ملفات - عاشوراء

أمَّةً أَزاحتكُم

عْاشُورْاءُ السَّنَةُ التَّاسِعةُ (٧)

السُّلطةُ حقٌّ، ولكن لِمن؟! أَهيَ لكُلِّ مَن هبَّ ودبَّ؟! أَو لكُلِّ مَن تمكَّنَ من ناصيتِها بأَيَّةِ طريقةٍ حتَّى إِذا كانت بالعُنفِ والإِرهاب والتَّزويرِ والغارات المُميتة؟! أَم أَنَّها حقٌّ لِمن يستحقَّها؟!.

الأَمويُّون وكُلَّ أَبواقهِم على مرِّ التَّاريخ بذلُوا كُلَّ جهودهِم من أَجلِ إِيجادِ المُبِّررات [الشرعيَّة] لسلطتهِم، فمِنهُم مَن يقولُ بشرعيَّتِها لأَنَّهم تمكَّنُوا منها وكفى فلا تسأَل كيفَ حصلَ ذلكَ؟! وآخرُونَ ابتدعُوا نظريَّة [العُصبة] لشرعنتِها بذريعةِ أَنَّ غيرهُم لم يكُن يمتلكها لتُمكِّنهُ من السَّيطرةِ على السُّلطةِ كما كانَ حال الأَمويِّين.

وهكذا!.

أَمَّا في واقعِنا المُعاصر فإِنَّهُم يُشرعِنونَ السُّلطةَ لكُلِّ أَحدٍ تارةً بذريعةِ الشرعيَّةِ الثوريَّةِ كما فعلَ البعثيُّونَ والتي هي عبارةً عن الوجهِ الآخر للسَّرقة والسَّطو المُسلَّح على الدَّولة أَو ما يُسمَّى بالإِنقلابِ العسكري الذي يصحبهُ دمٌ وسحلٌ.

وتارةً بذريعةِ الخَوف من أَن تنزلقَ البِلاد إِلى المهاوي ولذلكَ يتصدَّى السلطويُّونَ لتصحيحِ المسار! والبدايةُ من شنِّ حملات القمع وتكميم الأَفواه وملء السُّجون والمُعتقلاتِ بالأَحرارِ ومُلاحقةِ المُعارضين!.

أَمَّا في ظلِّ ديمقراطيَّتِنا العتيدة فإِنَّ الذَّرائع جاهزةً على أَلسنةِ كُلِّ مَن يُقرِّر الإِمساك بالسُّلطة مهما كانت النَّتائج!.

فتارةً بذريعةِ المُؤَامرة وأُخرى بذريعةِ القُدرة الخارِقة التي يمتلكَها ولا يمتلكَها غيرهُ! وتارةً بذريعةِ الخِبرةِ المُتراكمةِ والتي لم يرَ منها الشَّعب غيرَ الفَساد والفَشل والدَّولة العميقة التي أَكلت الدَّولة ومُؤَسَّساتِها.

أَمَّا المُشرِّع فقد رسمَ معالِمَ مُحدَّدة ومعاييرَ ثابِتة لصاحبِ الحقِّ في السُّلطة، بعدَ أَن رسمَ أَهدافها الحقيقيَّة التي إِذا فشلَ في إِنجازِها سقطَ عنهُ حق السُّلطة بِلا جِدالٍ أَو خلافٍ.

بمعنى آخر فإِنَّ المُشرِّع ثبَّتَ حقيقةً واحدةً في غايةِ الأَهميَّة هي جَوهر السُّلطة وجَوهر كونَها حقٌّ من حقُوقِ من يستحقَّها، تلكَ هيَ [الإِنجاز] فهوَ الشرعيَّة أَولاً وأَخيراً، وهذا ما نراهُ معمُولٌ بهِ في النُّظم الديمقراطيَّة وفي البلادِ التي تحترم شعوبَها من خلالِ احترامِ الإِنجازِ أَوَّلاً.

والإِنجازُ يتحقَّق بشرطَينِ أَساسيَّين ذكرتهُما الآية الكريمة على لسانِ نبيَّ الله يوسُف (ع) بقَولهِ {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} وهُما الأَمانة التي مصدرها النَّزاهة والعلم والمعرِفة بمسؤُوليَّة السُّلطة التي مصدرها الخِبرة والقوَّة في الإِنجاز بأَدواتِها الشرعيَّة والقانونيَّة.

أَمَّا أَميرُ المُؤمنينَ (ع) فقد حدَّد شرعيَّة السُّلطة بإِنجازِ أَربعةِ أَهدافٍ إِستراتيجيَّة كما في عهدهُ للأَشتر النَّخعي عندما ولَّاهُ مِصرَ بقَولهِ {هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ فِي عَهْدِهِ إِلَيْهِ حِينَ وَلَّاهُ مِصْرَ جِبَايَةَ خَرَاجِهَا وَجِهَادَ عَدُوِّهَا وَاسْتِصْلَاحَ أَهْلِهَا وَعِمَارَةَ بِلَادِهَا}.

