهنه تفسير تيليلوجي (غائي) – وهي الفكرة بان التاريخ يمتثل لتصميم او غرض محدد (هذه الفكرة سُميت ايضا بالتاريخانية historicism). هو يقارن هذا بالفكرة المسيحية عن عناية الرب. التحليل التاريخي من المنظور المسيحي يكشف حاكمية الله للعالم وان تاريخ العالم يُفهم كتنفيذ لخطته. هيجل لديه فكرة خاصة عن الله الذي يسميه Geist وتعني الروح او الذهن. الفهم الفلسفي للتقدم في تاريخ العالم يمكّننا من معرفة هذا الاله وإدراك طبيعته وهدفه.

بالنسبة لهيجل، هدف التاريخ هو التقدم في وعي الحرية. التقدم هو عقلاني بمقدار ما يمتثل لهذا التطور. هذا التطور العقلاني هو التطور في حيازة الله على وعي لذاته، طالما ان طبيعة الروح هي الحرية. هيجل ايضا يشير الى الله بـ"روح العالم" التي تكشف عن ذاتها من خلال الوعي الانساني المتجسد بثقافة المجتمع، خاصة في الفن والدين والفلسفة (وهو الثلاثي الذي يسميه هيجل التعبير عن "الروح المطلقة"). وكما اوضح هيجل في فينومونولوجيا الروح عام 1807 ان الروح هي "الحياة الاخلاقية للامة". بالنسبة له، ان التقدم العقلاني في التاريخ يتم فقط بمقدار التقدم في الوعي الذاتي لروح العالم وذلك من خلال ثقافة الانسان عبر وعي الحرية.

من الضروري التأكيد جدا ان هيجل لا يعني بالحرية المقدرة غير المقيدة بعمل اي شيء نحب، في فلسفة الحق عام 1820 أطلق هيجل على هذا النوع من الحرية بـ "الحرية السلبية" ويقول انها طريقة غير ناضجة فكريا لفهم الحرية. ما يعنيه هيجل بالحرية هو أقرب الى فكرة عمانوئيل كانط وحيث الفرد الحر هو الذي يتخذ بوعيه الذاتي خيارات طوعية طبقا لمبادئ عالمية وقوانين اخلاقية، فهو لايتابع فقط رغباته الفردية. يدّعي هيجل ان افراد الامة إذا سعوا فقط لمتعهم الشخصية فهذا سيقود الى انهيار حتمي للامة.

الهدف من تاريخ العالم هو تطوير الوعي الذاتي للروح والذي هو الوعي الذاتي للحرية. النقطة الجوهرية والحاسمة لدى هيجل هي ان روح العالم لا تمتلك هدفا واعيا تنطلق لتحقيقه، وانما الهدف يصبح معروفا فقط بعد ان تنجز الروح هدفها. وبهذا فان هدف التاريخ يمكن فهمه فقط بأثر رجعي في ضوء أحداث الماضي.

بمعنى، لكي يفهم المرء التطور التاريخي، عليه ان يعرف النتيجة لكي يتعقب بأثر رجعي العوامل التي قادت اليه. وكما يوضح هيجل، الضرورة التاريخية تنشأ من خلال الاشتراط التاريخي، اي ان النتيجة تعطي لسببها مظهر الضرورة. فمثلا، عندما أمسك قطار الساعة الثامنة للذهاب للعمل، انا افترض ان يأتي القطار في الوقت المحدد (وهو توقّع غير واقعي)، ثم الوصول الى العمل في الوقت المحدد، عندئذ من الضروري لي ان امسك القطار، لكن هذا لا يعني انا كنت دائما امسك القطار بنفس الطريقة، المسألة بالنسبة لهيجل هي ان التاريخ ليس مقرر سلفا وانما هدف التاريخ يمكن بلوغه تراجعيا في ضوء احداث الماضي. بلوغ هذا الهدف هو الهدف في عملية التاريخ.

