في كل عام يشكلون خطا غامقا ذو حركة رتيبة متجهين صوب كعبة الاحرار ومنهج الثوار كربلاء المقدسة، نعم انهم زوار الحسين الذين يحثون الخطى صوب ضريحه الطاهر بذكرى اربعينيته المليونية، فهذا التوافد الآسر يُعلم الآخرين انماطا جديدة من الوفاء، ويريهم صورا مختلفة للولاء، ذلك لان نهضة سيد الشهداء بقيت خالدة متجذرة في قلوب المؤمنين بمشارق الأرض ومغاربها.

هنالك سر كبير يقف وراء توجه هذه الجموع المليونية الى كربلاء في العشرين من صفر الخير، ولعل السر هو عمق الثورة الحسينية ومدى ملامستها لهموم الحائرين، وقدرتها على تغيير الواقع المرير الذي سعى سيد الشهداء عليه السلام الى استبداله وتبديد قوى الشر والظلام التي اطبقت على مفاصل المجتمع ومنعته من النهوض والتقدم في مجال حقوق الانسان تحديدا.

اذ يمكن ان نصف مشهد الزائرين بأنه واحد من أجمل المشاهد التي تحمل روح الثائرين والمضحين من اجل الحق واصحابه، فزيارة الأربعين التي تتكرر في كل عام وكأنها المنعش للمؤمنين الذين يريدون البقاء على جادة النقاء، فهي الممارسة التي تعكس الصورة المشرقة والمشرفة، لأنصار القضية الحسينية المتوهجة، والتي تختلف مع الثورات الأخرى المندثرة، بل التي ماتت افكارها بينما هي تبث الى يومنا هذا مبادئ الدين الإسلامي الحنيف وستبقى كذلك.

وانت تطالع الملايين الزاحفة مشيا على الاقدام صوب كربلاء، متحملين تقلبات الظروف الجوية وقسوتها، من حر وبرد وامطار، لكنهم مصرين على مواصلة البيعة لملهمهم وقائدهم الامام الحسين سلام الله عليه، فهذه المواصلة تعني ان السائرين يحملون في قلوبهم الايمان بنصرة الحق وتلبية لنداء الإنسانية الذي دوى في كربلاء ظهيرة العاشر من المحرم.

فالمشاركة بمسيرة الأربعين يعني الانضمام الى جيش المطالبة بالحقوق ونصرتها، فالهدف الأسمى من الزيارة والجري على الاقدام، هو امتداد الوقوف بوجه الظلم والاضطهاد، لان ثورة الأمام الحسين عليه السلام مستمرة امد الدهور من حيث المضمون والنتائج ولا يمكن اختزالها بفترة زمنية محددة، طالما يوجد من يقول للظلم كلا، فان الحسين يمشي في عروق القائلين، فهي الثورة التي أصبحت منطلقا لجميع ثورات التحرر في العالم.

فالمواكبة على السير الى كربلاء تعني ان السائرين لا تزال عروقهم تمتلئ برفض الظلم، وتعبر عن مدى الاستعداد المتواصل لنصرة كلمة الله التي أراد ترسيخها اهل البيت عليهم السلام في الإنسان على اختلاف مشاربه، وهذا ما يؤكد ان الامام الحسين عليه السلام هو منهج وقواعد حياة لا يمكن تجاهلها لمن يريد ان يعيش بحرية وكرامة.

زيارة الأربعين هي رجع صدى أصوات الثائرين، لغرض تحطيم العروش الواهية والقصور البالية، فهي المعول الذي دك حصينة الظُلّام، ومنع تناميها بين الانام، فدبيب اقدام الزائرين المعزين، يقابله صليل سيوف المدافعين عن العرض والكرامة والدين مع الحسين، نعم السائرون الى كربلاء اليوم، كمن وقف الى جانب السبط الغريب ذلك اليوم، حين قلّت حيلته وكُسر ظهره، فلا فارق ولا انفصال بينهم سوى الزمان الذي افتخر بتسجيل أسمائهم على صفاحته المشرقة.

رفرفة الراية بيد حاملها المتوجه الى كربلاء، يعني استمرار الجهاد والدفاع عن المبادئ التي جرت لأجلها واقعة كربلاء، فهذه الراية هي ملهم العاشقين الذين يتوقون لرؤية شعاع النور المنبثق من كربلاء الى العالم، موشحا الأرض بنور الهداية، ومطرز السماء بدماء الأقمار المذبوحة، فهؤلاء السائرون تعلموا من الحسين كيف يموت الانسان بشرف بعيدا عن الذلة.

اضف تعليق