لم يبق بيننا وبين عاشوراء سوى أيام، فقد مرت زيارة عرفة، وهي من الزيارات المليونية لمرقد الامام الحسين، عليه السلام، بهدوء وسلام، كما مرّت قبلها زيارة النصف من شعبان في ظل اجراءات صحية مشددة، ومع انخفاض ملحوظ في أعداد الزائرين من داخل وخارج العراق، واذا كان بالإمكان تطبيق هذه الاجراءات الصحية في الزيارات المليونية، وسائر الأيام المندوبة للزيارة، فان الحيرة تهيمن على البعض في كيفية التعامل مع أيام ذكرى مصاب الإمام الحسين في محرم الحرام، ثم الأهم من هذا؛ زيارة الاربعين، حيث يكون المشهد مليونيٌ بامتياز، والجميع يتوجس خيفة انتشار وباء كورونا المستجد بسبب الزحام الشديد المتوقع في مدينة كربلاء المقدسة وسائر المدن خلال الأيام القادمة.

بدايةً؛ لابد ان نقر بحقيقة تاريخية تتعلق بزيارة الامام الحسين، عليه السلام، فقد اقترنت هذه الزيارة بتحديات جمّة وموانع رهيبة أوجدها الحكام ممن يرون في هذا المرقد، ومن يزوره خطراً محدقاً على شرعيتهم السياسية، وعلى مستقبلهم السياسي ايضاً، ما خلا فترات زمنية، فان حظر الزيارة كان قائماً، و أول من دوّن اسمه في هذا السجل؛ المتوكل العباسي، علماً أن الحكام الأمويين سبقوه في اجراءات المنع مع نوع أخف مما قام به مثل؛ تجريف المرقد الشريف وغمره بالمياه، ثم قتل من يصل اليه، وقطع يده أو ساقه!

الزائرون من جانبهم، وهم في معظمهم بعيدون عن السياسة ونوايا التحرّش بالحكام، لم يعبأوا بالعقبات والصعاب في طريقهم للوصول الى مدينة كربلاء، ومرقد الامام الحسين، عليه السلام، لانهم يعتقدون جزماً أن قضية الزيارة أكبر بكثير مما يرونه حولهم من اجراءات قمعية، مهما كانت، كونها مرتبطة بظروف معينة لا تبرح أن تزول بزوال اسبابها، بينما دوافع هذه الزيارة لن تزول ولن تتغير، بعد ما ورد من الاحاديث الشريفة بفضلها وأهميتها بما يخرجها من الأطر الضيقة وتضعها في مصاف السنن الإلهية في الحياة، فالظلم والطغيان والتجبّر لا مستقبل له، مهما كان أتى صاحبه من قوة عضلية و ذهنية، وأن التحدي طريق الانتصار والنجاح، وهذا ما عرفوه بوجدانهم وبعقولهم من خلال المنابر والمحافل وبرامج إحياء قضية الامام الحسين، عليه السلام.

واذا كان الموت أقصى ما تحمله التحديات، فان طريق الزيارة الى كربلاء المقدسة جرّب الموت بالسيف في غابر الازمان، كما جرب الموت بالرصاص فيما مضى من الزمن، حتى أيقن الجميع أن لا هاجس يخيف الزائرين بعد هذا، وهي الحقيقة التي نراها متجلية في حضور الاعداد الكبيرة من الزائرين هذه الايام، وإن لم تكن مليونية كالسابق، مثل زيارة النصف من شعبان، وزيارة ليلة القدر، وزيارة عرفة بسبب الضغوط النفسية بعد تفشي وباء كورونا المستجد، وظهوره كعامل موت خفي يهدد أي انسان من حيث لا يحتسب.

والبعض يشيع أن الموت بفيروس كورونا أمضّ من الموت برصاص النظام الصدامي –مثلاً- كونه تهديد واضح يمكن تفاديه بسهولة، او اقتحامه حسب نسبة الايمان والعزيمة، بدعوى أن هذا الفايروس فاجأ العلماء بسرعة تطوره وتغلبه على العقاقير الطبية، الى جانب سرعة العدوى فيه، وهي الاخرى بشكل خطير وغير محسوس.

ولكن! الى جانب هذا الاعتقاد الذي مازال العلماء والباحثون يروجون له في العالم، فان علماء الفيروسات وجهاز المناعة، والمختصين في وظائف الرئة والجهاز التنفسي، فشلوا في تحديد نمط معين من المواجهة والتعامل مع هذا المرض، سواءً ما يتعلق بالوقاية، أو بالعلاج من خلال تقوية جهاز المناعة، فما برحت الآراء متضاربة حول الطريقة الفضلى للتعامل مع هذا الوباء، الامر الذي جعل سكان العالم بأسره في دوامة مريرة، ربما لم يشهدوا نظيرها من قبل، حتى فيما يتعلق بارتداء الكُمامة، وفي أي وقت يكون؟ وايضاً؛ ميدان العدوى، هل هو بالرذاذ المنبعث عن الفم، أم للهواء دورٌ في انتقال الفايروس؟

يبدو أن هذه الدوامة غير المنتهية من التحليلات والنظريات دفعت بالبعض لحسم أمر الزيارات المليونية في العراق، ليس فقط باتجاه كربلاء، بل والزيارات الاخرى باتجاه مدينة النجف والكاظمية ايضاً، بأنها تعرض الزائرين لخطر العدوى بشكل سريع، بيد أن هذا التسرّع في إصدار الاحكام على الفايروس يبدو بعيداً عن الدقّة والعلمية!

فقد أكد أكثر من عالم في الطب على دور الجهاز المناعي في الجسم على الوقوف بحزم أمام انتشار هذا الوباء، وبنسبة وجود اصحاب المناعات القوية، نكون أمام نسبة ضئيلة من هذا الوباء، فما الذي يمنعنا من الحديث عن تقوية الجهاز المناعي في الجسم قبل التحذير من الإصابة والموت بهذا الفايروس الذي أجمع معظم العلماء منذ البداية وحتى الآن على أنه من الفايروسات الضعيفة قياساً بفايروسات فتاكة سبقته في السنوات الماضية، مثل؛ "الجمرة الخبيثة"، و"سارس"، و"أيبولا"، بمعنى أن الجهاز المناعي يمثل في كل هذه الدوامة و"المعمعة" عامل الحسم الأول والأخير وليس الفايروس نفسه، فاذا ضمنا المناعة ضمنا صحتنا وصحة الملايين، سواءً كانوا متقاربين او متباعدين.

كلمة أخيرة

الزيارات المليونية في العراق الى مراقد الأئمة المعصومين، عليهم السلام، تلتقي فيها الابعاد الحضارية والانسانية مع خاصية التطور والتحديث المستمر، فهي ليست طقوس جامدة من موروث اجتماعي –كما يدّعي البعض- بقدر ما هي ممارسات تحمل معها عوامل الحياة الى الانسان، لذا نرى أنها تواكب التطور العلمي بشكل بديهي وسلس، بل وتوظف كل المكتشفات والابتكارات لديمومة هذه المراسيم التي أثبتت أنها تبعث روح الأمل والعمل والإقدام لتقديم الأفضل في الحياة، وما أهوّن من الاجراءات الصحية والوقائية في زيارات كهذه يكون فيها الزائرون بنفسية طرية وروحية عالية تتسامى على كل التعقيدات والمنغّصات، يصبح كل شيء سهل يسير أمامهم، ولا أدلّ على التزام المواكب الحسينية في الاعوام الماضية بالاجراءات الصحية مثل استخدام الأواني ذات الاستخدام الواحد، للطعام والشراب، وجمع القمامة في أماكنها الخاصة، إلا ما شذّ وندر.

وهذا إن دلّ على شيء فانما يؤكد عظمة هذه الزيارات، وأنها ربما مقبلة على تحديات أكبر تزيدها تألقاً وفاعلية، وتدعو المعنيين للبحث في سبل نجاحها وتطويرها قبل الاعراب عن المخاوف والهواجس من احتمال تحولها الى مصدر مشاكل!

انقر لاضافة تعليق