ناقش مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات وضمن نشاطاته الفكرية الشهرية موضوعا حمل عنوان (المعاني الإنسانية المستفادة من نهضة الإمام الحسين عليه السلام)، بمشاركة عدد من مدراء المراكز البحثية، وبعض الشخصيات الحقوقية والأكاديمية والإعلامية والصحفية في ملتقى النبأ الأسبوعي الذي يعقد بمقر مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام.

قدم الورقة النقاشية وأدار الجلسة الحوارية الدكتور علاء إبراهيم الحسيني أستاذ جامعي وباحث في مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات، وابتدأ حديثه قائلا:

"قام الإمام الحسين عليه السلام بالتحرك ليناهض النظام الحاكم في الدولة الإسلامية بعد ان تيقن بفساد النظام وعدم صلاحه ليقود الأمة وينجز وعد الله سبحانه وتعالى بتكريم الإنسان، وعبر التأريخ لا يكتب النجاح لأي حركة إصلاحية أو غيرها مالم تقم على معاني وأسس تستقيم مع فطرة الإنسان السليمة ليستسيغها المخالف ممن ينتمي لثقافة أو دين مغاير والموالف ممن ينتمي للأسس المعرفية ذاتها، حينما يجدان ان الهدف نبيل وان الوسيلة مشروعة وان المصلحة المبتغاة عامة، ولا تخرج عن المعارف القيمية الإنسانية الراسخة، لذا كان ما تقدم في ذهن الإمام الحسين عليه السلام وهو يخط مسار الثورة التغييرية في كربلاء وخارجها عام (61) هجرية فبادر إلى تذكير المتلقي المباشر من جيش الأعداء وقدم النصح لمن لم يحضر الواقعة لكنه سيسمع بما دار عاجلاً أم أجلاً بخطاب ممزوج بالمعاني الإنسانية الفطرية والوجدانية كالحرية والكرامة ورفض الباطل والظلم والدعوة الصادقة للمساواة واحترام كرامة الإنسان كونها تمثل ثابتة من ثوابت الحياة الحرة أولاً كما وتعد مبادئ سرمدية.

ولهذا نجح الإمام الحسين عليه السلام في تحريك الجماهير بشكل تلقائي ضد النظام الحاكم المستبد بشكل فردي وجماعي بعد ثورته المباركة طلباً لتصحيح الواقع، وإنسانية الخطاب كانت السبب المباشر لنجاح الثورة المباركة ووصولها لغايتها التي انطلقت منها وهي "الإصلاح" حين قال الامام عليه السلام قولته المشهورة "إني لم أخرج أشراً، ولا بطراً، ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي" فكانت تلك الكلمات تعبر عن غاية الإمام وشكلت المحرك الأساسي للعديد من الأحداث اللاحقة الهادفة إلى التصحيح والعودة إلى ما يقابل الفطرة الحسنة والمبادئ السامية التي تضمنها الإسلام العظيم وسائر الأديان والثقافات الهادفة إلى تهذيب السلوك الإنساني ليتحقق العيش المشترك فالمتتبع لحركة الأنبياء عليهم السلام جميعاً والمصلحين والناس الصالحين أنهم ينطلقون من مبادئ عدة في مقدمها:

رفض الظلم بكل تجلياته، ومقارعته بكل الوسائل السلمية أو غيرها.

التأكيد على كرامة الإنسان وحريته المتأصلة والتي تشكل الهدف الأساس والمنطلق للتغيير.

وهذا ما عبرت عنه آيات الذكر العظيم بقوله تعالى "وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ" وقال أيضاً "أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَينِ" والآيات المتقدمة تدل على أهمية التفكر والتفكير وأخذ القرارات السليمة بحرية بعيداً عن الإملاءات وفي مورد آخر يقول جل جلاله "تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" ما يدل دلالة قاطعة ان الإسلام العظيم انتهى إلى سن قواعد تحكم التعايش بين الناس وتنظم علاقة الحاكم مع الرعية وعند الخروج عليها لابد من ردعه بكل الوسائل خشية الاعتداء على الحرمات ولذا بادر الإمام الحسين إلى قيادة ثورة كونية ضد الباطل وكان من أهدافه إبراز هذه المبادئ السامية ومنها:

مقارعة الفساد الذي انتاب السلطة الحاكمة من أعلى رأسها حتى أخمس قدمها وبذا يقول الإمام الحسين "ألا وإنَّ هؤُلاءِ قَد لَزِموا طاعَةَ الشَّيطانِ، وتَرَكوا طاعَةَ الرَّحمنِ، وأظهَرُوا الفَسادَ، وعَطَّلُوا الحُدودَ، وَاستَأثَروا بِالفَي‏ءِ، وأحَلّوا حَرامَ اللَّهِ، وحَرَّموا حَلالَهُ"

مقارعة الانحراف في السلطة والظلم الذي وقع على المسلمين عامة لذا يقول الإمام الحسين "ما الإمام إلا العامل بالكتاب، والآخذ بالقسط، والدائن بالحقِّ، والحابس نفسه على ذات الله".

السعي إلى التغيير والتزام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والانحراف امتثالاً لقوله تعالى "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّه" وهو ما عبر عنه الإمام عليه السلام بقوله في معرض الوصية التي قالها لأخيه محمد أبن الحنفية "أريد أن آمر بالمعروف وأنهي عن المنكر فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، وهو خير الحاكمين "

من المنطلقات المتقدمة رسم الامام جملة من التطبيقات الإنسانية التي تفردت بها ثورته المباركة وأصبحت مصدر الهام للمصلحين والثائرين والأناس الصالحين:

اهتمام الإمام بالجوانب الإنسانية في أصعب الظروف: بالتأكيد على البعد الإنساني في التعامل مع الأخر حتى من خرج لحربه عليه السلام إذ يحكى ان طلائع جيش الكوفة بقيادة الحر الرياحي حين وصلوا قرب معسكر الإمام الحسين طلب من أصحابه ان يسقوهم وجيادهم الماء ويرشفوها لما لاقته من حرارة الجو.

نبذ الأوهام والخرافات والتقليد الأعمى: بالاهتمام بالواقع الذي تعيشه الأمة ومحاولة التأثير فيه إيجابياً وقيادة الرأي العام بمناقشة القضايا الحسية التي يعيشها المجتمع، حيث يقول عليه السلام في إحدى خطبه "أَيُّهَا النَّاسُ، نَافِسُوا فِي‌ الْمَكَارِمِ، وَسَارِعُوا فِي‌ الْمَغَانِمِ، وَلاَتَحْتَسِبُوا بِمَعْرُوفٍ لَمْ تَعْجَلُوا؛ وَاكْسِبُوا الْحَمْدَ بِالنُّجْحِ، وَلاَ تَكْتَسِبُوا بِالْمَطْلِ ذَمّاً".

