كلُّ ما فعلهُ الأَمويُّون ونشروهُ من أَكاذيب وتضليل بخصُوص عاشوراء كانت مُحاولات مستميتةٍ لتبرِئةِ الطَّاغية يزيد الأَموي من دمِ الحُسين السِّبط (ع) وهو الأَمر الذي كذَّبهُ وفضحهُ أَهل البيت (ع) وكذَّبتهُ الوقائع والحقائق التي تحدَّثت عن ردُود فعل الطَّاغية في مجلسهِ عندما أَدخلوا عليه السَّبايا وأَمامهُ رأسَ سيِّد الشُّهداء (ع) في طستٍ {مُنتَحِياً على ثنايا أَبي عبدالله سيِّد شباب أَهل الجنَّة تنكُتها بمِخْصَرتِك} كما تصِفُ المشهد عقيلةُ الهاشميِّين زينب بنت عليٍّ (ع) في خطبتِها النَّاريَّة التي فضحت فيها الطَّاغية وأُصولهُ ونهجهُ وسيرتهُ وتورُّطهُ بدمِ الحُسين السِّبط (ع).

وتلكَ هي عادة الحكَّام الظَّالمين، إِنَّهم يحاولُون دائماً التنصُّل من مسؤُوليَّة الجرائِم البشِعة التي يرتكبونَها خاصَّةً إِذا كانت ردَّة فعل الرَّأي العام شديدةً وعنيفةً ضدَّها.

ولذلك ينبغي أَن لا نمنحهُم فُرصة التنصُّل هَذِهِ، ولا ندعَهُم يبحثونَ عن أَكبُش فِداء يُقدِّمونهُم للرَّأي العام على أَنَّهُم مَن إِرتكبَ الجريمة من دون علمِ الحاكم! أَو بالضدِّ من إِرادتهِ ورغبتِهِ!.

يلزم أَن نسمِّيهم بأَسمائهِم ونُؤَشِّر على جرائمهِم بلا تبريرٍ أَو أَعذارٍ كالقَولِ بأَنَّهم لم يكونُوا يعرفُون بها أَو أَنَّهم لم يقصدُوها وأَنَّ مَن نفَّذها لم يفهم قصدَ الحاكم المُجرم أَو أَنَّ عناصرَ مارقةً هي التي ارتكبت الجريمة من دونِ عِلم الحاكم ومعرفتهِ، وهكذا.

يجب أَن يدفع المُجرم ثمن جريمتهِ على الأَقلِّ بتسميتهِ لعزلهِ وشجبهِ، أَمَّا التَّبرير لَهُ بأَيِّ شَكلٍ من الأَشكال كأَن نرمي الفِعل على غيرهِ فتلك جريمةٌ مُضاعفةٌ كما يصفها القرآن الكريم {وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا}.

وفِي هَذِهِ الحالة فإِنَّ المُجرم الحقيقي الذي يبحث عن كبشِ فداءٍ، وأَنَّ الذي يُبرِّر لَهُ ويصدِّقهُ شريكان في مساعيِ التَّضليل.

ومن اللُّغات الهابِطة التي تنتشرُ هذه الأَيَّام نظريَّة [الشَّخصنة]!.

فأَنت مُتَّهمٌ بشخصَنةِ الأُمور إِذا سمَّيت مُعاوية كمتمرد على الخليفةِ الشَّرعي أَميرَ المُؤمنينَ (ع).

وأَنت تُشخصِنُ الأُمور إِذا سمَّيتَ يزيد كقاتلٍ للحُسينِ السِّبط (ع).

وهكذا في كلِّ قضيَّةٍ تاريخيَّةٍ كانت أَو مُعاصرةٍ.