نحن نستطيع ايضا ان نرى ان هيجل لا يسعى فقط لتوضيح الكيفية التي أثّر بها الماضي على الحاضر وانما ايضا تأثير الحاضر على تفسيرنا للماضي. يشير هيجل الى ان مهمة الفلسفة ليست التنبؤ او التكهن لأن الفلسفة تصل دائما متأخرة، كما ورد في مقولته الشهيرة "بوم منيرفا تطير فقط عند حلول الظلام". وبكلمة اخرى، الفلسفة او الحكمة تستطيع فقط تحليل التاريخ بأثر رجعي من وجهة نظر الحاضر. وبهذا لا يعتقد هيجل ان فلسفته في التاريخ يجب ان تُفرض على الحقائق. بالعكس، هو يؤكد اننا يجب ان نختبر حقائق التاريخ (او في الحقيقة الحقائق لأي مسألة اخرى) كما تعرض نفسها هي ميدانيا ولأجلها بالذات. نحن نستطيع حينئذ اشتقاق فلسفتنا او الحكمة من هذه الحقائق بدون فرض اي تصورات ميتافيزيقية مسبقة عليها. هذا يعني ايضا انه بالرغم من ان هيجل يرى عقلا في التاريخ، فان هذا العقل يمكن فهمه فلسفيا كليا فقط عندما يكتمل هدف التاريخ.

هيجل يتصور تاريخ العالم قد تطور طبقا لعمليات ديالكتيكية. الديالكتيك الهيجلي عادة يوصف بهذه الطريقة: الفرضية تثير فكرتها المضادة، والاثنان مجتمعان يعطيان دفعا لفكرة تضم عناصر من كلا الاثنين(المركب). لكن هيجل لم يستخدم ابدا ذلك المصطلح رغم انه بالفعل يوحي ببعض المعنى في ذهنه. هيجل ذاته اطلق على الخاصية الرئيسية للديالكتيك "Aufhebung" الكلمة التي تتضمن معاني "يتغلب"، "يلغي"، "يحافظ على الشيء". كل فكرة غير تامة، وبالذات اي مفهوم غير تام للحرية، يحتوي في ذاته على تناقضاته الداخلية، والمركب هو العملية التي تأتي فيها التناقضات موحدة في مبدأ أعلى. وهكذا هناك صراع في العملية الديالكتيكية الهيجلية بين المفهوم ونقيضه الخارجي الذي يتطور الى نقيض داخلي وحيث المفهوم يصارع مع ذاته، وخلال هذا الصراع يتغلب المفهوم وفي نفس الوقت يتم الابقاء عليه في اتحاد مع نقيضه في مستوى أعلى. عندئذ المفهوم الجديد المُنتج بهذه الطريقة يباشر نفس العملية مرة اخرى، وهكذا، فان التاريخ يتقدم في نوع من الحركة اللولبية المستمرة.

لكي نفهم هذا، يُستحسن ان ننظر بالكيفية التي ناقش بها هيجل التاريخ الحقيقي.

ما هي نظرية هيجل في التاريخ؟

لكي يصف التطور في وعي الحرية، يقسّم هيجل تاريخ العالم الى ثلاث ثقافات رئيسية او مراحل. في العصر الاستبدادي، والذي حسب هيجل يتميز بعالم الشرق قبل الاغريق وفيه يعرف الناس ان هناك فقط شخص واحد حر هو الحاكم. بعد ذلك عرف اليونان والرومان ان بعض الافراد او المواطنين احرار. اخيرا، الشعب الالماني (غرب اوربا) ومن خلال تأثير المسيحية، عرف ان كل الافراد او الكائنات البشرية احرار. من المهم جدا ان ندرك ان هيجل لا يريد فقط ان يبين ان مقدار الحرية قد ازداد على مر التاريخ، وانما ان مفهوم الحرية ذاته تغير جذريا. واذا كان هناك تطور في مفهوم الحرية، سيكون هناك ايضا تطور في طبيعة الروح طالما ان الروح تتميز بالحرية.

وبتفصيل اكثر، يميز هيجل هذا التطور الى اربع مراحل معينة. في العالم الشرقي، الناس عرفوا ان الحاكم وحده حرا. بما ان روح الحرية كانت متأصلة او متجلية فقط ضمن فرد واحد والذي نال حريته بفعل الولادة، فان هذه الحرية هي ليست اكثر من عشوائية. كذلك، الناس كانوا غير واعين بالحرية الشخصية ضمن ذواتهم، وبهذا يعتبر هيجل هذه فترة "الطفولة" بتطور الروح.

