يصر البعض ممن يتبنون الحداثة بقشرية وتقليدية على تفكيك ثنائية الروح والجسد قافزين على حتمية العلاقة بينهما؛ من أجل تمرير بعض الأفكار الشاذة عن الفطرة البشرية، وإلباسها قميص العصرنة والتماهي مع مستجدات الحياة، وكأن هذا التماهي لا يتم إلا من خلال نسف القيم التي تنظم حياة الإنسان.

إن هذا النوع من الحداثة يكرس فردية سلبية للإنسان تجعله مستقبلاً يعيش حالة انعزالية وكآبة؛ بسبب خروجه على الفطرة باعتناقه الأفكار القشرية معتقداً أنها السبيل لخلاصه بينما هي تسعى لاستلابه ثقافياً cultural alienation بطريقة تخلط الأوراق عبر نسق فوضوي يعطي ضياعه شرعية "حداثية".

وأشد سلبيات الفردية الانعزالية؛ تلك التي تتمثل في صراع البعدين الاجتماعي والفردي للحرية، ومحاولة الوصول لنتيجة أن الفرد هو قطب الحرية ومركزها، وليس من شيء ضروري - طبقاً لمحوره هذا - لجعله يوظف حريته في إطار الجماعة.

واليوم تترسخ قيم الفردية الانعزالية بشكل مخيف، لدرجة أننا صرنا نسمع عن لا ضرورة الزواج بين الجنسين في الحياة الاجتماعية، وأن بدائل يمكن لها أن تؤكد السلطة الفردية من خلال سيطرة الإنسان على جسده، وسلطته عليه. وبهذه الفكرة يتم الفصل التام للحرية عن الإطار الاجتماعي، وتجعل الإنسان خاضعاً بشكل مطلق لأنانيته وفرديته، فضلاً عن تفكيك حتمية العلاقة بين الروح والجسد، وهي الثنائية التي تضمن باتحادها تحقيق العطاء والانتاج، وتكفل له التوازن بين المادي والمعنوي في حياته، تمهيداً لإحلال السلطة الفردية القامعة.

إنَّ حرية الإنسان في الدفاع عن بقائه من خلال ممارسة (الحرية الطبيعية) كما يعبر عنها (جون لوك)؛ تتيح للجسد ممارسة السلطة المطلقة على السلوكيات المنفلتة من القيم؛ لذلك صار الحديث عن عدم وجود ضرورة للزواج من خلال الترويج للبدائل الشاذة كالمثلية الجنسية، او الممارسة الفردية للجنس، او حتى ابتكار وسائل اخرى، وكل هذه الوسائل وغيرها، من شأنها أن تحدث شرخاً قيمياً هائلاً في المنظومة الإنسانية، ثم ينتهي المطاف بتفكيك الروابط الأسرية، مع جملة من الاضطرابات والأمراض النفسية، وصولاً إلى الكآبة التي ستأخذ الإنسان إلى خلاصة الانتحار وإنهاء حياته، وهذا هو مايحدث في بلدان كثيرة تساعد شعوبها على أن تتبنى شعوبها هذا المنطق الفردي الانعزالي، وهذه الافكار المادية المدمرة.

والغريب ان بعض المؤسسات المعنية بحقوق الإنسان راحت تتعاطى مع هذا التدمير على انه حالة واقعية، بحيث ان المثلية الجنسية أسقطت من لائحة الأمراض النفسية، وكأنها نتيجة طبيعية لإفرازات الزمن الحديث.

والخوف كل الخوف ان تكون القيم البشرية الفطرية وبضمنها الزواج الطبيعي بين الجنسين هي الشيء الغريب في القادم من الأيام، بل وقد يكون الزواج مرضاً نفسياً، ويتم وصف المتعاطين مع هذه الفطرة بالمرضى!

والخطر الحقيقي يكمن في زحف هذه الأفكار لمجتمعاتنا، حيث صار الحديث علنياً عن حقوق المثليين، او عن حرية الإنسان في اختيار التعامل المناسب مع جسده خارج الضوابط المجتمعية التي تستتبعها حالة تلاشي وانعدام الهوية الاجتماعية، الأمر الذي يعني أن مجتمعاتنا تواجه خطر تصدير المشاريع الشاذة إليها بواسطة قوة ناعمة تحاول التغلغل؛ لتكوِّن مافيا للشذوذ العصري، خصوصاً بعد أن حدث شيء من الانقلاب على هذه المافيات في بلدان الغرب التي تراجعت ليبراليتها الداعمة لمثل هذه الأفمار، وصارت هناك معطيات ملموسة لدى بعض الغربيين في العودة إلى الفطرة السليمة، حتى ان بعض الوجوه الاجتماعية الشهيرة - عارضة أزياء أمريكية مثلاً - صرحت بأن العلاقة الطبيعية المتوازنة هي في الزواج بين الذكر والأنثى. وكان هذا التصريح سبباً لشن هجمة إعلامية شرسة ضدها اعتبرت أن تصريحاتها تعادي حرية المثلية الجنسية في الولايات المتحدة الأمريكية.

ومن الطبيعي في حال انتشار هكذا أصوات من داخل المجتمعات الليبرالية؛ أن يعمد مروجو الأفكار الانحلالية إلى تسويقها للبلدان التي تنظر للقيم الأخلاقية كثابت مهم من ثوابت التواصل الإنساني ، وقد حدث هذا فعلاً في العاصمة المصرية القاهرة حين قام أحد الشبان في إحدى الحفلات الليلية الصاخبة بارتقاء أكتاف صديق له رافعاً علم (الرينبو) وهو العلم الذي يحمل شعار المثلية الجنسية، ثم رفع صوته مطالباً بالسماح للمثليين بممارسة مايريدون كحق طبيعي لهم وحرية شخصية، بذريعة أن الإنسان مالك لجسده، وله حرية التصرف في ملكه كما يحب!

هذه الحادثة تجعلنا نخشى ان تنتقل السلوكيات الشاذة الاخرى لمجتمعاتنا ومنها العنوسة الاختيارية او رفض الزواج بذات الذرائع التي يتذرع بها المثليون.

اضف تعليق