نبذ القبلية والتعصب الأعمى: فالإنسان الذي يعيش حالة الظلم ويعاني من الاضطهاد والرعب والهوان لا يمكن ان يكون مؤثراً في الآخرين: حيث نصح الإمام الحسين للقوم إلا أنهم قابلوه برد غريب ينم عن التعصب الأعمى إذ يقول له قيس أبن الأَشعثِ يوم عاشوراء "ما ندري ما تقولُ، ولكنِ انْزِلْ على حُكمِ بني عمِّكَ، فإِنّهم لن يُرُوْكَ إلا ما تُحِبُّ" ما يدل على ان هؤلاء القوم كانوا منغلقين وغير قادرين على التمييز بين الحق والباطل.

التأكيد على الكرامة الإنسانية والحرية التي فطر الله سبحانه وتعالى الإنسان عليها: حيث يقول عليه السلام "لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما".

تحرير إرادة الإنسان من الشهوات والتأكيد على العدل ورفض الظلم والاستضعاف وقد جسد الإمام الحسين هذا المعنى عندما دعاه قيس أبن الأشعث لطاعة الحاكم الظالم فقال قولته المشهورة "لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أفر فرار العبيد" وأكد هذا المعنى في خطبته الثانية يوم العاشر حين يقول "ألا وإن الدعي أبن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وحجور طابت وحجور طهرت ونفوس أبية وأنوف حمية من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام".

ومما تقدم نجد إن الإمام عليه السلام ركز على أبعاد كثيرة في النهضة:

أولاً: البعد الإلهي لثورة الإمام الحسين: إذ ارتبطت الحركة التغييرية منذ انطلاقها من مكة المكرمة بلله تعالى وأخبر الإمام الحسين جملة من الصحابة والتابعين عما سيحصل معه قبل الواقعة وقدم شرحاً وافياً بذلك ومنهم الصحابي أبن عباس مثلاً.

ثانياً: البعد الإنساني في حركة الإمام الحسين: حيث حاول الإمام عليه السلام ربط تحركاته بالدين أولا والتذكير بمبادئه من جهة وبالقيم الإنسانية الراسخة ومنها نهج المساواة عند الحسين ونبذ العنصرية التي استشرت في ذلك الزمان بفعل النظام التسلطي الحاكم الذي أخذ يميز بين المسلمين بين من هو عربي أو غير عربي، فقد ورد انه عليه السلام ساوى في المعاملة ولده وأصحابه فوضع خده الشريف على خد "جون" ووضعه أخرى على خد أبنه علي الأكبر، بينما نجد ان الجانب الأخر يؤثر عنه أن والي البصرة ضرب مملوكا ضرباً مبرحا لأنه تزوج من عربية.

ثالثاً: البعد التنظيمي: حيث نجد ان الإمام الحسين عليه السلام أبدع في التنظيم والتخطيط للثورة وكانت جل تحركاته مدروسة بشكل ينم عن بعد للنظر ومعرفة مسبقة بالعدو وما تؤول إليه الأمور لذا أنكر عليه البعض حمل النساء والأطفال بيد أنه توضح للعالم الدور الكبير لهم في استكمال الثورة التغييرية وأنهم أحرجوا الحاكم الطاغي في الكوفة والشام وكان لهم الدور الكبير في استكمال الخطوات اللازمة للتغيير في التفكير الجمعي وتوضيح زيف الدعاية الأموية من خلال:

- انتهج الامام الحسين النهج السلمي ورفض الدعوة للحرب والقتال.. ضرورة حماية النساء والأطفال فمن شيم الكرام عدم التعرض للنساء أو الأطفال أو الضعفاء.

- ضرورة احترام قواعد الحرب واحترام الإنسان ليس تلك التي أكدتها الشريعة الإسلامية بل تلك التي يفرضها ناموس الإنسانية حيث قال لهم الإمام عليه السلام "إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحرارا في دنياكم هذه، وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عربا كما تزعمون" فالعرب عنها ثوابت تمثل قواعد عرفية ملزمة تنظم حالة الحرب والسلم وتستهجن الممارسات التي لا تتفق مع تلك الثوابت.

- كتب أهل الكوفة التي تمثل اعترافاً بالظلم والفساد الذي تمارسه السلطة الحاكمة في المدينة ودعوة للإمام الحسين للخروج وقيادة الجماهير وتغيير الواقع حيث يقول عليه السلام في خطبته يوم العاشر "ألم تكتبوا إليَّ أنْ أقدم قد أينعت الثمار واخضرّ الجناب، وإنّما تقدم على جند لك مجنّدة" ولذا قال الإمام الحسين مقولة تختصر الكثير من الكلام "مَا أَرَاكَ إلاَّ صَدَقْتَ! النَّاسُ عَبِيدُ الدُّنْيَا وَالدِّينُ لَغْوٌ عَلَي‌ أَلْسِنَتِهِمْ؛ يَحُوطُونَهُ مَا دَرَّتْ بِهِ مَعَايِشُهُمْ؛ فَإذَا مُحِّصُوا بِالْبَلاَءِ قَلَّ الدَّيَّانُونَ".

