تقصد القلوب قبل الخطى، كالسيل العارم تهفو العيون صوب عشيق سرمدي، افئدة تهوي من كل فج عميق، لم يوقفهم ظرف ولم يعطلهم وباء او كرب لأن من قصدوه يستحق كل هذا الجهد والعناء والتضحية، اطفال ونساء وشيوخ، فئات عمرية وعلمية واصحاب مناصب ورتب، الكل هنا ينصهر في بوتقة المسير الى الحرية، عذراً هنا تلغى المسميات البشرية ويبقى الاسم زائر الحسين فهنيئاً لكل مخلص عارف بحق الحسين وحقيقته، وطوبى لمن فهم الحسين فكراً وعقيدة وعلم ومبدأ وليس لي ان اطيل أكثر لأنه الحسين وكفى.

زيارة الاربعين وبكل هذه الاعداد المليونية ليس تجمعاً عبثياً او تجمعاً حدث بمحض الصدفة بل هي ضمائر اجتمعت على اهداف وقيم دينية وتربوية ونفسية وحدتهم، هذه الخطى وتلك المشاهد والمشاعر وكل شيء في تلك المسيرة ما هي إلا استيعاب لأهداف ثورة الحسين التي تصب في محتويين ديني واجتماعي الخالدة، وهذين المبدأين المهمين مطبقين عبر الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ومواجهة الظلم والثأر لكرامة الإنسان والإنسانية، فقد ثار ابي الشهداء لإنقاذ بني البشر في زمانه من الظلم والذل وارساء قاعدة العيش بسلام ووحدة ووئام.

ارض العراق يحدوها الفخر كله بأنها احتضنت مرقد الامام الحسين وآل بيته الاخيار (سلم الله عليهم)، ولهذه الارض الفخر بأنها تشهد هذه المشاهد النموذجية في توحيد البشر نحو قضية واحدة وهتاف واحد وهدف إنساني واحد، وكأن الله سبحانه وتعالى يهدي جزء من الجنة الى ارض لتكون كربلاء، كل هذا الجمال هو نتاج ثورة الحسين (عليه السلام) وليس لهذه الثورة ان تستمر وتتجدد لولا وجود السيدة زينب (عليها السلام) ودورها والريادي الذي كان سببا في استمرار تلك الأهداف السامية لحفظ كرامة الإنسان ورفض الظلم ومقارعته بغض النظر عن النتائج والاثمان الدنيوية الرخيصة.

من الايجابيات في زيارة الاربعين انها تستقطب فئات الشباب وتعمل على تحريك طاقاتهم الإيجابية وتثوير أفكارهم، ولعلنا ذكرنا الشباب على اعتبار انهم ليس يسيرين الانقياد كباقي الفئات العمرية الاخرى، كما انها تسهم في التواصل الفكري الذي يبلغ اوجه في هذه الايام، اذا يلتقي الناس من كل حدب وصوب على حب الحسين واهل بيته الكرام (عليه وعليهم السلام).

ليس هذه الحسنات فحسب بل ان المسيرة المليونية تصبح ملهمة للصبر والجلد والمطاولة في ترسيخ قيم الإيثار والعزم والتحمل على الكثير من المواقف التي قد لا تحتمل في باقي ايام السنة، ولهذه المناسبة العظيمة دور في انعاش القيم المعرفية التي تتناغم مع هذه الشعيرة الأربعينية الخالدة وتوفر فرصة الالتقاء والمحصلة التواصل الجمعي الذي يبلغ اوجهُ في مركز أعصار الملحمة حتى تصبح فرصة ذهبية نادرة في التقاء الإنسانية بمختلف أصولها واتجاهاتها بل التقاء الحضارات العالمية.

الثقل والمشقة لم يتحمله الزائرين فحسب فخدمتهم ايضاً يتحملون الثقل الكبير لأنهم يتوجب عليهم الاستعداد الكاف لهذه المناسبة كونها اعظم مسيرة وتجمع ديني ينتظر العشاق في العراق وخارجه، وتنقسم هذه الاستعدادات ما بين تهيئة الأموال اللازمة والمخيمات أو الحسينيات والأغطية ومستلزمات الطبخ، وتهيئة أماكن استقبال الزوار ومبيتهم مع الأخذ بعين الاعتبار أن عدد الزائرين المتزايدة وطبيعة مناخ العراق المزعج كل هذا يدعوا الى التأهب العال الذي يلائم حجم الضيوف وخصوصيتهم.

من انعكاسات زيارة الاربعين انها تعزز التعايش والمحبة بين الناس ومن مختلف الاديان والتوجهات والانتماءات، وتشجيع التواصل الايجابي بينهم بالرغم من اختلاف الثقافات والافكار والميول الاجتماعية والمناطق الجغرافية، وتشعل في الانسان جذوة الثورة على الظلم وتدفعه لعدم الخضوع له والقبول به، فالأربعين مناسبة عظيمة لإظهار التنظيم الجيد لهذه الشعيرة الايمانية، تعزز المنهج الحسيني كقيمة وسلوك في نفس الانسان، هي مناسبة لنشر الفكر الاسلامي السليم وابرزه لمن يود الاستنارة.

في الختام نقول: ان مسيرة الاربعين تحمل طابع روحاني وهي تعزيز لسلوك معين أو تكرار لسلوك نافع وايجابي دعتهم اليه الفطرة، وفقنا الله واياكم لمافيه الرشاد.

اضف تعليق