لا نعرف ما هو سر الارتباط بين الفنون الدرامية (التلفازية) حصرا، وبين شهر رمضان، ثمة منتجين لا ينشطون إلا في هذا الشهر، وشبيه لهم من المخرجين والممثلين، حتى أن بعضهم يكرّس نفسه لهذا الشهر كأنه لا يعمل أحد عشر شهرا، فيعيش بإنتاجه الفني في شهر رمضان فقط، على الأقل هذا ما نلاحظه في الفضائيات العربية والعراقية، فأين يكمن السر، هل الفنان الجاد يقتصر فنّه في إطار زمني محدد؟، وإذا كان الأمر كذلك، ماذا نقول عن ألمع نجوم العالم الذين يكدّون طيلة شهور السنة ولا يقصرون إبداعهم الفني على شهر محدد، كما يفعل فنانو الشهر الأوحد؟.

بالطبع لا اعتراض على طريقة عمل الفنان وأسلوبه واختياراته الزمنية، فلندعه يعمل بحرية، وقتما يريد، ولندعه يكف عن العمل وقتما يحب أيضا، فهو حر في اختيار الإطار الزمني الذي يميلُ إليه، لكن من حقنا أن نعترض على المضمون الفني المعروض على شاشات الفضائيات، وبالأخص حين يختار الفنانون شهر رمضان دون سواه لعرض أعماله، فهذا الشهر كما هو متَّفق له خصوصية عند المسلمين والمشاهدين، ومشهور بقدسيته، وتميل الناس فيه إلى التطوير الروحاني، ومحاولة ترميم زلّات الجسد الغريزية وسواها.

فشهر رمضان هو شهر الله، شهر الاطمئنان والازدهار الروحي، يستكين فيه الإنسان إلى نفسه، يطالعها عن قرب، يحاكيها، وفي معظم الأحيان يحاسبها، يضعها أمام منصة المقاضاة الذاتية، يعاتبها، يطالبها بالكف عن العبث، على الأقل في هذا الشهر، وإعلان التوبة، والالتفاف حول ثقافة الاطمئنان والتوافق الروحي، والنأي عن نزعات الجسد المريبة، فينتظر الناس في الغالبية منهم ما يدعم هذا التوجّه الروحاني، إنهم يرون في هذا الشهر مدارا زمنيا نافرا مغايرا لا يشبه الأزمنة الأخرى، فهو شهر النقاء، والكف عن الولوج والتعثر بصغائر الأمور، فهو شهر السمو الروحي المتعال، وطبقا لهذا ينطرون من الفنون ما يتوافق مع ثقافة الازدهار الروحاني، وسيكون العكس، أي كل ما يعكّر هذا المضمار الروحاني غير مقبول، كونه يقف بالضد من تطلّع الغالبية من الناس إلى شهر تزدهر فيه ثقافة روحانية وفكر يفوح بنفحات الفضيلة.

مع هكذا توجّه جمعي، يندفع بعض القائمين على إنتاج الفنون الدرامية (المسلسلات والبرامج اليويم) في الاتجاه الخاطئ للأسف، وما يزيد الأمر غرابة وقهرا، أن هذا السيناريو في المشهد الفني يتكرر في كل شهر رمضان جديد، فإذا كان مقصورا على شهر واحد مضى، سنقول إنها هفوة، وهو تراجع وقتي للإنتاج الدرامي التلفازي، بيد أن الحال يقول غير هذا، إننا نعاني في كل رمضان هذا السيل الهادر من الفكاهة الخرقاء، وحين نصفها بهذه الصفة فإننا نعني هذا القول بمعناه الدقيق والحرفي، إنها فكاهة خرقاء بالقول والصورة وبالفكرة والمضمون.

ليس في هذا الكلام غلواء أو تحامل على الفن ولا على صانعيه ومنتجيه، فنحن كعراقيين نؤمن بأن الفنون تشترك في الوسائل التي تسعى لتزيين الحياة شكلا وأعماقا، شرط التنائي عن الابتذال والتهافت، وإلقاء الفنون الدرامية في خطر التسطيح والتهريج، إن هذا الأسلوب الهابط ليس له علاقة بالفن الرفيع، الفن الذي يعالج مشكلات الإنسان بجمالية عالية ويسمو بأرواح الناس وعقولهم وقلوبهم وأفكارهم وثقافتهم، وكل ما عدا ذلك سوف يسيء للعقل العراقي ويضع الفن في موقع الاتهام، ويضع الفنانين المتهافتين على أعمال هابطة موضع تساؤل واستغراب، ومما يثير الألم ويبعث على الأسف، إنجرار الفنان الجاد إلى دائرة الرداءة والهبوط والتسطيح.

وقد لوحظ في الأعمال التي تم عرضها في شهر رمضان الجاري، وجوه وشخصيات فنية ينظر لها الجمهور باحترام، ويكن لها التقدير، لكن المفاجأة أنها دخلت في دائرة الخواء الفني، وتم استدراجها إلى الفخ، ولم تتنبّه هذه الشخصيات الجادة إلى تاريخها الفني المحترم، فانساقت في موجة الفكاهة الخرقاء، وشاركت في أعمال درامية قوامها التهريج والخلاء من أية قيمة فنية أو فكرية أو جمالية، وصارت حالها حال الفنان المبتذل، الذي لا يمتلك تأريخا يُشار له بالبنان!!.

فيا لها من غرابة، ويا له من ألم وأسف، وسف نذكر هنا على سبيل المثال إسماً مرموقا لأحد الفنانين الجادين، فكيف لمثل هذه القامة الفنية الشاهقة التي عُرفت بأعمالها الرصينة، أن تنحدر إلى أدوار هامشية لا تليق بها، إننا حين نذكر الاسم للفنان الجاد، فهذا ينطلق من حرصنا عليه، واحترامنا له، وليس القصد الإساءة أو التجريح، إنه الفنان المتميز بأدواره الجادة التي عرف بها، والتي دخلت الذاكرة الجماهيرية الجمعية ولن تغادرها، فلماذا هذا الانجرار نحو التسطيح، لا توجد مسوغات مقبولة، فصاحب التاريخ الضخم، لا يمكن أن نصمت على دخوله في موجه الهبوط والتسطيح الفني، إننا هنا لم نذكر الهابطين أصلا، فهؤلاء لا تعنيهم ولا تعنينا تواريخهم ولا شخصياتهم، أما المهمين والجادين، فإنهم يمثلون تاريخ العراق الفني، ولا يمكن السكون عليهم إذا أخذتهم موجة الضعف التي تسيء لنا قبل أن تسيء لهم.

والمتابع الجيد والمهتم، يمكنه فرز الأعمال المتهافتة التي ضجت بها الفضائيات العراقية، وحتى العربية، وكل ظنّهم أنهم يرفّهون عن الناس في شهر الصوم، لكنهم نسوا أو تناسوا بأن قيمة الإنسان وسعادته لا تتجسد بالرداءة والهبوط الفكري، ولا يمكن للفكاهة الخرقاء أن تصنع عقلا مثقفا، ومن المؤلم حقا أن هذا السيل الجارف من المسلسلات و (برامج الفكاهة)، يخلو من الهدف الأسمى، ألا وهو صناعة الفكر العميق المتوازن، والثقافة الراقية، ودعم القيم الاجتماعية والأخلاقية خصوصا أن العراقيين بأمسّ الحاجة إليها اليوم.

بالطبع لم ندوّن هذه الملاحظات انطلاقا من ضغينة، أو تحامل أو استهداف، همّنا هو همّ جمعي، يطالب بحماية الفكر والسلوك، ويربأ عن الإساءة للشخصية العراقية، ولا نأمل بتتفيه العقلية المتمناة للشخصية العراقية، وما دام مهمة الفن الصعود بالذوق والتفكير، وليس الهبوط بهما، فنحن نأمل أن يضمحل الاندفاع الفني لكوادرنا نحو الفكاهة غير الهادفة والتي يسميها البعض بالخرقاء، وهي كذلك بالفعل طالما أنها لا تسهم بتثقيف الإنسان ورفع الاحتياطي التحليلي لعقليته والارتقاء بأفكاره ووعيه، وهو ما يأمل العراقيون أن يتنبّه له من يهمهم شأن الفن والدراما على نحو العموم.

انقر لاضافة تعليق