ولإغناء الموضوع بالمزيد من الأفكار تم طرح السؤالين الآتيين:

س1/ لماذا تخاذل المجتمع عن نصرة الحق والوقوف إلى جانب نهضة الإصلاح؟

س2/ كيف يمكننا إعادة قراءة واقعة الطف واستلهام العبر منها في إصلاح الواقع الذي نعيشه؟

المداخلات

ديمومة النهضة الحسينية تبرز من قيمها ومبادئها

الدكتور اسعد كاظم شبيب أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكوفة:

"نهضة الامام الحسين بن علي لم تكن حدثا اعتياديا بكل تأكيد وإنما كانت مقدمتها ومسبباتها المنطقية متوافرة وطالما كانت نهضة ثورية تغييرية ضد الظلم والزيف والاستبداد فإن مقومات سرمديتها مستمرة، من هنا يمكن قراءة النهضة التي كانت ذروتها يوم الطف بكربلاء من خلال الزمان والمكان ومن خلال الصراع المستمر ما بين قيم الخير وتبريرات الشر، فهي كالبركان الذي ينذر الشر في اي لاحظة وتكون اثاره كبيرة، من هنا فان ديمومة النهضة الحسينية تتأتى من قيمها ومبادئها وطالما أن هناك اناس تتمسك بالمبادئ والقيم ومحاربة الشر فان نهضة الحسين ستظل في مقدمة الثورات الملهمة لكل شعوب الأرض وقد تختلف المسميات والأزمنة لكن حتما ستلتقي الأهداف معا وهذا ليس تفسيرا اعتباطيا وانما هي سنن التاريخ منذ الصراع ما بين أولاد أدام أبا البشر مرورا بكل أشكال الصراع التي عرفها مختلف الحقب التاريخية ومنها واقعة الطف التي وقف الخير على قلته بقيادة الإمام الحسين بن علي ضد الشر والاستبداد المتمثل بآل ابي سفيان وأنصار الحقبة الأموية الضالة".

المعايير الأساسية التي تنهض بالأمة تُختزل بواقعة الطف

الاعلامي مصطفى ملا هذال:

"واقعة الطف لا يمكن قراءتها على عُجالة نظراً لما تحمله من كم كبير من الدروس والعبر، فقد تناولت جوانب الحياة كافة ولا يمكن اختزال أهدافها او عبرها بأسطر قليلة، وهنا اكتفي بتسليط الضوء على إمكانية الاستفادة منها في إصلاح الواقع الذي نعيشه، الحسين عليه السلام وضع من خلال نهضته الخالدة المعايير الأساسية التي تنهض بالأمة، وجميع هذه المعاير نابعة من الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها، وهي محاربة الباطل والوقوف بوجهه الى جانب الحق، والانتصار للمظلوم، فضلا عن الحكم بين الناس بالعدل، فثورته قامت بالأساس لإنصاف الضعفاء، وتمكينهم من العيش بحرية وكرامة، وجميع ما خطه الحسين في كربلاء، يجب اتباعه واتخاذه ملاذا للعيش بسلام بعيدا عن الذلة، وهنا سيتحقق الإصلاح بصورة عاجلة ام آجلة، وهناك أسباب كثيرة تقف وراء تخاذل المجتمع عن نصرة الحق والوقوف الى جانب نهضة الإصلاح التي شرع بها سيد الشهداء عليه السلام، ففي حكم بني امية تكرست مبادئ الظلم، وتراجعت قوى الخير الآمرة بالمعروف والنهاية عن المنكر، فالمجتمع آنذاك انغمس بالملذات وابتعد كثيرا عن العبادات وعن الجادة التي توصله الى بر الأمان، فكان التقرب من السلطة الحاكمة يعني زيادة المكتسبات ومنها المال والجاه الزائلين، ومن الأسباب أيضا هو الحكم الدموي الذي يحكم بالحديد والنار، ما يجعل المصير معلوم بمجرد الخروج على الظلم والجور، وليس ببعيد عن الاذهان ما حصل للأمام الحسين واهل بيته عليهم السلام، وصحبه الاطهار ظهيرة العاشر من المحرم".

لن تصلح الأمة إلا بالتسليم للقائد المصلح

الشيخ الحسين أحمد كريمو:

"نهض الإمام الحسين (ع) بعنوان عريض أطلق عليه شعاره (إنما خرجتُ لطلب الإصلاح في أمة جدي)، وهذا يعني أن الإمام الحسين (ع) يُريد أن يُفهم الأمة أنه إمام لدينهم وقائد لثورة الإصلاح فيهم، وهذا يعني أنه تحمَّل مسؤوليته تجاه الدين الحنيف والرسالة الإسلامية، وتجاه الأمة التي رآها تغوص في الفساد الأموي من كل نواحيها حتى كادت أن تموت وتدفن الدين فيها، لأن هدف أبناء الشجرة الملعونة في القرآن بني أمية كان دفن الدين والإسلام كما قال معاوية (لا والله إلا دفناً دفناً)، ولكن لم يستطع ذلك فجاء ولده الشرير يزيد ليُكمل المهمة، فقام بثلاثة كوارث لا تُقال بحق هذه الأمة الظالمة المجرمة باتباعه عليها وهي:

1- إبادة أهل البيت (ع) ورأسهم الإمام الحسين (ع) في يوم عاشوراء الدامي.

2- إبادة الصحابة باستباحة المدينة المنورة ثلاثة أيام لجيشه حيث قتلوا عشرة آلاف.

3- دك الكعبة المقدسة بالمنجنيق وتدميرها على ابن الزبير وأصحابه.

فالرجل لا يعرف معنى للدين والقيم والأخلاق وكل ما يعرفه الملك والسلطة فقط ولذا عندما أباد أهل البيت (ع) في يوم عاشوراء قال: لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحي نزل.

ولن تصلح الأمة إلا بالتسليم للقائد المصلح، والبرنامج الإصلاحي الذي جاء به ليُنقذهم من الفساد الذي يعمَّهم إلى الصلاح الذي ينشدونه، وأما إذا لم يفهم المجتمع رسالة الإصلاح ويعرف المصلح من المفسد ويمتلك البصيرة في حياته فإن تجاربه الفاشلة ستتكرر وكلما ظهر مصلح حسيني سيقتلونه ويمثلون به كما فعلوا بالإمام الحسين (ع) يوم عاشوراء.

فواقعنا المأزم من كل النواحي ويتحكم بنا وبحياتنا عشرات ممن يحملون فكر (يزيد) وفوقهم إمبراطورية الشر العالمي ولن ننهض إلا إذا عرفنا المصلح الصالح فينا وسلَّمنا له مقاليد القيادة وسرنا بهديه نفديه بأرواحنا كما فعل أصحاب الإمام الحسين (ع).

اما بخصوص تخاذل المجتمع عن نصرة الحق لأنهم أسلموا أنفسهم للشيطان لا للرحمن وملئوا بطونهم من الحرام فاغبرَّت الرؤية في عيونهم فلم يميزوا بين الحق وأهله والباطل وجنده، فانقادوا إلى يزيد الشر وقتلوا إمام الحق الحسين (ع) وكل مَنْ كان معه من أهل بيته وأصحابه، وتخاذلوا لأنهم ما آمنوا بالرسالة ولا أسلموا لها بل استسلموا وأصروا الكفر ولما رأوا أنصاراً كبني أمية شجرة الكفر الملعونة فانقادوا لهم ليطفئوا نور الله بأفواههم وبغيهم وطغيانهم، وتخاذلوا عن نصرة الحق لأنهم لم يملكوا البصيرة التي يميزون بها بين الحق والباطل، والخير والشر، والدين والدنيا، فتاهوا في قرارهم وقادهم شياطين الإنس القرشية إلى المقصلة كالأنعام فارتكبوا تلك الجريمة النكراء التي تاباها وحوش الفلوات بغبائهم وحقدهم وكفرهم البواح".

