تخلو البيوت من ساكنيها في اقصى الجنوب العراقي وتحديدا عند منطقة رأس البيشة مكان الانطلاق الأول للزائرين المتوجهين صوب مدينة كربلاء التي أصبحت مستودعا للكرامة والعزة والكبرياء، بعد ان شرفها سيد الشهداء بدمه ودم اهل بيته واصحابه الذين لقوا مصرعهم على رمضاءها.

الزحف المليوني يأخذ بالتصاعد واعداد الزائرين بالتزايد، حتى تنتشر عدوى المشي بين صفوف الأطفال والكهلة على حد سواء، اذ تجد في الطريق من انحنى ظهره وتكونت تجاعيد وجهه كمنحوتة تعود جذورها لآلاف السنين، وهو يمسك بيده طفل او طفلة كزهرة متفتحة مغموسة بأريج الصباح، تزرع البهجة في عيون الناضرين، هذا أقل ما يمكن ان نصف به السائرين الى الحسين صلوات الله عليه.

وهنا يمكن نطرح التساؤل الآتي، ماذا فعل الحسين حتى أصبحت قلوب المؤمنين تفد اليه بهذه الشاكلة؟، ما الذي يجعل الناس تحج اليه وتتبرك بالاقتراب من ضريحه الطاهر؟، ماذا وماذا حتى النهاية، ولا أحد يتمكن من الإجابة على واحدة من التساؤلات المطروحة، فهو سر اللهي لا يمكن ادراكه او الوصول الى قراره، فالحسين آية من آيات الله الواضحات ومعجزة من المعجزات.

فلم يشهد العالم من قبل حركة بأفواج من البشر تزور ضريح شخصية دفنت منذ أكثر من 1400 عام، اذ تستمر هذه الرحلة الروحانية لأكثر من أسبوعين، وهنا تبدأ القصة الكاملة لملحمة العطاء والوفاء، التي لا يحدها حد ولا يُحصيها عدد، فعلى مدار اليوم تقدم المواكب الحسينية والسرادقات المنصوبة على الطرقات خدمات مضاعفة ومتجددة، اذ يُقدمَ للوافد ما لا يخطر على البال ولا يمكن ان يصدق الا إذا تمت رؤيته، نعم فالجنون فنون كما يقولون والمؤمنون تجننوا بخدمة الحسين عليه السلام وضيافة زواره المستمرة.

على طوال الطريق الذي يتدفق فيه الحجيج الى كربلاء تجد ألوان الخدمة الحسينية، فالجميع يبذل كل شيء، مبيت وطعام، منام وقيام، إفطار وغداء ويلحقه العشاء، هكذا هي سلسلة التتابع الخدمي للزائرين الذين يحملون في قلوبهم حرارة لا تبرد ابدا.

ان ما يحصل في العراق من قبل أصحاب المواكب والمنازل يدخل يضمن لائحة الاعجاز، اذ تجد من لا يملك قوت يومه في الأيام الاعتيادية، لكنه لم يفكر بغلق بابه امام الزائرين، يقعدهم في قلبه قبل داره، ويشبعهم من فيض ترحابه قبل مائدته، وهنا يتجسد المعنى الحقيقي للعطاء، وتتبلور اشكالا أخرى للسخاء، ذلك السخاء الذي امتد من فكر اهل البيت عليهم السلام الذين ربوا اتباعهم على الكرم والشجاعة والمروءة وقول الحق.

في كل محطة استراحة يقصدها الزائرون يتصدى لمسؤولية تقديم الخدمة النساء قبل الرجال، والأطفال قبل الكبار، والقاصي قبل الداني، والمريض قبل المشافى، الفقير قبل الغني، جميعهم يحملون هما واحدا، وينشدون هدفا معلوما وهو اسعاد الزائر وخروجه راض عنهم وعن خدمتهم.

فاتباع اهل البيت عليهم السلام لا يتأثرون بعوزهم المادي، فهم اغنياء وكرماء ويجيدون كثيرا فن العطاء، وهكذا هو الحسين عليه السلام خرج لله بأعز ما يملك، اخرج ذخيرته المعنوية والبشرية، لم يستثن نساء ولا أطفالا، قدمهم قرابين الى الله، قتلا وتشريدا وسبيا، لم يدخر شيء إلا وقدمه في سبيل الدين القيم، حتى جاءت الساعة التي قدم فيها روحه وجسده للسيوف والرماح، وعظامه لحوافر الخيول وهنا هو سر ديمومة الخدامة وازديادها.

كل عمل تبدأ فيه تُصوب عينيك الى نقطة النهاية، وفي الغالب تتمنى الوصول اليها سريعا، الا ان هذا الشعور لم يخطر في اذهان العاشقين الذين بذلوا ويبذلون مهجهم دون الحسين، ويواصلون الخدمة حبا بزواره وإكراما لضيوفه، فأن اقتربت نهاية جادة الخدمة يتمنى الجميع بقاءها اطول وأكثر، فهم يريدون امتدادها كالمسيرة الحسينية التي لا تتوقف ولا تنتهي عند حد، بل هي مستمرة الى حيث يبعث الله الخليقة.

اضف تعليق