وعي الحرية الذاتية ظهر اول مرة في عالم اليونان، ولكن حتى اليونان لم يدركوا ان كل الناس احرار. الحياة الاخلاقية (او الروح المطلقة) لليونان كانت تتميز بالقناعة بالأعراف. الناس عاشوا في انسجام نسبي مع تقاليد وعادات المجتمع التقليدية. مع ذلك كانت هذه طريقة حياة متناقضة ذاتيا لأن الناس لم يستجوبوا حقوق واخلاق وعادات الدولة وهكذا هم لازالوا يفتقرون الى وعي ذاتي متطور بما يكفي. ولذلك كان في مجتمع اليونان توترا فطريا بين الحرية الفردية والمبادئ العالمية للدولة. هيجل يقارن هذا التوتر بفترة البلوغ لدى الشباب. هذا التوتر قاد سقراط لتشجيع الناس للتفكير بالأخلاق السائدة، ومن ثم تشجيع الروح لإعادة إيقاظ ذاتها.

وفي الفترة اللاحقة للامبراطورية الرومانية جرى الاعتراف بالحرية الذاتية كشكل من الحقوق الرسمية للمواطنين، لكن هذه الفكرة للحرية كانت شديدة التجريد وفوق الحياة المادية اليومية للمواطنين. وبهذا، كانت الروح في مرحلة الاغتراب الذاتي. الحرية الحقيقية لم تبرز الا مع ظهور المسيحية في العالم الجرماني، حينما جرى فهم الحرية كجوهر للانسان. لذا فان المسيحية هي هامة لهيجل طالما ان الكائن الانساني فقط من خلال يسوع المسيح الذي يسميه هيجل (الله-الانسان) يجد جوهر الروح ضمن ذاته ويتغلب على اغترابه من الله (من عالم الروح).

المسيحية كانت جبهة الحياة الفكرية الامامية طوال القرون الوسطى. غير ان هيجل رأى مسيحية القرون الوسطى كمثال حي على ما اسماه "الوعي غير السعيد" نظرا لما اعتبره كفشل للكنيسة في التوسط بين الافراد والله. كانت الثورة الفرنسية اللحظة التاريخية العالمية المعينة فيها اصبحت الروح واعية حقا بذاتها، حين هربت من الحرية "المطلقة" وبلغت الحرية "الملموسة" من خلال القوانين المطبقة على الناس. حتى في ايامه الاخيرة ظل هيجل سعيدا جدا بالثورة الفرنسية واصفا اياها بـ "الفجر الفكري المجيد".

وبهذا فان روح العالم تطورت ديالكتيكيا طوال التاريخ بسلسلة من الصراعات مع ذاتها. الروح لا يمكنها التغلب على مرحلة اغترابها عن ذاتها الا من خلال إدراك هذا الاغتراب. كل مرحلة كانت ضرورية تماما في تطور الوعي الذاتي للروح، لكن ضرورة كل مرحلة لا يمكن بلوغها الا تراجعيا.

نهاية التاريخ

ما الذي يقود روح العالم نحو الوعي التام بالحرية؟ وكيف يصبح الافراد واعين بهدف التاريخ او الوعي المُنجز؟

بالنسبة الى هيجل، تاريخ العالم يقوده "الافراد التاريخيون" او "الرجال العظام" مثل سقراط ويوليوس قيصر او نابليون. هم وحدهم قادرون في التأثير على موجات التاريخ ودفعه نحو الوعي الذاتي للحرية. وفي رسالة كتبها لصديقه فردريك نيذامار عام 1806 وصف هيجل نابليون وهو يمتطي حصانه بإعجاب مفرط "روح العالم على ظهر حصان". غير ان الكثير من هؤلاء الافراد التاريخيين يسعون لتحقيق مصالحهم الخاصة، هم تستخدمهم الروح دون معرفة للتحرك نحو بلوغ وعيها الذاتي. هيجل يسمي هذا "مكر العقل".

ولكن كيف يكون سعي الافراد التاريخيين لمصالحهم الفردية نتيجة لعمل العقل في التاريخ ومن ثم تشجيع تطوير الحرية؟ جواب هيجل كان عبقريا. هو لاحظ ان اي فرد يعمل بنشاط لدعم سبب مهم تاريخيا هو ليس فقط طرف مهتم ذاتيا يبحث عن الاشباع، هو يجب ايضا ان يكون مهتم جدا في السبب ذاته. وهذا السبب، كونه تجلّي لمرحلة معينة من التقدم في تاريخ العقل، يجب ان يؤدي الى تقدم شمولي نحو بلوغ الحرية الانسانية.