ماهية واقعة الطف والهدف الحقيقي لثورة الاصلاح

حيدر الاجودي باحث في مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية:

"ان واقعة عاشوراء ليست كغيرها من الوقائع في هذا العالم، فلا يستطيع المرء ان يدركها على حقيقتها المطلقة في حينها وزمانها وما بعدها، ولكن علينا ان نسعى (قدر المستطاع) الى معرفة ماهيتها واهدافها المنشودة وتفكيك كلمات رسائلها من خلال خطب الامام الحسين (عليه السلام) منذ خروجه من مكة وحتى وروده ارض الطف، ففيها من العبر والمواعظ ما يخلص المجتمعات من كل اشكال الفساد والافساد، واذا ما اردنا اعادة قراءة الواقعة بنظرة حداثوية فيجب ان نقف طويلا امام التحريفات التي طالت وتطال شخصية الامام وانصاره والتلاعب في احداث الواقعة وما بعدها وسرد الكثير من القصص الخيالية التي نسجتها عقول بنو امية وبنو العباس بهدف ابعاد الناس عن هدف الامام الحقيقية ورسالته التاريخية التي تركزت على بناء الانسانية، اما ما يخص استلهام العبر من الواقعة فهذا يعتمد على قرب الشخص (الروحي) من الامام ومعرفة ماهية خروجه الى ارض الطف، فإذا ما كنا قريبين روحيا من الامام فلابد لنا من الالتزام بكل تعاليمه التي استوحاها من مدرسة النبوة ونبدأ تطبيقها على انفسنا وعوائلنا ومن ثم الانطلاق نحو المجتمع، وان اغلب المجتمعات تجهل شخصيات الثورات التي تحدث في وقتها وتجهل اهدافها ورسالتها المستقبلية فلا يمكنهم فهمها الا بعد حين فكيف بحركة وثورة الامام المعصوم ان يستطيع المرء ادراكها وفهمها في وقتها؟، فما دام الجهل سائدا في المجتمعات وتميل به وسائل الاعلام كيفما تشاء وتحركه كيفما تريد يبقى الهدف الحقيقي لثورة الاصلاح مخفيا امام اغلب الناس وايضا يكون التباس وصورة مشوشة يصنعها الرأي العام لتضليل العوام فيكونوا بعيدين عن نصرة ثورة الاصلاح في كل زمان ومكان، وما علينا الا ان نحاول جاهدين فهم ماهية واقعة الطف ونجعلها معيارا ومقياسا لطريق الحق فكل يوم عاشوراء وكل ارض كربلاء".

وسيلة التغيير وآلياتها الشرعية الناجحة

الباحث جواد العطار:

"لم تكن ثورة الامام الحسين ع طمعا في سلطان أو صراعا على سلطة زائلة (لم اخرج أشراً ولا بطراً) وإنما كانت تهدف إلى الإصلاح أولا بعد أن استشرى الفساد في جسد الأمة، وبدأ ينخر في بنيانها ومقوماتها فكان لا بد من ثورة إصلاح جذري تعيد للأمة مكانتها وقيمها وتأريخها وهويتها، فالإصلاح على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي والأخلاقي هو الهدف المركزي من الثورة الحسينية.

وحيث أن الاصلاح مهمة شاقة ومعقدة تسبقها الحاجة إلى عملية كبيرة لقلع قوائم الفساد والخراب والدمار الذي لحق بالأمة نتيجة تحول النظام السياسي إلى حاكمية الفرد غير الكفوء وغير المناسب، فكان لابد من استبدال ثقافة الإكراه والعنف والخداع والقدسية الكاذبة إلى ثقافة التحرر والحوار وقبول الآخر والمشاركة.

واذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو وسيلة التغيير وآلياتها الشرعية الناجحة التي قوامها الحوار ومقارعة الحجة بالحجة والمنطق بالمنطق، فإن هدف الإصلاح هو اعادة كرامة الامة وحريتها، لتساهم في بناء حياتها الآمنة المستقرة.

ومن قيم ومبادئ الثورة الحسينية الإصلاحية السامية ننطلق في الاجابة على التساؤل الثاني وهو اسباب الخوف من الثورات الإصلاحية عامة والحسينية خاصة عبر العصور، وهي كالآتي:

١- مبادئ الثورة الحسينية اصبحت نبراسا لكل الاحرار في العالم ودافعا لهم لتحقيق الاصلاح ومجابهة الطغاة.

٢- الثورة الحسينية نجحت في تحقيق أهدافها والدليل استمرار مؤيديها وشيعتها وانتشارهم في أصقاع مختلفة من العالم بعيدا عن مهد الثورة الاصلي في الكوفة ومرور عشرات القرون على انطلاقتها، مما يهز عروش الطغاة الذين يخشون التغيير الايجابي والإصلاح المضاد للديكتاتورية والفساد والظلم. فلا تخاذل لعشاق الأمام الحسين رغم الصعاب من طقس حار جداً او وباء كورونا الخطير.

٣- ان عدم الاستقرار مقلق للطغاة وشعار الثوار الحسينيون مجابهة الظلم باستمرار دون كلل او ملل رغم التضحيات وطول فترة المواجهة... مما يدفع كل الطغاة الى التعتيم على مبادئ الثورة الحسينية ومجابهة الحسينيون بأشد انواع التنكيل والتعذيب خوفا من سيادة مبادئهم لذلك كانت الثورة الحسينية وما زالت مقلقة لكل حاكم جائر في اي زمان وفي كل مكان.

اما الثورات الإصلاحية عبر العصور فإنها كانت مقلقة للحكام استلهمت اغلبها قيم ثورة الحسين (ع) وواقعة الطف، وذلك لسبب بسيط انها قادرة على التغيير لا تتهاون في الحق او الوقوف الى جانب الاصلاح، وهو ما يخشاه كل حاكم ظالم ومستبد وجائر".