يلزمكَ أَن لا تُشخصِن الأُمور أَبداً، فلا تقُل أَنَّ [الرَّشيد] قتلَ الكاظِم (ع) ولا تقُل أَنَّ [المأمون] قتلَ الرِّضا (ع) وإِيَّاك أَن تقولَ أَنَّ [هِتلر] هو الذي أَشعلَ الحرب العالمَّية الثَّانية وأَنَّ [صدَّام] هو الذي تسبَّبَ بغزوِ العراق واستباحة سيادتهِ بعد كلِّ الجرائِم البشِعة التي إِرتكبها ضدَّ الشَّعب كحلبجة والأَنفال والمقابِر الجماعيَّة، أَمَّا إِحتلال نصفَ الأَراضي العراقيَّة من قِبل الإِرهابييِّن وإِنتهاك الأَعراض وإِستياحةِ الدِّماء والأَرواح، ومقتل آلاف الشَّباب في سبايكر وأَخواتها، وإِهدار المال العام وتضييع خيرات البِلاد في آلاف المشاريع الوهميَّة، أَمَّا كلَّ هذا الفساد المالي والإِداري والفشل الرَّهيب في إِدارة الدَّولة، فإِيَّاك ثُمَّ إِيَّاكَ أَن تُسمِّ أَحداً فإِنَّك تُشخصِن الأُمور إِذا فعلتَ ذلك!.

أَحسن لَكَ أَن تتحدَّث بالعموميَّات، وإِذا أَردتَ أَن تلعن قتَلة الحُسين السِّبط (ع) فلا تُحدِّد أَسماءاً بذاتِها وإِنَّما أَطلِقَ اللَّعن على عواهنِهِ، وإِلَّا فأَنت إِنسانٌ تتعمَّد شخصنة الأُمور!.

ولقد نظَّرَ وفلسفَ وُعَّاظ السَّلاطين لهذهِ الفكرة بقولهِم [فالجُمهور على عدم جواز لعن الفاسِق المُعيَّن (أَي أَن تُسمِّيه بإِسمهِ)] كما في (روح المعاني ٧٢/٢٦).

أَمَّا أَهلُ البيت (ع) فكانوا يتعمَّدونَ [شخصَنة] الأُمور بهذا المنطِق!.

ففي أَمالي الطُّوسي عن أَبي عبد الله (ع) قال؛ سأَلتهُ عن صَومِ يَوم عاشوراء فقال {ذاكَ يومٌ قُتِلَ فِيهِ الحُسين(ع) فإِن كُنت شامتاً فصُم.

ثمَّ قال {إِنَّ لآل أُميَّة لعنهُم الله ومَن أَعانهُم على قتلِ الحُسين من أَهْلِ الشَّام نِذراً إِن قُتِل الحُسين (ع) وسَلِم من خَرج إِلى الحُسين، وصارت الخِلافة في آل أَبي سُفيان أَن يتَّخذُوا ذَلِكَ اليَوم عيداً لهُم يصومُونَ فِيهِ شُكراً، فصارت في آل أَبي سُفيان سُنَّة إِلى اليَوم في النَّاس، واقتدى بهِم النَّاس جميعاً لذلكَ، فلذلكَ يصومُونهُ ويُدخلُون على عيالاتهِم وأَهاليهِم الفرح في ذَلِكَ اليَوم}.

التَّضليلُ أَخطر الأَسلحة

أَشدُّ الأَسلحةِ فتكاً بالأُمم والمُجتمعات هو سلاحُ التَّضليل الذي يودي بعقلِ المرءِ ويحفظ لَهُ جسدهُ فقط.

وبالتَّضليلِ يستخفُّ الطَّاغوت بعقولِ النَّاسِ فيُحكِم سيطرتهُ عليهِم بطاعتهِم لَهُ كما يصِفُ القُرآن الكريم {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ}.

وكما هو معروفٌ فإِنَّ الإِنسان الجسد بلا عقلٍ يُفكِّر ويتفكَّر قيمتهُ أَقل من دابَّةٍ كما يصفهُ القرآن الكريم {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} على الأَقلِّ فإِنَّ الأَنعام تهتدي بالفطرةِ التي فطرها الله تعالى عليها، أَمَّا الإِنسانُ فاذا جمَّد عقلهُ أَو ضلَّلهُ وغشَّهُ فلن ينفعهُ شيءٌ ليهتدي.

والتَّضليلُ كذلكَ هو أَحد أَخطر الأَسلحة التي يوظِّفها الطَّاغوت لتشويهِ حقائق الأَشياء وخاصَّةً الحركات الإِصلاحيَّة والمصلحُون، وهو الأَمرُ الذي تعرَّضت لَهُ عاشوراء منذُ لحظة وقوعِها وإِلى الْيَوْم، إِذ لازالَ في الأُمَّة مَن يظنُّ أَنَّها خلافٌ عائليُّ أَو صراعٌ على السُّلطة والنُّفوذ أَو ما أَشبه.

لقد بذلَ الأَمويُّون جهوداً كبيرةً جداً لتشويهِ صورة عاشوراء وكلَّ ما يتعلَّق بها، فلقد استهدفَ الإِعلام الأَموي الحُسين السِّبط (ع) وأَهداف كربلاء.

حتَّى الكوفة التي كانت حاضنةَ النَّهضة الحُسينيَّة ورائدة الإِنتماء العلوي المُخلص شوَّهَ صورتها الإِعلام الأَموي، وللأَسف فلقد انطلى التَّضليل على الكثيرِ مِن النَّاسِ إِلى الْيَوْم، فتراهُم يتداولُون أَقوالاً بحقِّ الكوفةِ وأَهلها هي بالأَصل قالها طُغاة أَمويُّون قتَلة، إِلَّا أَنَّهم ينسبونَها إِلى أَميرِ المُؤمنينَ (ع) مثلاً زوراً وبُهتاناً.

وفِي المُقابل، لا أَحدَ يتذكَّر فيتداول أَقوالَ أَئمَّة أَهل البيت (ع) والتي عبَّروا فيها عن مَكانةِ الكُوفةِ وأَهلها عندهم، كقولِ أَميرِ المُؤمنينَ (ع) يُخاطبُ فِيهِ الخُلَّص من أَصحابهِ في الكُوفةِ {أَنْتُمُ الاَنْصَارُ عَلَى الْحَقِّ، وَالاِخُوَانُ في الدِّينِ، وَالْجُنَنُ يَوْمَ الْبَأْسِ، وَالْبِطَانَةُ دُونَ النَّاسِ، بِكُمْ أَضْرِبُ الْمُدْبِرَ، وَأَرْجُو طَاعَةَ الْمُقْبِلِ، فَأَعِينُوني بِمُنَاصَحَة خَلِيَّة مِنَ الْغِشِّ، سَلِيمَة مِنَ الرَّيْبِ، فَوَ اللهِ إِنِّي لاََوْلَى النَّاسِ بِالنَّاسِ!}.

وكانَ (ع) يَقُولُ في الكُوفةِ {إِنَّ مكَّةَ حرمُ إِبراهيم (ع) والمدينةَ حرمُ رسول الله (ص) والكوفةَ حرمِي} ويقولُ {الكوفةُ كنزُ الإِيمان وجُمجمةُ الإِسلامِ وسيفُ الله ورمحهُ يضعهُ حيثُ يشاء، والذي نفسي بيدهِ لينصرَنَّ الله جلّ وعزّ بأَهلِها في شرقِ الأَرْضِ وغربِها كما انتصرَ بالحِجازِ}.

ولشدَّة ما تعرَّضت، وتتعرض لَهُ، الكوفة للظُّلم والقَهر والتَّزوير والتَّضليل بسببِ ولائِها لأَميرِ المُؤمنينَ (ع) كانَ يَقُولُ {ما أَشدَّ بلايا الكُوفة، لا تسبُّوا أَهلَ الكُوفةِ فوالله إِنَّ فيهِم لمَصابيحُ الهُدى وأَوتادُ ذكرٍ، والله ليدقَّنَّ الله بهِم جَناحَ كُفرٍ لا ينجَبرَ أَبداً}.

وعن محمَّد الحلبي عن أَبي عبدِ الله (ع) أَنَّهُ قال {إِنَّ الله عرضَ ولايتَنا على أَهْلِ الأَمصار فلَم يقبلها إِلَّا أَهل الكُوفة}.

وعن عبدِ الله بن الوَليد قال؛ دخلنا على أَبي عبد الله(ع) فسلَّمنا عليهِ وجلسنا بينَ يدَيهِ، فسأَلنا؛ مَن أَنتم؟ فقُلنا؛ من أَهْلِ الكُوفةِ، فقالَ (ع) {أَما إِنَّهُ ليس بلدٌ من البلدانِ أَكثر مُحِبّاً لنا من أَهْلِ الكُوفةِ، إِنَّ الله هداكُم لأَمرٍ جهِلهُ النَّاس، أَحببتمُونا وأَبغضنا النَّاس، وصدَّقتمُونا وكذَّبنا النَّاس، واتَّبعتمُونا وخالَفنا النَّاس، فجعلَ الله مَحياكُم مَحيانا ومماتكُم مماتنا}.

لذلكَ ينبغي أَن نكونَ على حذرٍ شديدٍ عندما نتحدَّث عن عاشوراء وما يتعلَّق بها وإِلَّا فسنظلم أُناساً كثيرُون بل سنظلم أَنفسنا لأَنَّنا سنخلط على أَنفسِنا الأُمور فيضيعُ، رُبما، الحقُّ عندما نشيعُ الباطل من حيثُ لا نُريد {وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}.

ينبغي أَن نتعاملَ مع كلِّ روايةٍ تاريخيَّةٍ فيها أَدنى شُبهةٍ عن عاشوراء وكربلاء والحُسين الشَّهيد السِّبط (ع) في إِطارِ مفهوم الآية الكريمةِ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} وهي الآيةِ التي حذَّر فيها المُشرِّع من مغبَّة الظُّلم بسببِ التَّضليل والجهل بالنَّقل والتَّناقُل.

إِنَّ الأَصلَ في عاشوراء قدسيَّتها ومكانتها الخاصَّة عند الله تعالى وعندَ رسولهِ الكريم وأَهلِ بيتهِ (ع).

إِنَّ التثبُّت يجنِّبنا النَّدم، كما أَنَّ التروِّي قبل أَن ننطِق بالمعلومةِ أَو ننشرَها يجنِّبنا كذلك النَّدم.

لقد كان الأَمويُّون أَشدَّ الحُكَّام حذراً من معرفةِ النَّاسِ الحقائق حتى أَنَّهم عمدُوا إِلى عزلِ جيوشهِم التي يقاتلُون بها أَهل العراق وأَميرَ المُؤمنينَ (ع) خوفاً من أَن يختلطُوا بهم فيتأَثَّروا بهم إِذا عرفُوا الحقائق.

ولقد وصفَ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) ذَلِكَ بقولهِ {أَلاَ وَإِنَّ مُعَاوِيَةَ قَادَ لُمَةً مِنَ الْغُوَاةِ وَعَمَّسَ عَلَيْهِمُ الْخَبَرَ، حَتَّى جَعَلُوا نُحُورَهُمْ أَغْرَاضَ الْمَنِيَّةِ}.

كما أَنَّ الطَّاغية المتجبِّر والي الخليفة الأَموي عبد المَلك بن مَروان على العراق، الحجَّاج بن يوسُف الثَّقفي، بنى مدينة [واسط] لأَهل الشَّام الذين قاتلَ فيهم أَهل الكوفة على وجهِ التَّحديد لكي لا يختلطُوا مع الكوفيِّين ويتأَثَّرون بهم على الرَّغمِ من أَنَّ الشاميِّين هُم المُنتصرُون في الحربِ وأَنَّ الكوفيِّين هُم المهزُومينَ فيها، وهيَ من المُفارقات العجيبة، إِذ أَنَّ من طبيعةِ الأَشياء هو أَنَّ الجيش المهزُوم هو الذي يتأَثَّر بالجيشِ المُنتصر وليس العكس، وهذا إِن دلَّ على شَيْءٍ فإِنَّما يدلُّ على قوَّة الحُجَّة والمنطق الذي يتميَّز بهِ شيعةُ أَمير المُؤمنينَ (ع) ، مُنتصرِينَ كانُوا أَم مُنكسرِين!.

‏ nazarhaidar1@hotmail.com

انقر لاضافة تعليق