لا يمكن حصر الاستفادة من دروس عاشوراء التي قدمها الامام الحسين (عليه السلام) الى الإنسانية بمسيرته الخالدة نحو طريق الحق والإصلاح، وما حاول وجاهد في سبيله، حتى الرمق الأخير من حياته، من اجل إعادة احياء الحق والفضيلة وتكريس القيم والمثل العليا بين الناس، واماتة الباطل والمنكر ومحاربة البدع والانحراف والرذيلة التي حاول المفسدون نشرها، لذلك وصفت معركة الطف على انها الفاصل بين الحق والباطل او الصراع بين الخير والشر، كما أصبحت رمزية عاشوراء في ضمير الإنسانية كبوصلة تهدي القلوب والعقول الى طريق الحق والحرية والخير والوعي والكرامة".

ولعل اهم ما يمكن الاستفادة منه في هذا المجال هو ما سعى اليه الامام الحسين (عليه السلام) في إعادة التأسيس والتركيز للقيم والمثل العليا في وعي الامة بعد ان حاول الأشرار والمستبدون محو كل القيم الخيرة والمثل العليا التي ترقى بها الأمم واستبدالها برذائل الاستعباد والاستبداد والظلم والجور والاذلال، وفي هذا المجال يقول الامام الشيرازي (رحمه الله): "لقد كان استشهاد الامام ابي عبد الله الحسين (عليه السلام) من اجل احياء الحرية التي ماتت على ايدي بني امية، بالتالي، علينا ان نجعل من كربلاء مناسبة لإحياء القوانين الإسلامية والعمل بها، واحترام حرية الانسان وكرامته، ونشر الثقافة الصحيحة في أوساط الامة والارتقاء بوعيها، فان الامام الحسين قتل من اجل احياء الإسلام وقوانينه العادلة، واريق دمه من اجل الانسان".

وفي التفاته جميلة للتفريق بين الفهم والتطبيق يضيف السيد الشيرازي بقوله: "كما ينبغي ان نتعلم من كربلاء كيف نحيي الحريات، ونزيل المفاسد السياسية والاجتماعية، والا فان الشخص الذي يكتفي فقط بالشعائر المقدسة المعروفة، ولا يعمل ببقية قيم عاشوراء، مثله كمثل المريض الذي يقرأ وصفة الطبيب ولا يعمل الا ببعضها، وبذلك فانه لا ينتفع بالشكل المطلوب".

كما ينبغي ان نعرف حقيقة ان الامام الحسين (عليه السلام) في خروجه لتكريس هذه القيم الإنسانية انما مثل الامتداد الطبيعي لمن سبقه من الإباء والاجداد في طلب الإصلاح والوقوف بوجه الباطل والمنكر، فقد قال الامام الحسين (عليه السلام): "إني لم اخرج اشرا ولا بطرا، ولا مفسدا ولا ظالما، وانما خرجت لطلب الإصلاح في امة جدي (صلى الله عليه واله)، اريد ان امر بالمعروف وأنهى عن المنكر، واسير بسيرة جدي (صلى الله عليه واله) وابي علي بن ابي طالب (عليه السلام)"، بل ان من سبقه كانوا من الممهدين لثورة الامام الحسين (عليه السلام) الإصلاحية: "الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله) والامام امير المؤمنين والامام الحسن (عليهم السلام) جاهدوا من اجل تطبيق هذه المفاهيم وتركيزها في المجتمع، وسار على خطاهم الامام الحسين (عليه السلام) في ثورته المباركة"، وكان الهدف الأساس من وراء هذا الخروج هو حفظ الانسان وصون كرامته: يقول (عليه السلام): "اللهم إنك تعلم انه لم يكن ما كان منا تنافسا في سلطان، ولا التماسا في فضول الحطام، ولكن لنرى المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك، ويامن المظلومون من عبادك، ويعمل بفرائضك وسننك واحكامك...".

ولو عكسنا قيم عاشوراء ودروسها التي قدمها الامام الحسين واهل بيته واصحابه في أيام الطف الخالدة، على الواقع الذي يعيشه المجتمع الإسلامي او العالمي، لوجدنا الفرق الكبير بين ما حاول الامام الحسين (عليه السلام) ايصاله الى الانسان (بغض النظر عن هويته الدينية او القومية او المذهبية) وبين الواقع الذي نعيشه اليوم، فقد حارب الامام الحسين (عليه السلام) من اجل:

1. ان يتحرر الانسان من العبودية ويعيش حرا كريما كما خلقه الله (عز وجل) بلا قيود او تبعية او انقياد.