الجانب الروحي والمعنوي في ثورة عاشوراء

الباحث حسن كاظم السباعي:

"لو أردنا أن نلغي الجانب الروحي أو الغيبي أو الديني من حركة الإمام الحسين عليه السلام، ونحلل قضيته بتحليل دنيوي أو سياسي بحت، فإنَّ قضيته أيضا ستحظى بنفس المستوى من الاحترام والإجلال والإكبار، حيث إن كلتا الرؤيتين تمثلان معنى حركة الإصلاح و فيهما قدوة للمصلحين.

على سبيل المثال: لو ألقينا الضوء على كلمة الإمام الحسين عليه السلام المعروفة التي أطلقها في ذروة المعركة يوم الطف مخاطبًا جيش العدو: "إن لم يكن لكم دين، وكُنتُم لا تخافون المعاد، فكونوا أحرارًا في دنياكم"؛ لو نظرنا لها من زاوية سياسية أو اجتماعية فإنَّها قد ألغت جميع الاعتبارات والانتماءات والحدود المذهبية والطائفية والقومية والعشائرية والسياسية والاجتماعية ومنحت للإنسان حرية مطلقة وضمنت له السعادة ليعيش في مدينته الفاضلة التي يحلم بها، حيث يقول الإمام له؛ إن لم تكن معتقدًا بشيء، وترى أن الحياة لا تتعدى الحياة والموت، ولا يهلكك إلا الدهر، فكن حرًّا وكريمًا وسعيدًا، ولا تنزل أخلاقيًا إلى الحضيض.

وإضافة إلى ذلك؛ قد أكد الإمام عليه السلام في كلمته أن منهجه وقضيته الإصلاحية تحترم وتشمل حتى الإنسان الذي لا يُؤْمِن بالدين والعالم الآخر، وهذا يدل أيضًا على رحمة سيد الشهداء عليه السلام حيث نصح الفرد بما يناسب توجهه حيث انه ذكر اللاديني أيضًا وأشار عليه باختيار أن يكون حرًا، وهذا الفعل على عكس اللاديني الذي لا يمكنه أن يحتوي الدين ويحترمه، وإنما يحاربه ويستهزئ به.

أما السؤال الآخر: لماذا تخاذل المجتمع عن نصرة الحق والوقوف إلى جانب نهضة الإصلاح؟ فبالرغم أن جيش ابن زياد كان فيهم من كتب إلى الإمام أن اقدم ثم أنكروا وكتبهم بيد الإمام في مخيمه، فالخوف من جور ابن زياد دفعهم إلى اجتناب اللحاق بركب سيد الشهداء، والبعض الآخر طمعًا في جائزة ابن زياد بل وكانوا يتنافسون "اشهدوا لي عند الأمير أني أول من رمى.."، هذا الطمع بملك الري أو بالدرهم والدينار جعلهم يختارون خزي الدنيا والآخرة، وتخاذلوا أيضًا لأنَّ ابن زياد اشترى رؤوس القبائل فبعث إليهم بالأموال، أما القلائل المخلصة فأرسل من يعرقلهم عن الوصول وشدَّد الحراسة، وإنَّ نهج سيد الشهداء في تبني الحرية ليس فقط من أجل الديني واللاديني وشمول الجميع في مسمى الإنسانية لكنها دعوة مبطنة للتحرر من عبودية المال والسلطة والجشع والخوف، فالإنسان الحر أنَّى له بقتل طفل رضيع في حجر أبيه أو التعرض لشاب يصلح شسع نعله، فدناءتهم كانت فوق الوصف، كأنَّ الشر المحض شكَّل طوفانًا ليُغرق الخير المتمثل في سفينة الحسين عليه السلام، وهنالك استجاب الحر لنداء الحرية المحضة، ليكون حرًا في دنياه، لكنه لأنّه كان يؤمن بالمعاد فأراد أن يضمن آخرته كما ضمن دنياه فاختار الحياة الأبدية والسعادة السرمدية".

تغييب الابعاد الاصلاحية لواقعة عاشوراء

الدكتور حسين السرحان باحث مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية:

"تم تغييب الكثير من الابعاد الاصلاحية لواقعة الطف بسبب من تواجد بالسلطة وكذلك وجود وعاظ السلاطين في القرون السابقة ولهذا نجد تراجع كبير في فهم وادراك هذا الموضوع، وتم تسييره او تجييره بجوانب اخرى بعيدة عن تهديد سلطة الحاكم او الظالم وهذا الامر ليس وليد اللحظة فقد كان منذ البداية يشكل خطر على كثير من اصحاب السلطة او اصحاب التأثير والنفوذ، اما في كيفية قراءة واقعة الطف ببعد حضاري وبعد انساني وبعد يخدم حركة اصلاح المجتمع ويخدم المجتمع باتجاه التغيير الايجابي، لابد من الوصول الى ذلك من خلال اعادة النظر بموضوع الخطاب الديني الذي يوفر لنا قراءة واقعية ومنطقية وموضوعية بعيداً عما تم تضمينها من خلال قرون من قبل السلطات وجهات معينة وتم تغييب الكثير من الجوانب الايجابية الاصلاحية لصالح السلطة وبما يخدم السلطة، لذلك نحتاج الى اعادة نظر وجرأة كبيرة للتصدي من خلال هذا الخطاب وبما يحقق رفاهية الناس، وان الامام الحسين لم يخرج ويضحي بأهل بيته وعائلته واصحابه لكي نكرر نفس التجارب والاخطاء وانما يجب ان نكون حاصلين على حقوقنا بشكل كامل ونعيش على قدر من العدالة والمساواة بين افراد المجتمع ويكون الحاكم هو خادم ومتصدي ومفوض من قبل الجماهير لخدمة هذا المجتمع، اما ما تم تجييره باتجاه معاكس هو مكمن الخطر لذا نؤكد على إيجاد قراءة واقعية انسانية اصلاحية لواقعة الطف".

التأكيد معاني معركة الطف واستلهام المبادئ الحقيقية منها

احمد جويد مدير مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات:

"السبب الرئيس للتخاذل هو ما قاله الامام الحسين (ع) (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ)، وان الصراع بين الخير والشر هو صراع ازلي ويمتد الى يوم القيامة، وان الطبيعة الانسانية والغرائز الانسانية تتمثل بسمة اساسية هي محبة الانسان العادل، ولكن في مجتمعاتنا العربية والاسلامية هذه الغريزة معكوسة فيها فالمجتمع العربي يحب الانسان او الحاكم العادل لكنه يرفض تطبيق الحاكم للقوانين او العدل عليه، وهذا ما جرى في حكم الامام علي (ع) عندما اراد ان يساوى بالعطاء بين افراد المجتمع، لذلك الكثير من الصحابة او ابناء الصحابة اعترضوا على هذا الامر لهذا لم يقتنعوا بمنهج امير المؤمنين عليه السلام لأنهم يريدون الحصول على مغانم اكبر من حقوقهم، حتى امتد هذا الفكر عند تولي الامام الحسن والحسين عليهم السلام زمام الامور والمسؤولية وهذا كان تفكير قادة القوم وابنائهم، اما بقية الناس من العوام فقد كان بعضهم مستضعفين والبعض الاخر فقد كان بعقلية حكم القطيع ولا يميزون بين الحق والباطل، فقد كان المجتمع لا يعي خطورة الموقف والمرحلة التي كانت ذاهبة اليها الدولة الاموية وبالتالي لم يقدروا هذه النهضة الاصلاحية التي جاء بها الامام الحسين (ع) وكيفية ان هذه النهضة تنقذهم من الضلال الى الهدى وتعطيهم حقوقهم وحرياتهم لذلك لم يكونوا واعين لهذه المسألة ووقعوا في فخاخ الامويين وذاقوا الذل والهوان طوال حكم الدولة الاموية، أما بخصوص قراءة المعنى الإنساني نحتاج الى شيء مواز للقضايا العاطفية والشكلية لإظهار المبادئ الحقيقية من خلال المنبر الحسيني والمناسبات الدينية، ولا تقتصر احتياج الامة لهذا المعنى الانساني لثورة الامام الحسين (ع) على الشيعة فقط، بل يجب ابراز معاني معركة الطف للعالم باسره، وكل شعوب العالم التي تحمل المعاني الانسانية يجب ان تستلهم المبادئ الحقيقية للأمام الحسين (ع) ووضعها في دروس وكراسات وتغذية الاطفال ووضعها كمنهاج للأجيال".

ادراك عظمة نهضة الامام الحسين (ع)

الباحث جميل عودة:

"في ظل نهضة الامام الحسين(ع) مازال الواقع كما هو، وإن كل ما جرى في واقعة كربلاء هو حدث من الماضي، فمن كان في معسكر الحسين (ع) وقاتل معه حتى استشهد سيكون ثوابه الجنة (أما بعد: فإني لا أعلم أصحابا أوفى ولا خيرا من أصحابي، ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي فجزاكم الله عني خيرا...) ومن كان في معسكر بني أمية وقاتل معهم حتى قتل فسيكون جزاءه النار (يَا عِبَادَ اللَّهِ‏، إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ... أَعُوذُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ)، ولكن أيضا ما جرى في كربلاء هو حقيقة في الحاضر والمستقبل بقدر ما يمكن أن نستفيد من تلك الواقعة في تهذيب أنفسنا وتنظيم حياتنا وبناء مجتمعاتنا لأجل الإصلاح وحفظ الإسلام، وإبقائه كما صرّح بذلك الحسين (ع) حيث قال (إني لَمْ أَخْرُجْ أَشِرًا وَلا بَطَرًا، وَلا مُفْسِدًا وَلا ظالِمًا، وَإِنَّما خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإصْلاحِ في أُمَّةِ جَدّي، أُريدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَسيرَ بِسيرَةِ جَدّي وَأَبي عَلِيّ بْنِ أَبي طالِب)، من الناحية النظرية لا اعتقد أن هناك أحدا من الناس لاسيما في العراق، الرجال والنساء، الأغنياء والفقراء، المتعلمون وغير المتعلمين، إلا ويدرك عظم هذه النهضة، كل حسب فهمه وإدراكه، ولكن الشيء الذي لم يتعلمه الكثير من هذه النهضة رغم أننا نتذكرها كل يوم تقريبا ناهيك عن أيام عاشوراء هو أننا مازلنا لا نطبق مبادئ وقيم هذه النهضة في أهم أهدافها، وهي إصلاح ذواتنا، وتنظيم أمور مجتمعنا. في ضوء تلك النهضة المباركة.

أود أن أذكر ٣ نماذج هنا:

١. نموذج السياسيين والإعلامين: مازال السياسيون والإعلاميين هم هم، ومازالوا يكذبون في السر والعلن استعدادا للانتخابات القادمة، وكنت أتمنى من كل سياسي وبرلماني من الذين أشر على أداءهم في المرحلة السابقة أن يتنحوا جانبا، ويفسحوا المجال لغيرهم. أو يتركوا نهضة حسين (ع) لغيرهم فلا يكرروا دعواتهم الباطلة كل سنة أو يتركوا نهضة الحسين (ع) لغيرهم من دون أن يظهروا كأنهم أبطالها. فقد اضروا المجتمع وأضروا الإسلام كثيرا.

٢. نموذج التجار: في كربلاء ورغم عظم هذه الحادثة فإن الكثير من الشركات والتجار مازالوا يمارسون أبشع أنواع الاستغلال في هذه المناسبة، بدء من ثمن الماء وانتهاء بثمن اللحوم. وهذه المناسبة بالنسبة لهم موسم للربح المضاعف دون أي مسؤولية دينية أو أخلاقية أو قانونية.

3. نموذج الأحياء الفقيرة: لا تمر على حي من أحياء كربلاء إلا وتجد السواد هو اللون الغالب على كل بيت وشارع. ولا ترى أحدا من ساكنيها إلا وقد ارتدى السواد، بل اغلب هذه البيوت يعد الطعام والشراب بشكل يومي. وهذا أمور ينسجم مع النهضة الحسينية. ولكن في هذه الأيام بالتحديد تزداد الأنقاض في الشوارع، وتنتشر الروائح الكريهة، ويزداد رواد المقاهي سيئة الصيت حتى الصباح، ولا تتوقف المشكلات بين الجيران بل بين الأزواج.

والسؤال هنا هل حققت نهضة الحسين (ع) أهدافها في العراق وعلى الأقل في كربلاء معقل النهضة والثورة؟ ماذا ينبغي أن يقوم به أولئك الذين ساروا على درب الحسين نظرا وعملا، قولا وفعلا، للحد من تلك المظاهر الاجتماعية السلبية على مستوى الجهد الفردي أو الجماعي، أو الحكومي؟".

الوقوف بوجه الظلم هو حاجة متجددة

الدكتور قحطان حسين طاهر أستاذ جامعي وباحث في مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية:

"خذلان الحق وعدم نصرته عند أغلب الشعوب والمجتمعات سمة أساسية والاستثناء منها نصرة الحق والوقوف بوجه الظالم والمستبد، والأسباب وراء خذلان الحق عديدة قد تكون شخصية كامنة في شخصية الفرد نفسه، او اجتماعية نابعة من ثقافة المجتمع وعاداته وتقاليده، وقد تكون سياسية تكمن ورائها دوافع وغايات سياسية، وابرز أمثلة الأسباب وراء التخاذل هو الخوف من انتقام السلطة للثائرين والمصلحين، ومناصرة الثائر الذي يقف في وجه الظالم قد تؤدي الى مالا يحمد عقباه، وان الداعم للثائر والمصلح قد يدفع حياته ثمناً لهذا الوقوف فالخوف بحد ذاته مانع غير مبرر للإنسان من نصرة الحق، وهناك فئة اجتماعية من الافراد مرتبطين بالسلطة الظالمة فدعم الثائر ودعم المصلح سيفقدهم الامتيازات التي يتمتعون بها نتيجة دعمهم وتأييدهم للسلطة الظالمة، ايضاً عدم المبالاة عند الكثير من الفئات الاجتماعية فهم عدد غير قليل يتسم بعدم المبالاة وكأن القضية لا تعنيه وكأنه في عالم آخر وباق أفراد المجتمع المظلومين والمضطهدين في عالم آخر وهو لا يشعر بمعاناة الاخرين ويعيش حياته بانعزال تام، وهناك سبب اخر يمنع نصرة الحق وهو ان السلطة الظالمة قد تلجئ لحرب اعلامية ضد الثائر او المصلح تحاول قلب الصورة بالكامل فيصورونه للشعب وللمجتمع على انه هو متمرد على السلطة ويبغي من وراء الثورة اثارة الفتن والاضطرابات وهذه المسألة ليست جديدة نلاحظ حتى الفقهاء في زمن الامويين اعتبروا الحسين مرتد ومتمرد على السلطة الشرعية وهي مسألة ليست غريبة فالتشكيك بالثائرين وبغاياتهم تدفع الكثير وخصوصا الذين لا يتسمون بالوعي اللازم تجعلهم يشككون بدوافع وغاية الثائر والمصلح، وهناك الكثير من الافراد في المجتمع من الجهل الذي يتطبعون به يكاد لا يعون أهمية الاصلاح والثورة بوجه الظالم وهم لا يدركون ان الثورة بوجه الظالم تحتاج الى دماء وتضحية وجهود كبيرة وكذلك تحتاج الى مدة من الزمن لجني الثمار من هذه الثورة، الظلم والاضطهاد هو واحد عبر الازمنة المختلفة وان الحاجة من التخلص من الظلم والاضطهاد هي حاجة انسانية مستمرة ومتأصلة بالمجتمعات الانسانية لذلك الوقوف بوجه الظالم والوقوف بوجه الظلم هو حاجة متجددة تتجدد بمرور الزمن، والوقوف بوجه الظالم لابد ان يقترن بمستلزمات اذا لم تتوفر هذه المستلزمات قد يكون هناك نصر للثائر لكن قد تكون اثار هذا النصر محدودة وبالتالي نحن في هذا الزمن نحن بحاجة ماسة لإعادة قراءة ثورة الامام الحسين (ع) قراءة متأنية واعادة وضع الرؤى واستخلاص العبر والدروس منها بشكل علمي وموضوعي ومعنوي وفكري، وان من اهم دروس ثورة عاشوراء كانت التضحية وان الامام الحسين (ع) ضحى بالغالي والنفيس من اجل القيام بهذه الثورة وكانت النتيجة واضحة للكل رغم ان الثورة بالمعيار او المقياس العسكري لم تنجح لأنها لم تطح بالسلطة مادياً، لكن معنوياً كان النصر والربح كبير جداً من هذه الثورة، اما الدرس الثاني من دروس عاشوراء فهو الايثار فنلاحظ ان الامام الحسين (ع) كان يتمتع بالإيثار لأنه لم يسعى ولم يبغ من وراء الثورة ان يحصل على السلطة ولو كان يهدف للسلطة او المال او الشهرة لكان قد بايع يزيد وحصل منه على ما يريده لكنه رفض هذا المسألة رأفة بالمؤمنين وحباً لهم لكي يعيشوا بكرامة، والدعوة الى الإصلاح سلمياً ايضا يعتبر درسا بليغ في ثورة الامام الحسين (ع) وهو لم يبدأ بحرب ولم يهم بثورة مسلحة من البداية لكنه بالنهاية أجبر على القتال".

الكرامة اساس وجود الانسان

الشيخ مرتضى معاش:

الإمام الحسين (عليه السلام) على سيرة ابيه (ع) خرج من أجل المبادئ والقيم الصالحة، رافضا مسار الاستغلال السياسي الانتهازي التي تعتمد الغاية تبرر الوسيلة، مثل المكائد التي كان يقوم بها معاوية، وخير دليل على ذلك هو قول الامام الحسين (عليه السلام): (الا وان الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة )، وما اراده يزيد هو نزول الامام الحسين (عليه السلام) على حكمه بالسيف والقبول ببيعته، ولم يقبل الامام الحسين (عليه السلام) فقد كانت جوهر حركة الامام الحسين (عليه السلام) هي ترسيخ كرامة الانسان (وقد كرمنا بني آدم) والكرامة هي اساس وجود الانسان وهي اساس حركة الانبياء والائمة (عليهم السلام) فلولا الكرامة لا يبقى للإنسان وجود فالقيمة الحقيقية للإنسان بكرامته، لذلك كانت المعركة معركة الكرامة والذلة وهو ما اشار اليه الامام الحسين (عليه السلام) في اكثر من مورد.

