في مثل هذا اليوم نصبت أعمدة مسرح النصر العراقي الكبير ضد تنظيم داعش الإرهابي، هو مشهد لاعلان نهاية اخطر حرب واجهها العراق في الالفية الجديدة، اذ خسرت البلاد ثلث الأراضي في ظرف قصير جدا، وبطريقة فضحت تهالك الدولة وخواء المنظومة العسكرية والأمنية، فضلا عن ركاكة النموذج السياسي الجديد.

الأراضي التي خسرها العراق خلال أيام قلائل استغرقت عملية استعادتها اربع سنوات تقريبا، وخسر خلالها شبابا تحلم الدول الأخرى بجيش مثلهم، كما هُجّرت العوائل من الموصل وصلاح الدين والرمادي، الايزيدون كانوا ضحية اكثر عمليات التطهير العرقي وحشية، خانتهم الأرض، وخذلتهم الحكومة، ضعفا او نتيجة سوء تخطيط.

هي الحرب التي جعلت تنظيم داعش يطرق البوابات الرئيسية للعاصمة بغداد، ويطوقها بحزام امني محكم، كما شارفت مجاميعه ان تصل مدينة كربلاء، وما بين هذا التقدم السريع والخطير تسري اخبار مجازره كالنار في الهشيم، ساد الرعب في نفوس الناس. من يهديء روعهم؟ فالجيش لم يعد موثوقا به، او هو فقد ثقته بنفسه، الفرق العسكرية تنهار واحدة تلو الأخرى.

هي فتوى الجهاد الكفائي التي اعادت المعنويات للجيش عبر زج قوات بروح قادرة على مواجهة العدو، لتبدأ رحلة ما سمي فيما بعد بقوات الحشد الشعبي، وكانت الأهداف العراقية عسكرية تتمحور حول طرد التنظيم الارهابي من المدن التي احتلها، ودفعه الى أبعد نقطة عن المدن التي تجاور حدوده الجديدة. وخطاب المرجعية للمقاتلين كان الفيصل في هذا المجال حينما قالت: " إن من يضحي منكم في سبيل الدفاع عن وطنه واهله فانه يكون شهيدا". فالدفاع عن الوطن والحفاظ على أرواح المواطنين كانت الهدف (وقد تم ذلك). وقيمة النصر تقاس بحجم الخطر الذي دفعه شبابنا عن العراق. فقد تم استرجاع الارض وعادت الكثير من العوامل النازحة والأخرى بالانتظار وتم القضاء على داعش.

ما بعد النصر؟ هو الشغل الذي عكفت الكثر من مراكز الدراسات ووسائل الاعلام، والمؤسسات الحكومية على دراسته والبحث فيه، اذ تم تقديم رؤى تطلب تغييرا في طريقة إدارة الدولة من اجل تجنب تكرار كارثة 2014، الا ان النسيان او عدم الاستجابة لهذه الدراسات والأبحاث صفة ملازمة للحكومات العراقية المتعاقبة، فلا هي تخطط جيدا، ولا هي تسمع من غيرها.

العراق يحتاج الى رجال يقدرون الظرف، ويعرفون الطريقة التي تحقق استمرار مسيرة النصر العسكري ليتحول الى نصر سياسي، من يقوم بحمل راية هذه المسيرة الجديدة؟ وهل هو اهل لهذه الراية ام انه خاضع لقانون التجربة والخطأ؟ لنكتشف بعد حين اننا نعود لنقطة البداية وربما نقطة اللاعودة، وهل نستطيع تعلم الدروس من المعركة العسكرية، بان الاهداف لا يمكن ان تتحقق دفعة واحدة، بل تحتاج الى صبر وتخطيط سليم وفرز من هم خارج قواعد الحرب. هذه الاسئلة واسئلة اخرى كانت بحاجة الى إجابات قبل لنتهيء لمرحلة ما بعد النصر.

نحن عبرنا للضفة الأخرى من الحرب، حيث السلام والنهاية لجماعة داعش، دون ان ناخذ كفايتنا من الدروس والعبر، ومن لا يحول المخاطر الى فرص لا يمكنه ان يبني دولة، ولا يحق له ان يدعي ذلك، فهذه المانيا واليابان واوربا كلها، دول تعرض لخسائر مخيفة، انها اعادت الثقة بنفسها، وارتوت من الجرح وما عادت تشتهيه.

عراق ما بعد النصر لا يحتاج الى خطاب الحرب، ولا الى كلمات "نحن" و"هم"، والبيوت والمدن التي دمرت خلال الحرب نخرت بتلك الخطابات، وكانت في الواقع مدمرة قبل هذا التاريخ بسنوات، حيث أ

أُلغيت المؤسسات، وتحولت التعاملات بين المواطنين تجري على أساس القرب او البعد من مواقع القرار، وهذا ما وفر بيئة مناسبة لولادة التنظيمات الإرهابية ومنها داعش.

على الحكومة إيقاف خطاب الحروب والانشغال بالبناء المؤسساتي، فهو الأكثر تضررا من السياسات المتعاقبة، واذا ما اعيد بناء تلك المؤسساس سوف تعاد الأبنية وكل المدن المدمرة وبتكلفة قليلة لا تكاد تذكر مع حجم الفساد المستشري.

انقر لاضافة تعليق