مقدمة نورانية

ورد في رواية جليلة جميلة تشعُّ نوراً وتنشر ضياء، قالها رسول الله(ص) مرَّة لعمِّه العباس وأخرى لعبد الله بن مسعود حيث قال (ص) له: (إعلم أن الله خلقني وعلياً من نور قدرته قبل أن يخلق الخلق بألفي عام إذ لا تسبيح ولا تقديس، ففتق نوري فخلق منه السماوات والأرضين، وأنا والله أجلُّ من السماوات والأرضين.. وفتق نور علي بن أبي طالب فخلق منه العرش والكرسي، وعلي بن أبي طالب والله أفضل من العرش والكرسي.. وفتق نور الحسن فخلق منه اللوح والقلم والحسن والله أفضل من اللوح والقلم.. وفتق نور الحسين فخلق منه الجنان والحور العين والحسين والله أفضل من الحور العين.. ثم أظلمت المشارق والمغارب، فشكت الملائكة إلى الله تعالى أن يكشف عنهم تلك الظلمة، فتكلم الله جل جلاله كلمة فخلق منها روحا، ثم تكلم بكلمة فخلق من تلك الكلمة نورا، فأضاف النور إلى تلك الروح وأقامها مقام العرش فزهرت المشارق والمغارب، فهي فاطمة الزهراء ولذلك سميت الزهراء لان نورها زهرت به السماوات). (بحار الأنوار: المجلسي: ج ٤٠ ص٤٤)

فإلى أولئك الذين يبحثون عن الجنان والحور العين فهذا هو المنبع النوراني لذلك كله..

وإلى الذين يبحثون عن النور الإلهي في ظلمات الجهل هذا هو النور الرباني العظيم الذي خُلق منه المولى أبو عبد الله الحسين (ع)، الحجة الكبرى على أهل الدنيا في الدنيا، وسيد شباب أهل الجنة في الآخرة، فأين تبحثون ومَنْ تُريدون وها هو الإمام الحسين (ع) النور الذي حاول الظلم والطغيان الأموي دفنه في صحراء كربلاء، ولكن الأشقياء وتبعهم الأغبياء ما عرفوا أنه نور الله الذي يأبى على كل الطغاة والجبارين أن يدفنوه أو أن يمنعوه من الضياء وبعث النور في كل الأرجاء فهل يمكن لهؤلاء أن يخفوا الشمس بغربال؟

زين السماوات والأراضين

كما ورد في حديث شريف آخر عن رسول الإنسانية وفخرها وشرفها أنه كان في مجلسه المبارك كما يروي حفيده الإمام التاسع من آل محمد (ص) محمد بن علي الجواد (ع)، عن آبائه، عن الحسين بن علي (عليهم السلام) قال: دخلتُ على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعنده أُبي بن كعب، فقال لي رسول الله (ص): مرحباً بك يا أبا عبد الله يا زين السماوات والأرضين، فقال له أُبي: وكيف يكون يا رسول الله زين السماوات والأرض أحد غيرك؟ فقال: يا أُبي والذي بعثني بالحق نبيّاً إنّ الحسين بن علي في السماء أكبر منه في الأرض، فإنّه لمكتوب عن يمين عرش: مصباح هدى وسفينة نجاة وإمام غير وهن وعزّ وفخر وبحر علم وذخر..). (البحار: ج 36 ص205)

فالإمام الحسين (ع) بشهادة جده رسول الله (ص) الذي لا ينطق عن الهوى النفسي ويحب من تلقاء نفسه المباركة، بل كل ذلك بأمر من السماء، ووحي من جبارها، ولذا تراه يُعرِّفنا بهذا النور الرباني العظيم، الذي خُلق منه حفيده وسبطه، وما خُلق منه أيضاً لتعرف الأمة مكانة وعظمة هذا المخلوق المعظَّم، والإمام المكرَّم، ولكن هل عرفت هذه الأمة ذلك له؟

لا للأسف الشديد بل أطفأت نور الحياة فيه وأخذت رأسه الشريف إلى الظالم الطاغية يزيد، فأدخلها في ظُلمات ومتاهات لم تخرج منها إلى هذا اليوم ولكن شيعته ومحبيه الذي بذلوا الغالي والنفيس في سبيله، لأنه سبيل الله وطريق الحق والصراط المستقيم، وأعطوا كل ما لديهم في طريقه وفي المسير إليه لأنه النور الأبدي الذي يهديهم إلى الله سبحانه وتعالى.

المسير إلى الإمام الحسين (ع)

هو ليس مسير ككل مسير في هذه الحياة، بل هو مسير الكرامة، والحق، والتضحية، والبذل والعطاء بأجلى صوره، وأرقى معانيه، وأجمل تجلياته في هذه الحياة، فالطريق على كربلاء ليس ككل طريق بل طريق على السماء، ومسير على أجنحة الملائكة، والسائر على تلك الطريق هو يسير إلى حيث الضياء في السماء، والنور الأجمل في كل الأرجاء.

ولذا ترى في الطريق إلى كربلاء، والمسير إلى حيث تلك القبة النوراء، فيه الجميع يسيرون جنباً إلى جنب، أخوة، واحتراماً وخدمة وعطاء دون تمييز ولا منٍّ ولا أي إشكال يحدث معهم لأنهم يعرفون أن المسير إلى النور له آدابه وأخلاقه الراقية فالكل يتخلَّق بأخلاق الزيارة، ويتقيد بقيود الأدب الحسيني، والسجادي، والزينبي، والباقري، فهؤلاء الكرام الذين علموا الأمة الإسلامية والإنسانية كيف تسير إلى الحسين (ع) بقلوب منفتحة على الله، وعين تبحث عن الشمس، وأفئدة تطلب النور والبصيرة في ذلك كله.

فمَنْ يسير في الأربعين يسير بخطَّة السماء المرسومة، ومنهجية الأنبياء الواضحة، ويتخلَّق بأخلاق القرآن الكاملة، وليس كل مَنْ سار على الدَّرب وصل، كما يُقال في المثل، ولكن إذا سار على الطريق الصحيح بمعرفة الهدف والاتجاه واستنار بالنور الحسيني فإنه يصل ويكون كالفراش الذي عندما يصل إلى النور يدور حوله حتى يقع فيه ويفنى بذاك النور الإلهي العظيم.

طريق كربلاء اللاحب

كانت كربلاء منطقة في صحراء، وعندما نزلها الإمام الحسين (ع) وأصحابه وثقله تحولت إلى منطقة مقدسة عندما داستها تلك القدام المباركة الطيبة، ولكن عندما شربت تلك الدماء الزكية تحولت إلى جنَّة من جنان الله في هذه الكرة الترابية، وتفوَّقت حتى على مكة المكرمة، والبيت العتيق الذي تشرَّف بمولد والده أمير المؤمنين (ع) فيه إلا أن الأمير خرج إلى الحياة، ولكن ولده الإمام الحسين (ع) خرج إلى الموت، لأن الحسين (ع) قربان الله في هذه الأرض.

ويكفينا ما رواه ابن قولويه في كامل الزيارات، بسنده، قال علي بن الحسين (عليه السلام): (اتخذ الله أرض كربلاء حرماً آمناً مباركاً قبل أن يخلق الله أرض الكعبة ويتخذها حرماً آمناً بأربعة وعشرين ألف عام، وأنّه إذا زلزل الله تبارك وتعالى الأرض وسيّرها، رُفعت كما هي بتربتها نورانية صافية، فجُعلت في أفضل روضة من رياض الجنة، وأفضل مسكن في الجنة لا يسكنها إلّا النبيون والمرسلون ـ أو قال: أُولو العزم من الرسل ـ وأنّها لتُزهر بين رياض الجنة، كما يُزهر الكوكب الدرّيُ بين الكواكب لأهل الأرض، يغشي نورها أبصار أهل الجنة جميعاً وهي تنادي: أنا أرض الله المقدّسة الطيبة المباركة، التي تضمنت سيّد الشهداء، وسيّد شباب أهل الجنة).

في رواية أخرى أكثر تفصيلاً، وأشد وقعاً، فعن أبي عبد الله الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: (إنّ أرض الكعبة قالت: مَن مثلي وقد بُني بيت الله على ظهري، ويأتيني الناس من كلِّ فج عميق، وجُعلت حرم الله وأمنه؟ فأوحى الله إليها: أن كفّي وقرّي، فو عزتي وجلالي، ما فضلُ ما فُضِّلتِ به، فما أعطيتُ به أرض كربلاء إلّا بمنزلة الإبرة غُمست في البحر فحملت من ماء البحر، ولولا تربة كربلاء ما فضَّلتك، ولولا ما تضمَّنته أرض كربلاء ما خلقتك، ولا خلقتُ البيت الذي افتخرت به، فقرّي واستقرّي وكوني ذَنباً متواضعاً ذليلاً مهيناً، غير مستنكف ولا مستكبر لأرض كربلاء، وإلّا سخت بك وهويت بك في نار جهنم).

فكربلاء شرف الأرض وفخرها، وهذه الرواية شارحة وموضحة للحديث القدسي المشهور حيث يقول الرب سبحانه وتعالى: (يا أحمد لولاك لما خلقتُ الأفلاك، ولولا عليٌّ لما خلقتك، ولولا فاطمة لما خلقتكما)، ويُعلق سماحة الإمام الراحل السيد محمد الشيرازي (رحمه الله) بقوله: " وعلى هذا الأساس يكون خلق النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) هو سبب خلق هذا الكون، وأنه أول ما خلق الله هو النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليهم السلام) ومن ثم خلق الله سبحانه وتعالى هذا الكون بأجمعه من نورهم، فهم العلة الغائية للتكوين كما يعبر عنه الحكماء، وفي حديث الكساء: (إني ما خلقت سماءً مبنية ولا أرضاً مدحية ولا قمراً منيراً وشمساً مضيئة ولا فلكاً يدور ولا بحراً يجري ولا فلكاً يسري إلا في محبة هؤلاء الخمسة).

مسير النور في الديجور

فمسيرة الأربعين في هذا الزمن، وفي عصر الحضارة الرقمية الظالمة المظلمة هي مسيرة النور في هذا الظلام وهذا الديجور الذي نشرته القوى الطاغية والحكومات الباغية على ربوع الأرض وراحت الشعوب والأمم تئنُّ منه وتضجُّ إلى الله بالضراعة والدعاء للخلاص من هؤلاء الأرجاس، ولم يجدوا ولن يجدوا إلا طريق كربلاء اللاحب (العريض الواسع)، وسفينة الإمام الحسين (ع) الواسعة في أمواج هذه البحور من الفتن المتلاطمة.

فالعالم والشعوب بكل أطيافها ومشاربها راحت تبحث عن الحسين (ع) وتسير إليه حباً، وعشقاً لأنه النور المتألق في سماء هذه الأرض المظلمة، والمسير إلى كربلاء يعني المسير إلى العزة والكرامة والإنسانية بنور الحق والحقيقة والتضحية الحسينية، فما أحوج العالم إلى الإمام الحسين (ع) في هذا الزمن الذي تغطرست فيه قوى الشر والظلم وتعملقت فيه المادة على حساب الروح.

في الحقيقة كلما ازداد الظلم وقتم الظلام والجور في هذه الدنيا فإن الناس ستضج وتبحث عن الإمام الحسين (ع) الذي اختصر كل القيم والفضائل في هذه الحياة، وأعداءه جمعوا كل قيم الشر والرذيلة والشيطان، والفطرة السليمة، والعقل البشري يرفض الظلم والجور والشر ويبحث عن ذلك القائد الذي يرفع عنه نير الظلم والطغيان ولن يجد كالإمام الحسين (ع) في نهضته.

والله سبحانه خلق هذه الحياة بالحق والعدل والميزان وأمر البشر أن يقوموا بالقسط الاجتماعي، قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحديد: 25)، فالقوة مطلوبة ولكن بالحق، والحكم لا بد منه ولكن ليحكم بالعدل، والمجتمع البشري لا يقيمه إلا القسط، ونهضة الإمام الحسين (ع) اختصر ذلك كله ولذا تراه محبوباً ومرغوباً ومطلوباً من جمع البشر لا سيما المستضعفين الباحثين عن العدل والقسط والنور في ظلمات هذه الدنيا الدنية، والإمام الحسين (ع) هو رافع راية العدالة الإنسانية.

اضف تعليق