اما في ما يخص قضية التخاذل وعدم الانتصار للحق فان اخطر الامور في هذا الموضوع هي اليأس والخوف والاحباط والاستسلام والحياد، ان ابرز مشاكل التخاذل هي الحياد فالمتخاذلون عبر الازمان هم سبب هذه المشكلات (فاستخف قومه فأطاعوه)، فالطاغية فرعون لم يسيطر على الناس الا من خلال هذه القضية وهي قبول الناس بالذُل وخوف اغلبهم على رزقه او حياته او مستقبله وضياع بعض المكاسب الآنية، فلذلك يرضى بالذل بدون أي كرامة، وهذه الفئة من الناس مستعدة تعيش تحت وطأة حكام فاسدين وظالمين ومستبدين ومجرمين من اجل بقاء مصالحهم فقط، وهذه بطبيعة الحال معركة وجودية فهذه رسالة الانبياء وهي القاء الحجة على الناس في قضية حرية الانسان والتحرر من قضية اليأس والاستسلام والاحباط وقبول الامر الواقع والقدرية والجبرية، والنتيجة كلها تتأطر بالحيادية فاكثر جيش يزيد كانوا من المحايدين وكانوا يبكون على الامام الحسين (عليه السلام)، وكذلك في يوم عاشوراء، أشار الى أولئك المتزعزعين في جيشه (هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا).

لذلك نحتاج التعلم من ثورة عاشوراء الشجاعة الحقيقة ليست شجاعة السيف بل شجاعة الوقوف مع الحق والانتصار للحق، كما ويجب ان نفهم معنى الانتصار فالانتصار ليس بالثروة وليس بالسلطة فالانتصار انتصار المبادئ والحرية والكرامة، وان اهم صفة يجب التسلح بها لمواجهة الظلم هي البصيرة وعدم تسلل الشك في النفوس فهي من اكبر الآفات التي تحطم الانسان، لذلك يجب ان ندرس هذه العبر والدروس عبر الاجيال ونستفيد من هذه الحماسة في عاشوراء عبر نخب واعية تستثمر ايام عاشوراء وتحولها الى طاقة كبيرة للتقدم الى الامام من اجل ايجاد تحول فكري وثقافي في الامة".

واقعة الطف نظام مجتمعي كامل

عدنان الصالحي مدير مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية:

"الطبيعة الانسانية دائماً ما تميل الى الدعة والراحة ولا تذهب الى قضية السداب او الحروب، وهناك ثلاث نقاط اثرت تأثير كبير في واقعة الطف ومن خلالها ظهر الخذلان، اولها ان المجتمع الاسلامي آنذاك دخل الاسلام مستسلما لا مسلم، دخل الاسلام خوفاً من رسول الله وسيف علي، دخل الاسلام من الخوف بدون أي عقيدة كقول ابو سفيان (تلقفوها تلقف الكرة، فما هناك جنة ولا نار)، الامر الثاني وهو ما ذكره الامام الحسين (عليه السلام) (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ) قوم طبع على قلوبهم اكل الحرام وقتل الانبياء واولاد الانبياء فاصبحوا في داخلهم وحوش يتجردون من اي انسانية، اما الامر الثالث فهو ما قاله الامام الحسين (عليه السلام) (النَّاسُ عَبِيدُ الدُّنْيَا، وَالدِّينُ لَعِقٌ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، يَحُوطُونَهُ مَا دَرَّتْ مَعَايِشُهُمْ، فَإِذَا مُحِّصُوا بِالْبَلَاءِ قَلَّ الدَّيَّانُون) وهذا ما حدث يوم عاشوراء عندما محصوا بالبلاء خذلوا ابن بنت رسول الله، وهو ما حدث بالفعل من كان يؤمن ايمان حقيقي ذهب صوب مخيم الامام الحسين (عليه السلام) اما من كان ايمانه زائف ودينه متزلزل وعقيدته غير صحيحة ذهب لمطامعه مع يزيد، وهذه الحرب مستمرة الى طول الخط الانساني، وان واقعة الطف نظام مجتمعي كامل والدليل ان الامام الحسين (عليه السلام) لم يترك أي فئة من المجتمع لم يشركها في المعركة وكل فرد كان له دور في هذه الثورة وكل منهم يعرف دوره، فهذه هي الرسالة المحمدية التي يجب تفعليها فالإسلام محمدي الرسالة حسيني الوجود، وهذا ما يجب نقله وتنظيمه واعادة قراءته للأجيال السابقة واللاحقة واستثمار العبر والدروس من هذه الثورة".

معركة الحق والباطل معركة ازلية

محمد الصافي باحث في مركز الإمام الشيرازي للدراسات:

"موضوع تخاذل المجتمع عن الحق ينعكس على كل الازمنة الموجودة، ويعتبر تعريف الحق تعريف غامض بسبب وجود السلطات او الانظمة التي تضع الحق في موضع يخدم مصالحها بموضع تدليس الحقائق والوقوف مع الباطل، ومعركة الحق والباطل هي معركة ازلية ولا يمكن لها ان تنتهي، وان الحراك الحسيني لم يأتي بسرعة بل جاء بعد فترة طويلة من حكم الدولة الاموية خاصة وان يزيد سبقه وجود والده معاوية والذي كان يعرف عنه بالدهاء واستخدام السياسة والترهيب وفي نفس الوقت الترغيب، بالإضافة لوجود الجانب الاعلامي الذي كان يستخدمه الامويين لعكس صورة ايجابية لدولتهم وخير دليل على ذلك قصة مقتل الامام علي (عليه السلام) عندما وصل خبر مقتله الى الشام كان سؤال اهل الشام: او كان علي يصلي؟ وهو خير دليل على حجم التضليل الاعلامي الذي كان تستخدمه السلطة الاموية، ولكن هذا الجانب الاعلامي الذي كان يستخدمه الامويين انقلب عليهم بمجرد وصول السبايا الى الشام وتنقلهم بين الولايات، فالجانب الإعلامي الدولة الاموية قامت بخسارته بعد قتل الامام الحسين (عليه السلام)، ولا يمكن تصور التأييد الشعبي لسلطة مثل السلطة الاموية الا لوجود احد سببين اولها الخوف وثانيها وجود مطامع شخصية للأفراد ومغانم من خلالها يتم تأييد الوجود السلطوي والدكتاتوري للسلطة، ونرى ان السلوكيات في المجتمع تتناقض مع الاهداف الموضوعة في تراث اهل البيت (عليهم السلام) والسلوك الاجتماعي هو المعيار لذلك ومتى ما انطبقت هذه السلوكيات والاهداف بما يتوافق مع ثورة الامام الحسين (عليه السلام) نستطيع القول اننا مطبقين لمبادئ الامام الحسين (عليه السلام) بصورة صحيحة".

وفي ختام الملتقى تقدم مدير الجلسة الدكتور علاء إبراهيم الحسيني، بالشكر الجزيل والامتنان إلى جميع من شارك وأبدى برأيه حول الموضوع.

...........................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2021
هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
ademrights@gmail.com
https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق