تغلغلت معركة الطف في وجدان وتاريخ الشعوب الاسلامية وغير الاسلامية، لإرسائها قاعدة البناء الانساني والاخلاقي الذي ارسل من اجله خاتم الانبياء، ومنهج اصلاحي تقويمي وطريق حق واضح المعالم، والمثل الأعلى لبسالة وصبر قائدها وقوة ايمانه وثبات كلمته وعدم مبالاته بالموت من اجل أعلاء الفكر المحمدي، فذهلت العقول وبقى هذا الذكر خالدا على مر العصور، متجاوزا حدود الزمان والمكان واللغة والثقافات والدين.

ان يخير الانسان بين القبول بالعيش الرغيد والحياة المرفهة المؤقتة او مواجهة الموت من اجل مبدأ وكلمة، يحتار ويفكر ويتردد الكثيرين ولعل القبول اختياره الاقرب، ولكن الحسين ابن صاحب اللواء علي ابن ابي طالب (عليه السلام) وحفيد خاتم الأنبياء، لم يكن الامر عليه صعب ورفض شامخا قائلا: "لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقر لكم إقرار العبيد ثم نادى: يا عباد الله إني عذت بربي وربكم أن ترجمون، وأعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب".

اجتماع الايمان والثبات والشجاعة والعظمة في موقف سيد الشهداء الهم ملايين الناس ووقفوا اجلالا واكراما، استولدت وعيا جماهيريا بأهمية كلمة الحق وعطايا الله للصابرين، والفرق بين ثمار رفض الظلم وذكر ابطال التاريخ وتكاليف الخنوع والخضوع.

انه ارثا فكريا ثقافيا لا ينضب ولا يخبو، تجسدت فيه معانٍ كثيرة، وألهمت أعمالاً فنية على مرّ قرون، أذ اعاد الرسام بلوحته الفنية مشاهد الحزن والألم، بعد ان ذهب الرسام بعمق وأناة إلى هذه الملحة وهو على استعداد للإنصات إلى أعماق الحزن والجراح والظلم، ليدون التاريخ ويوثق مأساة عاشوراء بريشته وابداعه. وتنطلق روحه هائمة متمسكة بالمسؤولية الإنسانية الحسينية.

ليختار الرسام احد زوايا المشاهد المؤلمة ويسلط الضوء عليه، ليخلد اعظم صراعات الخير والشر والايمان والكفر والبطولة والخنوع، فيشعر الرائي بقوة الالم والمحنة والحزن والصمود وتثار تساؤلاته حول الملحمة.

يقول احد الفنانين التشكيليين "ان فكرة رسم لوحة لواقعة الطف راودتني من عشرة سنوات إلا أن عظمة الواقعة جعلتني أمام مسؤولية كبيرة في أن أباشر بهذا العمل، ثم بدأته وأنهيته بعد شهرين متتالين من العمل الجاد".

وعلى اختلاف الرسامين من جميع بقاع العالم ابدع الجميع في بلورة الملحمة، وما سطرته من معاني ورسموا آثارا الوانها مشبعة بالرموز والتصوير والاحداث والطقوس والصراع الانساني ونضاله، وتحمل مواجع تأسرنا وتحاصرنا بالالم والحزن، وتقشعر لها الابدان.

لوحات زيتية فنية رائعة تستقي موضوعها مأساة انسانية، واخذت عدة جوانب بانامل المحب والمنبهر والمتأثر من الرسامين ووثقوا الملحمة الأسطورية.

نذكر ظهور أول عمل فني عاشورائي محفوظ في متحف موسكو، التي نقشها الراهب المسيحي لرأس الامام الحسين(ع) اثناء مسيرة السبايا من كربلاء الى الشام، حين طلب الراهب ايداعه الرأس الشريف داخل الدير للتبرك به.

ان مقاربة الرسامين لشخصيات الأئمة وعاشوراء، اصبحت اشهر الاعمال الفنية التي جسدت مشاهد متعددة من واقعة الطف وعرضت في المتاحف العالمية والعربية ورسمت بريشة رسامين مبدعين ترك اثرا في ذهن الرائي، ونسجت صورة واقعية كان منها: (لوحة عصر عاشوراء، دماء روت رمضاء كربلاء، غريب الكوفة، الطريق الى كربلاء، مقام رأس الحسين (عليه السلام)، ملحمة السماء، اقتحم المنايا مزمجرا، النادبات)، هذه اللوحات وغيرها الكثير سجلت ودونت مشاهد مختلفة صورت السيوف والرماح والخناجر ودماء الطاهرين السائلة ونزيف الحق والعدل في ساحة الأحداث.

ذكرى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) واهل بيته وصحابته في ارض الطفوف في اليوم العاشر من شهر محرم الحرام قبل أكثر من 14 قرنا، ملحمة خالدة يخلدها الانسان الذي يعلم ماهي قيمة الثبات على كلمة الحق والمطالبة بالعدل ويشعر اتجاهها بالمسؤولية الانسانية، ليخلدها بالقلم والريشة والقول والفعل.

اضف تعليق