كم كانَ واثقاً من نفسهِ [الحُسينُ السِّبط (ع)] عندما دعا النَّاسَ للِّحاقِ بنهضتهِ قائلاً لهُم {ولكُم فيَّ أُسوَةٌ}؟!.

كم كانَ واثقاً بربِّهِ ودينهِ وقِيَمهِ ومَنهجهِ ونِهايتهِ واستقامَتهِ عندما قالَ للنَّاسِ أَنَّهُ أُسوتَهُم وقُدوتَهُم في هذهِ النَّهضة؟!.

فهذهِ لم يقُلها إِلَّا القُرآن الكريم بحقِّ رسولِ الله (ص) عندما وصفهُ للنَّاسِ بقولهِ {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}.

فليسَ أُسوةً مَن ينقلِبُ ويتقلَّبُ عندَ البلاءِ أَو أَمامَ المطامعِ والمصالحِ {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}.

ومِن صفاتِ الشَّاكرين الثَّبات الذي يصنعُ منهُم أُسوةً.

هل يستطيعُ أَيَّ أَحدٍ أَن يدَّعي أَنَّهُ أُسوةً للنَّاسِ إِلَّا إِذا كانَ مُتمسِّكاً بنهجِ وسيرةِ ومدرسةِ رسولِ الله (ص) وأَهلِ بيتهِ (ع).

أَمَّا ما سِواهُم فإِذا قالُوها للنَّاسِ فهُم يكذِبُونَ، كيفَ ذلكَ؟!.

- إِنَّ الأُسوةَ يجب أَن يكونَ مُنسجماً في قولهِ وعملهِ، كالحُسينِ السِّبطِ (ع) الذي لم يتناقض في حرفٍ قالهٌ [رسالةً أَو خطاباً] مع سيرتهِ ومسيرتهِ وسلوكهِ، منذُ لحظةِ رفضهِ البَيعة للطَّاغية يزيد بن مُعاوية وحتَّى استشهادهِ في كربلاء.

ليسَ في البُعد المعنوي والرُّوحي والقِيَمي فقط، وإِنَّما في البُعدِ المادِّي كذلكَ، ولهذا قالَ لهُم [نفسي معَ أَنفُسِكُم وأَهلي معَ أَهليكُم] بِلا تمييزٍ أَو فارقٍ من أَيِّ نَوعٍ.

- والأُسوةُ يَكُونُ مُستقيماً لا يتقلَّبُ ولا يتناقضُ ولا يُبدِّلُ حسبَ الظُّروف والمصالح الآنيَّة.

يقترِبُ إِلى الله تعالى كحمامةِ المسجدِ وإِلى النَّاسِ إِذا كانَ خارج السُّلطةِ، ويُخاطِبُ القرآن الكريم بقَولهِ [هذا فِراقٌ بيني وبينِكَ] إِذا جاءتهُ السُّلطةِ!.

أَمَّا الأُسوة فإِنَّهُ يتميَّز باستقامةٍ قلَّ نظيرها.

يقولُ تعالى {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}.

العبرةُ ليسَ في قولِ {رَبُّنَا اللَّهُ} فكلُّ النَّاسِ رُبما يقولُونَ ذلكَ، وإِنَّما العِبرَةُ في الإِستقامةِ بعدَ هذا القَول وما يتطلَّب من التزاماتٍ وصبرٍ وتحمُّلٍ واستمراريَّةٍ!.

- والأُسوة لا يدعو النَّاسَ إِلى خَيرٍ قبلَ أَن يسبقهُم إِليهِ، ولا ينهاهُم عن باطلٍ قبلَ أَن ينتهي بنفسهِ عنهُ.

يقولُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) {أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي وَاللَّهِ مَا أَحُثُّكُمْ عَلَى طَاعَةٍ إِلَّا وَأَسْبِقُكُمْ إِلَيْهَا وَلَا أَنْهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَةٍ إِلَّا وَأَتَنَاهَى قَبْلَكُمْ عَنْهَا}.

تُرى؛ مَن مِن السياسيِّين اليَوم لا يدعُو إِلى الإِصلاح والتَّغيير؟! مَن مِنهُم لا يدعو إِلى بناءِ الدَّولة؟! مَن مِنهُم لا يدَّعي أَنَّهُ مِن قِوى الدَّولة؟! ومَن مِنهم لا يدعُو إِلى اعتبارِ معيارِ المُواطنة هوَ المِعيار في العلاقةِ بينَ المُواطن والدَّولةِ؟!.

ولكنْ…

آهٍ مِن لكنَّ!.

مَن منهُم يلتزم بما يقولُ؟! ومَن منهُم يعمل ويجتهد ويبذل قُصارى جَهدهِ لتحقيقِ ما يدعو إِليهِ؟! ومَن منهُم يُضحِّي بمصالحهِ الخاصَّة وامتيازاتهِ ليُحقِّق ما يدعو إِليهِ؟!.

عندَ عتبةِ الجوابِ تُسكَبُ العَبَرات! ويكُونُ مَربطِ الفرسِ!.

الأُسوةُ الحقيقيَّة هو الصَّادق الأَمين الذي يُصدق القَول ويلتزم بالوعدِ ولا يخُونُ العهدَ، ويُصدِّقهُ بالفعلِ والعملِ والسُّلوكِ اليَومي والأَمين على شعارهِ ومشرُوعهِ الذي يدعو النَّاسَ إِليهِ!.

أَمَّا الذي يقولُ شيئاً ويفعلُ شيئاً آخرَ فهو نموذجٌ تحدَّثت عنهُ الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ- كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} والمقتُ هوَ أَشدُّ البُغض!.

يُشيرُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) لحالةِ الإِنسجامِ المطلُوبة في الأُسوةِ بقَولهِ {مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ إِمَاماً فَلْيَبْدَأْ بِتَعْلِيمِ نَفْسِهِ قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِهِ وَلْيَكُنْ تَأْدِيبُهُ بِسِيرَتِهِ قَبْلَ تَأْدِيبِهِ بِلِسَانِهِ وَمُعَلِّمُ نَفْسِهِ وَمُؤَدِّبُهَا أَحَقُّ بِالْإِجْلَالِ مِنْ مُعَلِّمِ النَّاسِ وَمُؤَدِّبِهِمْ}.

اضف تعليق