ولم يغفل المُشرِّع عن أَنَّ السُّلطة تكتسِب شرعيَّتها من طبيعةِ [العقد الإِجتماعي] الذي تتَّفق عليهِ الأُمَّة.

يقُولُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) {وَإِنَّمَا الشُّورَى لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُلٍ وَسَمَّوْهُ إِمَاماً كَانَ ذَلِكَ لِلَّهِ رِضًا فَإِنْ خَرَجَ عَنْ أَمْرِهِمْ خَارِجٌ بِطَعْنٍ أَوْ بِدْعَةٍ رَدُّوهُ إِلَى مَا خَرَجَ مِنْهُ فَإِنْ أَبَى قَاتَلُوهُ عَلَى اتِّبَاعِهِ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَوَلَّاهُ اللَّهُ مَا تَوَلَّى}.

وفي كلامٍ لهُ يُبيِّن سببَ طلبهِ للحُكم يقُولُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) {اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذِي كَانَ مِنَّا مُنَافَسَةً فِي سُلْطَانٍ وَلَا الْتِمَاسَ شَيْ‏ءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ وَلَكِنْ لِنَرِدَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ وَنُظْهِرَ الْإِصْلَاحَ فِي بِلَادِكَ فَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ وَتُقَامَ الْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ}.

السُّلطةُ، إِذن، حقٌّ وطلبُها حقٌّ ولكن ليسَ لكُلِّ أَحدٍ وإِنَّما هي لمَن يستحقَّها، وإِنَّ الإِستحقاق يتبيَّن من خلالِ القُدرةِ على إِنجازِ الأَهدافِ وحِمايتِها من العبث وإِلَّا فالرَّحيلُ عنها أَأمن لهُ وللبلادِ والعبادِ.

كما أَنَّها تسقطُ عن الفاشلِ الذي تَّمت تجرِبتهُ في السُّلطةِ فلا يحِقُّ لهُ أَن يطلُبها مرَّةً أُخرى فالرَّعيَّة ليست حقلَ تجارِب!.

أَمَّا إِذا سُلبَ حقُّ السُّلطة ممَّن يستحقَّها وأُزيحَ عنها واستُبدلَ بهِ مَن لا يستحقَّها فالنَّتيجةُ تكُونُ خراب البِلاد والعِباد.

ويكُونُ ذلك عندما يتمُّ التَّعامُل معَ السُّلطةِ وكأَنَّها مُلكٌ عضوضٌ وليست مسؤُوليَّةٌ وحقوقٌ وواجبات كما قالَ رَسُولُ الله (ص) لأَبي ذرٍّ {إِنَّها أَمانةٌ وإِنَّها يَومَ القِيامةِ خِزيٌ وندامةٌ، إِلَّا مَن أَخذَها بحقِّها وأَدَّى الذي عَليهِ فِيها}.

ولذلكَ نقرأ في زيارةِ عاشوُراء هذا النَّص المُهم {وَلَعَنَ اللهُ اُمَّةً دَفَعَتْكُمْ عَنْ مَقامِكُمْ وَاَزالَتْكُمْ عَنْ مَراتِبِكُمُ الَّتي رَتَّبَكُمُ اللهُ فيها}.

لِماذا؟!.

لأَنَّ الذي يجتهد بالعُنفِ والحيلةِ والتَّضليلِ والتَّزويرِ لإِزاحةِ مَن يستحقَّ السُّلطةِ عنها يُساهم في خرابِ البلادِ من خلالِ المُساهمةِ في ملءِ فراغ السُّلطةِ بالقتَلةِ والفاسِدينَ والفاشِلينَ.

وهذا ما يحصل عندنا اليَوم في البلادِ ولذلكَ خرَبت الأَرض ومَن عليها.

وإِنَّ واحدةً من الأَسباب هو أَنَّهم يتعاملُونَ مع السُّلطة كامتيازٍ وليسَ كمسؤُوليَّة شرعيَّة ووطنيَّة وأَخلاقيَّة، أَبداً.

وعندما رفضَ الحُسين السِّبط (ع) البَيعة لابنِ الطُّلَقاء الطَّاغية يزيد، لأَنَّهُ لم يشأ أَن يشتركَ في عمليَّة الدَّفع والإِزاحة الوارِدة في النصِّ أَعلاه، والعكس هو الصَّحيح فلقد أَرادَ أَن يفضحَ المُتستِّرين بالدِّين لتحقيقِ نظريَّة الدَّفع والإِزاحة الظَّالمة هذهِ لمَن يستحق السُّلطةِ.

اضف تعليق