من المعلوم لدى من يمتهنون مهنة الكتابة ان كل كاتب اذا اراد ان يسبر اغوار موضوع ما فأنه يتناوله من زواياه المختلفة واغراضه المتعددة، فاذا اراد ان يكتب فيه مجددا يقوم بتكرار المعلومة السابقة ولم يأتي بشيء جديد ليقدمه الى القارئ، لكن واقعة الطف الخالدة لا تنطبق عليها السطور السالفة فهي في حقيقتها عطاء ثري ومعين لا ينضب ما ان تعاود الاقلام والانامل الى الكتابة حتى تجد ذلك الينبوع المتدفق المليء بالعطاء طوع لبناة افكارك واخص بالذكر هنا دم الامام الحسين عليه السلام الذي اريق في سبيل الحرية وتجسيد الانسانية.

الامام الحسين عليه السلام استطاع ان يرسم بدمه الطاهر الطريق القويم الذي اراده ان يكون سراجا ينير درب الاحرار وملهم للإنسانية جمعاء، لذا بقيت رسالته عالقة في قلوب العاشقين وراسخة في نفوس المستضعفين الذين ينشدون الحرية والتخلص من الظلم على مر العصور.

دم الحسين المسفوك على صحراء كربلاء من اجل احقاق الحق وعدم الركون الى الظالم، وهو ما ظهر في خطبة السيدة زينب عليها السلام بمجلس يزيد، حيث تمكنت من فضح عنف وبشاعة السياسية الاموية القائمة على الظلم والاضطهاد والاجرام، اذ لم تتوانى عقيله بني هاشم من جعل دم النحر الحسيني ملهما لها في مشروعها الثوري ورسالتها الفكرية المنبعثة من رحم الفكر المحمدي السماوي.

ما حل بأهل بيت النبوة في كربلاء كان تعبيرا حيا وواقعيا عن القلب البصير المنغمس بالحب الالهي ونابعا عن الفطرة السلمية البعيدة عن حب الذات والأنانية، فلم يكن خروج الامام الحسين عام 61 هجرية مقتصرا على المنفعة الشخصية وتحقيق مكاسب ذاتية بل كانت ثورته الاصلاحية تعد دعوة صريحة لتصحيح الانحرافات في مسار الامة والتخلص ممن هد القيم الاسلامية عبر ممارساته اللانسانية وغير المنطقية.

فلو تأملنا قليلا في اقوال الكثير من قادة الثورات وعلى مدى قرون خلت نجدهم يتخذون من الامام الحسين عليه السلام انموذجا يحتذون به لتحقيق النصر واكمال مشروعهم الاصلاحي او النهضوي، فترى ما جرى في واقعة الطف الاليمة بمثابة الملهم لديمومة مواقفهم الاعتراضية على السياسات الجائرة من قبل حاكميهم.

وان هم ما يميز الثورة الحسينية ويعطيها صبغة خاصة عن باقي الثورات التي حصلت قبلها وبعدها هو انها لم تكن وقتية مقتصرة على ما حصل في كربلاء يوم العاشر من المحرم، اذ من الواضح ان جميع الحركات التي تتخذ من الاصلاح منهجا تسير عليه وهدف تسعى لتحقيقه نراها واضعة اسس ومبادئ تلك النهضة نصب اعينها لا تحيد عنها في مجمل تفاصيلها.

فلا تزال الفرصة قائمة لان تتخذ الشعوب المضطهدة من قبل السلطات الجائرة بحقها من النهج الحسيني القائم على محاربة الظلم وانتزاع الحقوق من غاصبيها الشرارة الاولى لاندلاع الثورة العارمة، وهنا اود ان اطرح التساؤول الآتي والذي ينحصر بمعرفة اسباب خنوع الشعوب ورزوخها تحت مطرقة الانظمة الحاكمة؟.

ربما يعود السبب وراء ذلك هو ابتعاد تلك الشعوب ومن بينها العربية عن وهج الثورة الحسينية المتجددة وقبولهم بالواقع المعاش، فترى روح المقاومة والرفض قد غيبت لديهم وهو ما اراد الحاكمون ترسيخه في نفوسهم، من خلال تقريب البعض منهم وجعله السيف المسلط على رقاب العامة، فبمجرد ان تنطق بالحق وتحاول قلب المعادلة سرعان ما تجد نفسك في متاهات السجون تدفع فاتورة قول الحق ورفض الظلم.

المجتمعات الانسانية اذا ارادت ان تعيش حياة حرة كريمة ما عليها سوى السير في سبيل الحسين الذي بذل مهجته من اجل تقويم الاعوجاج الذي اصاب الخط الانساني والذي ابتعد كثيرا عن القيم السماوية والرسالة المحمدية التي جاءت من اجل ان يكون الانسان حرا وغير مكبلا بالقيود.

لن تتخلص الامم من الطغيان السياسي ما لم تقوم بتحطيم عروش الظالمين والعمل على مواجهة الاستبداد، فأول الطريق أن تسترد الأمة إرادتها وتستعيد قوتها في محاربة الافكار الظلامية التي لا تريد بالعباد خيرا ولا للمجتمع سعادة.

إن الدم المبارك للحسين وأصحابه وأولاده الذي سال على رمضاء كربلاء ظلما وعدوانا بقي مخلدا في سماء الملاحم والشجاعة وميادين العزة والكرامة فلا يزال الدم القاني يغلي ويطلب منا جميعا الثأر وعدم القبول بالذلة بأي شكل من الاشكال.

فمن يقلب صفحات التاريخ الإسلامي يجد أن كربلاء كانت ولا تزال نقطة ثابتة، فهي واحدة من اهم نقاط التحول التي عاشتها الانسانية بعد البعثة النبوية الشريفة وهي امتداد للرسالة المحمدية التي انتشلت المجتمعات آنذاك من مستنقعات الجهل والظلالة وهدتهم الى طريق الهداية والصلاح.

عند قتلهم لسبط النبي الاكرم اعتقد الطغاة ان دم الحسين عليه السلام كدماء غيره، وان الدهر كفيل بنسيان جرائمهم الوحشية، لكنهم تناسوا ان الثورة الحسينية مؤيدة من قبل الله جل وعلا وهو من ارادها ان تكون بهذه الشاكلة، فجعل في قلوب المؤمنين حرارة لن تنطفأ ابدا، وسيبقى الحسين ودمه الطاهر شعلة في طريق الاحرار ورايته نبراسا لجميع الثوار.

انقر لاضافة تعليق