انفجرت ثورات جماهيرية عارمة في العالم بوجه الظلم والحرمان تحت شعارات؛ المطالبة بالخبز، والمطالبة بالمساواة، والمطالبة بالحرية، فقد خرج العمال والفلاحين والجياع الى الشوارع تهدر حناجرهم بشعارات منددة بالشريحة المستأثرة بالحكم والثروة، ولكن! بعد هزيمة هذه الشريحة أمام تلك الشعارات اللاهبة، وانتصار المتظاهرين، وجدنا أن أول الخاسرين في هذا التحول؛ نفس أولئك المتظاهرين اصحاب الحقوق السليبة، فقد قُتل الملايين من ابناء "ثورة اكتوبر" الذين أطاحوا بالنظام القيصري الجائر في روسيا، على يد أحد قادة هذه الثورة (ستالين). وفي فرنسا شهدت المقصلة التي ضربت رقاب رموز الملكية، ضرب رقاب رموز الثورة الفرنسية ايضاً مثل؛ دانتون وديمولان، بل وحتى القائد الثوري الذي أطاح برؤوس المئات من المعارضين للثورة (روبسبير) الذي أقتيد على المقصلة هو الآخر.

هذا ما حصل في البلاد التي تعد نفسها متحضرة تستمد افكارها من منظرين وفلاسفة حكّموا عقولهم بكثير من الاعتداد، أما ما حصل في بلادنا طيلة القرن الماضي من انقلابات وثورات بنفس الشعارات، فلا نستغرق فيه حتى لا نتبعد بالقارئ الكريم عن حديثنا الاساس عن المطالبة بالحق والحقوق في مدرسة الامام الحسين، عليه السلام، والمتجسدة في واقعة عاشوراء، فقد أعلنها عاليةً قبل انطلاق موكبه الضخم باتجاه أرض العراق، بأنه لا يطالب بحقه الخاصّ كإمام معصوم ومفترض الطاعة ليكون هو الخليفة والحاكم، إنما يطالب بحق الجميع في الإصلاح والتغيير الحقيقي؛ "الإصلاح في أمة جدّي"، وهو الإصلاح الذي يعلم أنه مقتول دونه لا محالة، فلم يتوان لحظة واحدة عن التضحية بنفسه وبأعزّ من حوله، بل حتى سلّم للتقدير الإلهي بأن تكون عائلته، وهي أكرم وأعزّ وأعظم عائلة على وجه الأرض آنذاك، سبيّة وأسيرة بيد يدي أشقى وأحقر من عرفهم التاريخ.

ومسيرة المشاة لزيارة الامام الحسين يوم الاربعين تمثل أروع وأضخم تظاهرة جماهيرية عفوية في العالم، لم ينظمها ولا يدفعها شيء سوى الاقتداء بالامام الحسين ونهضته المدوية، وجميع السائرين في هذه التظاهرة يوحدون شعاراتهم الحسينية في "هيهات منّا الذلّة"، و"لبيك ياحسين"، وغيرها من الشعارات المعبرة عن المشاعر والحقوق الجماعية ليس لشعب بعينه، وإنما للأمة جمعاء.

و ربما تكون لهذه التظاهرة الحسينية آثاراً تستمر مع الأيام لتُلهم كل التظاهرات المطلبية لدعاة الإصلاح والتغيير في واقعهم السيئ، عندما تكون المطالبة بالحقوق للجميع دون استثناء، حتى من لم يشارك بالتظاهرة وظل جليس داره، وفضّل الابتعاد عما يصفه البعض بـ"المشاكل"، فقد طالب الامام الحسين، عليه السلام، بحقوق جميع افراد الأمة، وعلى مر الأجيال، حتى بلغ الأمر بهذا المبدأ الانساني مداه ليصل الى عمق الضمير المسيحي والصابئي والهندوسي وسائر المنتمين الى أديان وطوائف مختلفة، عندما وجدوا في هذا المبدأ ما يستنهض الضمائر والعقول ويدعو لحركة جماعية شاملة لاستعادة الحقوق المضيعة.

وهذا يفسّر طريقة تفكير الزائرين مشياً على الاقدام صوب كربلاء، عندما يتسابق الكثير منهم لتقديم الخدمة لسائر الزائرين المشاة، متناسياً همومه ومطالباته في العمل والسكن والوظيفة، بل وينظر اصحاب المواكب الخدمية على الطريق الطويل المؤدي الى كربلاء المقدسة أنهم يؤدون واجباً أمام الزائرين، وربما يشعرون بنوع من التقصير في حقهم.

اليوم حقوق الكثير من الشرائح مهدورة في الأمة، بدءاً من الطفل، ثم الشباب، والمرأة، والكادح، والفقير، والعالم، وحتى التاجر والمستثمر الذي يروم الإسهام في تطوير اقتصاد بلده، فاذا كانت ثمة مطالبة بحق ما، يتعين النظر الى سائر الشرائح ذات الحقوق ايضاً. فعندما نطالب بحقوق الطفل، علينا النظر الى حقوق الأبوين، وعندما نطالب بحقوق الشباب علينا النظر الى حقوق سائر افراد المجتمع، حتى الفقراء، لم تُنتهك حقوقهم إلا بضبابية الحقوق لاصحاب الرساميل والاستثمارات، فبدلاً من ان تُسهم الايرادات من التصدير والتجارة لخفض مستوى الفقر، نرى النشاط التجاري والاقتصادي عاملاً في زيادة نسبة الفقر، مقابل ارتفاع حجم الثراء واستفحال شريحة الاغنياء في المجتمع والدولة.

اضف تعليق