2. ان يتحلى الانسان بالقيم والمثل العليا ويرتكز على الايمان والفضائل والأخلاق في حياته.

3. الرفض المطلق لكل اشكال الظلم والجور والدفاع عن الحق والعدالة مهما كانت الضريبة التي ينبغي ان يدفعها الانسان في سبيل هذا الطريق.

4. حماية الانسان وتوفير امنه واسعاده وتوفير سبل التكافل الاجتماعي والحياة الكريمة لكل الناس، فالاهتمام بالإنسان كان محور نهضة الامام الحسين (عليه السلام) المباركة.

5. العودة الى الإسلام، بمعناها العودة الى القيم والفضائل والمثل الإسلامية الحقه التي غابت وحاول طمسها الحكام الظالمون ممن وصلوا الى السلطة.

لذلك كان لزاما على الجميع الاستفادة من دروس عاشوراء وما تحويه من كنوز أخلاقية وقيمية عالية المضمون وغنية بالمحتوى، وهو ما حث عليه السيد الشيرازي بقوله: "يلزم الاستفادة من ذكرى عاشوراء لتركيز الايمان والفضيلة والتقوى والمثل الأخلاقية الرفيعة في المسلمين، وتوسعة دائرتها"، اما عن كيفية الاستفادة من أيام عاشوراء فيرى الامام الشيرازي (انه: "من الضروري ان يجعل هذا الموسم منطلقا للإرشاد والتبليغ ونشر احكام الله وتعاليم الرسول (صلى الله عليه واله) الداعية الى الحياة الطيبة، عبر تطبيق الشورى، وإطلاق الحريات الإسلامية، والأمة الواحدة، والاخوة الإسلامية، والسلام، وعبر تطبيق الامر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وفي سبيل تطبيق هذا الامر يضرب الامام الشيرازي مثالين اثنين في سبيل تقريب الصورة الى الاذهان في كيفية التفاعل مع هذا الحدث المهم والاستفادة منه بالطرق الحضارية والواقعية:

المثال الأول/ "إذا فرضنا ان مليون مجلس حسيني –على الأقل- يعقد في شهر محرم وصفر في كل البلاد الإسلامية وغير الإسلامية، وتكفلت الهيئة الإدارية لكل مجلس بطبع كتاب تثقيفي أخلاقي او عقائدي او ما اشبه، وتوزيعه مجانا".

المثال الثاني/ "إذا فرضنا ان كل مؤسسة اهتمت بان تجعل لها امتدادا في المناطق الأخرى، بان تؤسس حسينية او مسجدا او تعقد مجلسا حسينيا او تقوم بإنشاء مركز في المناطق الأخرى قريبة كانت ام بعيدة، فمعنى ذلك اسهام الهيئة الإدارية في توعية الناس وارشادهم وهدايتهم، وتخفيف الامهم ومعاناتهم من المشاكل العالقة بهم".

والخلاصة ان الامام الحسين (عليه السلام) ومن قبله أخيه وابيه (عليهم السلام) وجده رسول الله (صلى الله عليه واله) عندما نهجوا طريق الحق والإصلاح لم يكن هدفهم الحصول على المكاسب المادية (التي لو ارادوها لنالوها بطرق أخرى) وانما هدفهم المغانم المعنوية في طريق تكامل الانسان ونيله لحقوقه وكرامته وانسانيته المسلوبة ومنع استعباده واذلاله باي طريقه او صورة كانت، وقد عملوا لتحقيق هذا الهدف والوقوف بوجه السلطة الحاكمة وما تملكه من آلة عسكرية وإعلامية واسعة، وجهد بشري ومادي كبير، رغم ضعف الإمكانات وقلة العدد، لكن في نهاية المطاف انتصرت كلمة الحق على الباطل، وانهزمت جيوش واموال وجبروت الشر والرذيلة بوجه المثل والقيم والفضائل التي رفعها الامام الحسين (عليه السلام) ونادى بها في يوم عاشوراء.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2021
http://shrsc.com

اضف تعليق