البعض لاسيما فرنسيس فوكاياما فهم هيجل على الشكل التالي: بما ان تاريخ العالم كوعي ذاتي للحرية الانسانية قد تحقق في زمانه، فان العالم قد وصل نهاية التاريخ.

يجب التأكيد على الطريقة التي يستخدم بها هيجل كلمة "تاريخ" والتي بالطبع هي كشف العقل للتقدم بوعي الحرية. فوكاياما يرى ان بلوغ الحرية هذا حدث حقا مع انهيار جدار برلين عام 1989 مشيرا الى نهاية الشيوعية في اوربا والى انتصار الديمقراطية الليبرالية على كل الانظمة الاخرى للحكم. فكرة فوكاياما هي ان الديمقراطية الليبرالية هي الشكل الاخير لمجتمع يجسد الوعي الذاتي بالحرية. ولكن هيجل لم يقترح او يقبل اي نوع من الليبرالية السائدة في المجتمع الحديث. هيجل رأى في الليبرالية خاصة في فرنسا الليبرالية في زمانه توترا بين حقوق الفرد ووحدة المجتمع. يبدو ان هيجل ذاته رفض الليبرالية كآيديولوجية لأنه اعتقد انها تقود الناس لوضع مصالحهم الانانية فوق المبادئ الكلية المعززة للدولة، وبهذا فان الليبرالية على الاقل في زمانه لا يمكن ان تكون نظاما سياسيا وسوسيواقتصادي مستقرا. "هذا الاصطدام كما يذكر هيجل في استنتاجه في (محاضرات في فلسفة التاريخ) وهذه المشكلة هي التي شغلت التاريخ الآن وان حلها يجب انجازه في المستقبل". من المهم ايضا ملاحظة ان هيجل لايعني "نهاية التاريخ" بمعنى ان التطور التاريخي ينتهي في لحظته التاريخية في اوربا. في الحقيقة، فيما يتعلق بالمحتوى الحقيقي لتاريخ العالم، وصعود الاستقلال الامريكي آنذاك، لاحظ هيجل بوضوح ان "امريكا لهذا السبب هي بلد المستقبل، وان اهميتها التاريخية الخاصة بحاجة ليُكشف عنها في العصور القادمة".

ان ذكر هيجل لـ "المستقبل" في سياق خاص لتاريخ العالم في هذين الاقتباسين الاخيرين له اهمية خاصة هنا، ذلك انه يقترح ان هذه ليست مجرد اشارة وانما شيء ما منهجي. هيجل لايدّعي المعرفة بما في المستقبل، وحتى لو كان الوعي بالحرية هو الان يتجسد بشكل كامل في العالم، فذلك لا يعني ان المستقبل يجب ان يكون كُتب سلفا. بالعكس، هيجل يعتقد انه بسبب كون التاريخ مشروط بشيء اخر فلا وجود لاستنتاجات بشأن المستقبل.

هذه النقاط تشير بوضوح ان هيجل لم يعتقد بان الليبرالية هي نهاية التاريخ، وليست هناك اي طريقة متصورة للتاريخ انتهت عند لحظته التاريخية المعينة. ما يعنيه هيجل بنهاية التاريخ ليس عدم وجود تطورات اخرى، وانما هدف التاريخ قد تحقق، والعالم الان واع بالحرية، وان روح العالم تعرف ذاتها كحقيقة نهائية – وهو ما يشير له هيجل "بالمعرفة المطلقة".

نستنتج ان هيجل يرى التاريخ غير مقرر ولا مغلق، ولا هو عند نهايته، وانما هو اشتراطي ومنفتح راديكاليا. الماضي محفوظ في الحاضر بالمقدار الذي يصوغ فيه الحاضر في تطوير الوعي الذاتي للحرية الانسانية التي نمتلكها الان. هذا الفهم هو ميراث هيجل الذي نحتاجه اليوم.

Hegel on History, Philosophy Now, Dec-Jan2019

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق