قراءة شؤون الأوسط من منظور الغنيمة

بين الغنيمة (الارتزاق) والغنم (القطيع)

الحسابات التي تضربها إسرائيل ووراءها واشنطن هي من الجدّية بمكان بحيث لا نجدها تحضر في خطاب الضعفاء.. تدرك إسرائيل بأنّ أي مجازفة بالحرب على لبنان ستكون نتائجها عكسية.. العبارة التي قالها سعد الحريري نفسه في لقاء صحفي وول ستريت جورنال.. بعض خبرائنا الذين اكتسبوا الخبرة في ترديد ممضوغ الكيدية التي تنطلق من المشرق بينما لا زالوا يتحدثون ضدّ المشرق حين تنقلب بوصلة المزاج الكيدي، باتوا أكثر تطرفا من كلام زعيم 14 أذار..

وسيجد الإنسان نفسه أمام غرائب العنترية حينما يجد مخنّنين استراتيجيين لا يفعلون أكثر من ترديد مقولات تصدر عن باحثين في معاهد أمريكية، ينقلونها مشوّهة مع مهارات غبية أشبه بتقليد الجراء لنباح كلبة طاعنة في السّن.. ديفيد بولوك واحد من أولئك الخبراء الذين يقلّدهم أشبال بنات آوى في ديارنا.. كبير الباحثين في معهد واشنطن للدراسات الإستراتيجية ومشارك في تطوير مشروع الشرق الأوسط الكبير..

ما يقوله هذا الكوبوي يتلقّفه غلماننا ويعيدون مضغه على قطيع من الرأي العام "مقلوبة عليه القفة".. الغريب أنّ غلماننا في الوقت الذي يتبنون فيه آراء هذا المحلل/العميل في قضايا تتعلق بالشرق الأوسط مثل إيران ولبنان وسوريا والعراق وما شابه، يغضّون الطرف عن دفاعه عن إسرائيل بشغف.. وتكمن احترافية هذا الباحث عن تنبيه حكومته وحكومة إسرائيل على تبني خطط بعيدة المدى أو أبعد من المتوسطة، وذلك بالبناء على مكتسبات تاريخية.. فهو يدرس حركة المجتمع المدني وينطلق من مواقف سطحية في بناء تصورات وأحكام لا تخلو في معظمها من تفاهة القراصنة، وذلك حين يروج أن معظم ساكنة القدس الشرقية يتمنون الجنسية الإسرائيلية..

هذه المقاربة لحركة وسيكولوجيا الشعوب المقهورة تؤكد على أن المخطط الأمريكي يعمل على استغلال حالة الشعوب تلك بنهج مزيد من التأزيم والنزوح والمجاعات والحروب لكي يدفع الشعوب باتجاه القبول والإذعان للخيارات الإمبريالية.. لكن الشعوب أيضا تخاتل بمعاناتها، حيث مثله حصل في العراق حين فرضت أمريكا الحصار على العراق وهي تدرك أنّ هذا الحصار هو على الشعب العراقي وليس على الحكومة، وذلك لكي تجعل الشعب العراقي يقبل بالتدخل الأمريكي..

وبالفعل كانت هناك أصوات تقول بأنّنا مستعدون للتعاون مع الشيطان للخروج من جحيم المجاعة والقهر والاستبداد.. وحين بنى الأمريكي على مثل هذه الشعارات وظنّ أن العراقيين سيقابلونه بالورود سرعان ما انقلبت الأمور وانطلقت المقاومة.. يمكنك أن تنتزع مثل تلك العبارات من شعوب في حالة مشي لا إرادي.. شعوب مسرنمة.. لكن هذا لا يعكس الحقيقة.. يقول بولوك نفسه وهو يدرس تطور المجتمع الفلسطيني بأنه بات قابلا للتطبيع بكيفية ما، وبأنّ المطلوب العمل تدريجيا على انتزاع فكرة استرجاع الأرض.. يقول:" يجب ألا ننسى أن السلام الدائم لا يصبح ممكنًا إلا إذا عمل أي "اتفاق نهائي" وبشكل مضمون على كبح مطامع ذلك الشعب المتواصلة باسترجاع الأرض على المدى الطويل ونزعته الوحدوية".

هذا الخبير محبوب لدى سرّاق الله وهو يحبهم لأنّه دافع عن ربيعهم.. من أكبر المناصرين للربيع العربي ولعله في مواقع النظر والتحليل يفوق اليربوع برنار هنري ليفي.. أنا شخصيا أعتبره مثالا لراعي بقر شكلا ومضمونا.. صادفته مرّة يصول ويجول دفاعا عن الربيع العربي بخطاب يقطر كيدا وعينان ترقصان وكأنّ هذا الربيع هو المطية الأثيرة للكوبوي وصولا إلى التطبيع..

يهتم بولوك كثيرا بتطور حراكات المجتمعات.. نازلته حينئذ ورشقت تحليلاته بتحليل ساخر من حلم اليقظة الكوبوي.. لم يكن في وسعه إلاّ أن أرسل ابتسامة القرصان.. ظنّ أنّ المناسبة هي حكر فقط على القراصنة.. وحينئذ قلت له أمام زملائه والحضور من خبراء ومسؤولين وسفراء من سائر البلدان: أعرف أنكم أنتم الأمريكيين تحبون القمار والرهان.. أنا سأراهنك.. سأراهنك بأنّ الأسد لن يسقط.. مرت سنوات وأصبحنا نسمع له كلاما بأن الموقف الأمريكي غير واضح من مصير الأسد.. هي طريقة الهروب الأمريكي.. قال هذا بعد أن راهنته أمام شاهد آخر هو رتشار مورفي المبعوث الأمريكي المخضرم للشرق الأوسط وأمام مسؤول جامعة الدول العربية في أنقرة.. إنهم مثل شهود يهوه يحجمون عن البروباغوندا كلما أدركوا أنهم سيخسرون الرهان.. هذا الكوبوي لم يقل شيئا، لم يداخل بشيء.. لم يفعل أكثر من إمطاري بابتسامات كبير القرصان المستر سيلفر في جزيرة الكنز..

تغيير الموقف والرأي حكاية تواجه تحدّي العناد.. كثيرون كانوا يستدلون على مواقفهم المنقولة بخصوص سوريا مثلا بعبد البارئ عطوان.. وما أكثر ما نازعونا آراءنا بالإحالة إليه.. بعد سنوات تركهم كأيتام وعاد إلى موقفنا ورأينا، ولكن الأيتام ظلوا في عناد يعمهون.. يحتاج غلماننا أن يسمعوا الحكاية من بعيد.. يتبجّح أكثرهم بأنّ المشكلة تأتي من الشرق بينما كلّهم موصول بالشرق وقد علم كل منهم مشربه من بول البعير الذي ينتج بلهارسيا السياسة.. ركوب صهوة العناد في رفض الوقائع.. يمكنك أن تدرك خطورة تحريف التّاريخ حين تتأمّل هذه الأنماط من بني البشر.. تحريف التّاريخ حقيقة لا غبار عليها وهي تتطلّب لدحضها شجاعة لا تتوفّر للقراصنة الذين أفسدوا الدنيا والحقيقة..

المشكلة هي أنّ الحقيقة ليست هي هدف القرصان الذي يجرّ وراءه تاريخا من عقدة حقارة ويريد أن ينتقم من كل الذين يمشون منتصبي القامة.. لقد اختلط العلم بالجهل لأنّ الذّات التي منحت دور إنتاج الحقيقة ليست دائما على قدر سواء من السّواء.. التاريخ والميديا تفتح مجالا واسعا للمرضى.. القرصان يهدف إلى الغنيمة.. وحين يحدّثك هذا الرّهط عن التاريخ تراهم يستدلون على فساده بأنّ عقل الغنيمة كما ذهب الجابري هو من مقومات العقل السياسي العربي إلى جانب العقيدة والقبيلة..

اليوم نرى أنّ الغنيمة هي الهدف وليست الحقيقة.. العقل السياسي الجاهلي يعيد نفسه.. وفي هذا الخضمّ ضاعت الحقيقة والمروءة السياسية.. بل نحن أمام كتابة فاسدة مسبقة لتاريخ قد يصبح فيه بنات آوى أسودا.. واليرابيع نمورا.. والسّفهاء حكماء.. سنقول: قال فلان وقال فلان...

* إدريس هاني، مفكر مغربي

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق