يعيش المسلمون كل عام في شهر محرم الحرام ذكرى فاجعة كربلاء الأليمة، تلك الفاجعة التي استشهد فيها الحسين بن علي بن أبي طالب سبط الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وثلة من أهل بيته الكرام وأصحابه الأخيار على يد طاغوت عصره (يزيد بن معاوية)، وزبانيته (عبيد الله بن زياد وعمر بن سعد وغيرهم)، بصورة يندى لها جبين الضمير الإنساني وتأباه كل الأعراف والقيم الأخلاقية، ناهيك عن القواعد والأحكام الإلهية.

وفي هذه الذكرى المحزنة، يظهر المسلمون عموما وأتباع أهل البيت عليهم السلام بشكل خاص من مظاهر الحزن والأسى والحرقة والألم ما لا يظهره الإنسان على أعز الناس لديه في ساعة فقده، والسؤال المثير للجدل والنقاش عند النخبة الأكاديمية والثقافية هو: هل أن ما يظهره المحبون من انحياز وموالاة لأهل البيت عليهم السلام ناتج عن دوافع عاطفية محضة أم هناك أسباب موضوعية كامنة خلف هذا الانحياز؟.

الإجابة عن هذا التساؤل المشروع تحتاج إلى التجرد من التخندقات الطائفية التي تشهدها الساحة الإسلامية في الوقت الحاضر، والتي ألقت بظلالها وتأثيراتها السلبية على المتخندقين تحت لوائها. كما تتطلب التحرر من التاريخ بثقل أحداثه، وصراعات رجالاته، وتراكماته السلبية، من جهة. ومن جهة أخرى يجب تناول الموضوع انطلاقا من حاجات الحاضر ومتطلبات بناء الإنسان والعمران في مطلع الألفية الثالثة.

الأطروحات الفكرية الكبرى ومدرسة أهل البيت عليهم السلام

شهد القرن العشرين على الساحة العالمية تصارع ثلاث أطروحات فكرية رئيسة منها ما ثبت إفلاسه وتهافته ومنها ما زال مستمرا التصارع والحوار بين أقطابه ودعاته، وهذه الأطروحات تمثلت بـــ: الرأسمالية، والشيوعية، والقومية.

فقد أثبتت أحداث ذلك القرن ومطلع القرن التالي أن الرأسمالية على الرغم من التحسينات التي يمكن إدخالها على قواعدها وقيمها الأصلية لا زالت متوحشة تعزز سيطرة القلة الثرية من أصحاب الشركات الوطنية وعابرة القومية ومن يلف في فلكها من السياسيين والعسكريين وأصحاب النفوذ على حساب مصلحة الأكثرية من أفراد الشعب، فتبيح في سبيل هذه السيطرة كل الأدوات والوسائل المشروعة وغير المشروعة من سياسات التجويع والاحتكار، وإثارة النزاعات والحروب الداخلية والدولية، إلى التجارة بالبشر لأغراض الجنس وكمرتزقة وتجار حروب بالنيابة، فضلا عن تقديسها المتنامي للثقافة الفردية، مستغلة التقدم في مجال التكنولوجيا والتقنيات الحديثة لتحقيق أهداف ما كان يحلم بها الرأسماليون في القرن الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين والنصف الأول من القرن العشرين، ويكفي ليستدل المرء على هذه الحقائق مراجعة إحصاءات الأمم المتحدة المتعلقة ببيان الفجوة التي تفصل بين الأغنياء والفقراء، ليكتشف استمرار اتساع هذه الفجوة بشكل خطير على المستوى العالمي، بسبب توحش الرأسماليين وتكييفهم الاقتصاد العالمي لمصلحتهم، وكان من تأثيرات هذه الأطروحة امتهان كرامة الإنسان لاسيما المرأة، وتهديم كيان الأسرة وتفسخها، وانحلال منظومة القيم، حتى أن الرئيس الأمريكي السابق (ريتشارد نيكسون) قال في احد كتبه ما معناه: إن أمريكا قلعة حصينة لن تنهار بسبب عدوان خارجي، لكن ما سيقود إلى انهيار أمريكا انحلال منظومة القيم الداخلية لدى شعبها.

أما مؤلفا كتاب (انتحار الغرب) فعلى الرغم من مدحهما للحضارة الغربية وثقافتها الرأسمالية يصفان حال الغرب اليوم بالقول: ".. إن القرارات المهمة تتخذ بشكل متزايد على المستوى الفردي، وهكذا فان المجتمع لا يستطيع أن يستمر بالازدهار ما لم يتصرف معظم الناس تصرفا مسؤولا، وان الإشارات المنذرة واضحة في كل أنحاء الغرب، مع وجود دلائل كثيرة على التفكك الاجتماعي، والاستهلاكية القسرية، والانحطاط، والتواكل، والأنانية الشخصية الساحقة، والتراجع إلى الغسق النفسي من عوالم شخصية محضة، ومخصصة " (ريتشارد كوك وكريس سميث، انتحار الغرب، ط 1، 2009، ص 307)، والدول الرأسمالية، أصبحت لا تخرج من أزمة اقتصادية حتى تدخل في أزمة أخرى، وقد تصل تطورات الأحداث في هذه البلدان إلى مستويات عصية على الحل، مما يثير احتجاجات شعبية حادة، تكون نتيجتها هروب زعماء هذه البلدان إلى اصطناع حروب إقليمية وعالمية مدمرة للتخلص من الضغوطات الشعبية المتصاعدة، كما حصل بعد الكساد الاقتصادي الكبير في مطلع الربع الثاني من القرن العشرين، نعم إن الغرب قد امتلك آليات متطورة للتحكم ومنع اندلاع الحروب بين أطرافه، لكن لا يوجد ضامن يمنع من تخيل مثل هذا السيناريو.

أما الأطروحة الثانية الكبرى التي تصاعد نجمها في القرن العشرين فكانت الشيوعية، والجميع يعلم أن هذه الأطروحة إنما جاءت كرد فعل على سلبيات الرأسمالية، إلا أن مسيرتها العملية أثبتت أنها أطروحة مليئة بالثغرات والعيوب، إذ أخرجت البشر من سيطرة الرأسماليين، لتجعلهم رهينة بيد الدكتاتوريين من قادة الحزب الشيوعي، فلم تحرر الناس اقتصاديا لأنها استعاضت عن رأسمالية أصحاب رؤوس الأموال برأسمالية الدولة، وفوق ذلك استعبدتهم جسديا في ظل نظام استبدادي بشع قل نظيره تاريخيا، كما قتلت الإبداع لدى الناس نتيجة ما ادعته من مساواة حادة تتنافى مع جميع المعايير الأخلاقية المعمول بها بين البشر، فضلا عن تجريدها الإنسان روحيا لسببين: الأول اخراجها الإنسان من عملية صنع التاريخ وتحويله إلى آلة تتحكم بها قواعد المادية التاريخية والجدل الديالكتيكي، والثاني محاربتها للأديان بصرف النظر عن حاجة الإنسان للدين أي كان دينه، وقديما قال ميكافيلي في كتابه المطارحات: ليس أدل على انحطاط أمة من الأمم من أن ترى الدين فيها محل إهمال وعدم احترام، وبالفعل قادت أخطاء الشيوعية الكبيرة إلى تهافت فكرتها وانهيار دولتها على الرغم من كل التقدم التكنولوجي والتقني الذي تمتعت به هذه الدولة، فكانت النتيجة هجر هذه الأطروحة نهائيا من قبل البعض أو محاولة ترقيعها وإصلاحها من قبل آخرين.

وفيما يتعلق بالأطروحة الثالثة أي القومية، فلم يبتدع العقل الإنساني الحديث والمعاصر أطروحة أكثر إفلاسا منها، ولا يقصد من هذا الرأي محاولة إنكار حقيقة حب الإنسان لأمته وقومه، فهذا رأي تأباه مبادئ علم الاجتماع والنفس والسياسة والتاريخ، لكن ما ينكر على هذه الأطروحة تعصبها الأعمى لعرق بعينه ومحاولة منظريها وسياسييها فرض سيادة وسيطرة هذا العرق على الأعراق الأخرى، وقد سقط هؤلاء بسبب انقيادهم وراء منطلقات فكرية غير صحيحة في أخطاء قاتلة منها التعصب الفكري والاستبداد السياسي، وإثارة الحروب المدمرة، والجمود والعجز عن بناء دولة ناجحة، وأخيرا انهيار أنظمة الحكم التي أوجدوها، وقد تساوى في هذا المصير كل القوميين سواء أكانوا ألمان أو ايطاليين أو عرب أو غيرهم، وباتت الدعوات القومية وفقا لهذه القواعد في الوقت الحاضر تعبر عن أفكار يحملها متعصبون غير قادرين على التكيف مع التطورات الثقافية والحضارية المعاصرة كاليمين المتطرف في أوربا واسيا وبعض مناطق أفريقيا وغيرها.

إن هذه الحقائق عن أكبر الأطروحات الفكرية في عالمنا المعاصر توصلنا إلى نتيجة مفادها عجز هذه الأطروحات عن تلبية الحاجة الإنسانية في الوقت الحاضر لكثرة العيوب والثغرات في منطلقاتها الفكرية وتجاربها العملية وعدم الثقة بالقائمين عليها. إذا لا بد من وجود أطروحة أخرى تستجيب لمتطلبات بناء الإنسان والعمران، تتلافى كل عيوب وثغرات النظريات السالفة الذكر، وهذه الأطروحة تنطوي عليها مدرسة أهل البيت عليهم السلام، التي تتميز بجملة أمور منها ما يلي:

أولا: عصمة أئمة (قادة) هذه المدرسة وطهارتهم

وقد بين هذه العصمة قوله تعالى في سورة الأحزاب، الآية 33: (.. إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)، وبصرف النظر عن التفاسير التي تعرضت لهذه الآية، وحاولت تحديد من هم أهل البيت، إلا أنها تتفق على أن الآية شملت عليا وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام أو اقتصرت عليهم (محمد جواد مغنية، التفسير الكاشف،المجلد السادس، ص 217)، ومدرسة أهل البيت عليهم السلام تنطلق من هذه الآية في تثبيت عصمة الأئمة، ولا تعطي هذه الميزة لغيرهم، إذ بعد الأمام الثاني عشر (عج) لا يقول احد من فقهاء وأتباع هذه المدرسة بعصمته من الخطايا والذنوب، مما يجعل كل إنسان سوى الأئمة خاضع قوله وفعله إلى الأخذ والرد عليه بالدليل والبرهان انطلاقا من نص القرآن، وصحيح الحديث والرواية عن الرسول وأهل بيته عليهم السلام، والدليل العقلي الإنساني. وهذا الأمر سيفسح المجال إلى سعة الأفق الفكري من جهة، في الوقت الذي تستند المنطلقات الفكرية إلى مرجعية يمكن الاطمئنان إلى صدقها، وهي مرجعية الرسول وأهل بيته المعصومين المطهرين، التي لن تجدها في أطروحات الرأسماليين والشيوعيين والقوميين وغيرهم.

ثانيا: العدل

والعدل في اللغة خلاف الجور والظلم، وتذهب مدرسة أهل البيت إلى جعله أصلا مهما من أصول الدين، تنهد عقيدة من لا يقول به، إلى جانب التوحيد والنبوة والإمامة والمعاد، كما يكون شرطا أساسا في تولي الإنسان لمنصب الرئاسة العليا في الدولة، ومرجعية التقليد، والقضاء، وحتى إمامة الصلاة..، وتأكيد هذه المدرسة على العدل تجد مصاديقه في نصوص القرآن الكريم، وصحيح سنة الرسول (ص)، وقد أكثر أئمة أهل البيت عليهم السلام من ذكر وجوبه في الوالي وغيره، وأدل الأمثلة على ذلك ما تركه الإمام علي عليه السلام من أقول ووصايا، إذ قال في كتابه الشهير إلى واليه على مصر مالك بن الأشتر ما نصه: "أنصف الله، وأنصف الناس من نفسك، ومن خاصة أهلك، ومن لك فيه هوى من رعيتك، فانك إلا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض حجته، وكان لله حربا حتى ينزع أو يتوب، وليس شئ أدعى إلى تغيير نعمة الله، وتعجيل نقمته، من إقامة على ظلم، فان الله سميع دعوة المضطهدين، وهو للظالمين بالمرصاد. وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق، وأعمها في العدل، وأجمعها لرضى الرعية، فان سخط العامة يجحف برضى الخاصة، وان سخط الخاصة يغتفر مع رضى العامة، وليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤونة في الرخاء، وأقل معونة له في البلاء، وأكره للإنصاف، وأسأل بالإلحاف، وأقل شكرا عند الإعطاء، وأبطأ عذرا عند المنع، وأضعف صبرا عند ملمات الدهر من أهل الخاصة، وإنما عماد الدين، وجماع المسلمين، والعدة للأعداء، العامة من الأمة، فليكن صغوك لهم وميلك معهم"، (نهج البلاغة شرح محمد عبده، ط1، ص 459-460).

وسيقترن التأكيد على العدل بالتأكيد على المنظومة الحقوقية المحترمة للحاكم والمحكوم، كما يظهر من قول الإمام عليه السلام: "فإذا أدت الرعية إلى الوالي حقه، وأدى الوالي إليها حقها، عز الحق بينهم، وقامت مناهج الدين، واعتدلت معالم العدل، وجرت على أذلالها (وجوهها) السنن، فصلح بذلك الزمان، وطمع في بقاء الدولة، ويئست مطامع الأعداء. وإذا غلبت الرعية واليها، وأجحف الوالي برعيته اختلفت هنالك الكلمة، وظهرت معالم الجور، وكثر الادغال (الإفساد) في الدين، وتركت محاج السنن، فعمل بالهوى، وعطلت الأحكام، وكثرت علل النفوس، فلا يستوحش بعظيم حق عطل، ولا لعظيم باطل فعل، فهنالك تذل الأبرار، وتعز الأشرار، وتعظم تبعات الله عند العباد " (نهج البلاغة شرح محمد عبده، ط1، ص 360-361). ولم تكن هذه الوصايا مجرد مواعظ، بل كانت منهج عمل وسلوك طبقه الإمام مع القريب والبعيد، والعدل عند أهل البيت مبدأ عظيم ينطوي على منظومة متكاملة من القيم كالوسطية (الخيرية والأفضلية)، والاعتدال والاستقامة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والرفق والتسامح والتأكيد على اجتماع الكلمة والتقوى والورع..

ثالثا: العلم

يشكل العلم أساس قيام مدرسة أهل البيت، فهي مدرسة تلتف حول من تجدهم أكثر الناس علما ومعرفة بمستنبطات الأحكام من مصادر التشريع، وأكثر حكمة ودراية بحوادث الأيام. لقد أثبتت الروايات الصحيحة أن أئمة أهل البيت كانوا أكثر أهل زمانهم علما وحكمة، ولم يستطع أحد من الصحابة ومن علماء عصرهم دحض حجتهم واثبات تفوقه عليهم، وليس أدل على ذلك من قول الخليفة الثاني " أنه لولا علي لهلك عمر "، فعلم علي فاق علم جميع الصحابة، وكذلك علم أبنائه من الأئمة. وورد عن أهل البيت كثير من الأحاديث المؤكدة لأهمية العلم في حياة البشر كقول الرسول صلى الله عليه وآله: " اطلب العلم من المهد إلى اللحد "، وقوله:" اطلب العلم ولو كان في الصين "، كما ورد عن الإمام علي عليه السلام قوله:" العلم مقرون بالعمل فمن علم عمل، والعلم يهتف بالعمل فأن أجابه وإلا ارتحل عنه " وقوله: " الناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق ". إن تقديس العلم واحترامه في هذه المدرسة يجعلها لا تقبل أن يكون الحاكم على الناس اقلهم علما ومعرفة وكفاءة، فلا يمكن أن يقود الجهلة وأنصاف المتعلمين شعوبهم مستعملين سياسة الحديد والنار، فيغرقونها في ويلات ومحن لا تعرف سبل الخلاص منها، وهذه القاعدة عند الالتزام بها ستقطع الطريق على المغامرين والطماعين والطامحين من أصحاب الأهواء الذين يتاجرون بالشعارات والبيانات الرنانة لتضليل وخداع الناس من اجل تحقيق مصالحهم الضيقة. فهذه المدرسة مدرسة العلم والكفاءة، والدليل والحجة والبرهان، لخير الناس وصلاح الأرض واعمارها، لا مدرسة الجهل والتخلف والفرقة والتنازع والدمار لمصلحة قلة من طلاب المناصب وعباد الدرهم والدينار من الذين باعوا ضمائرهم ودينهم بأبخس الأثمان.

رابعا: الإيثار ومحبة المستضعفين ومساعدتهم

لا تقوم مدرسة أهل البيت على سحق الضعفاء والمساكين من الناس واحتقارهم كما تفعل الرأسمالية والأنظمة الأبوية الفاشلة، وكما فعلت الشيوعية والقومية، بل هي مدرسة الإيثار والحب الكبير للضعفاء من الناس، فتؤكد على معونتهم ومساعدتهم وأداء الحقوق إليهم وترقية حسهم الإنساني، انطلاقا من قيم الإسلام وأحكامه الجلية والواضحة، دل على ذلك قوله تعالى في سورة الإنسان الآية 8- 9 { وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً • إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً}، إذ نزلت هذه الآيات بحق الإمام علي وأهل بيته عليهم السلام، والمسكين واليتيم والأسير الذين ساعدهم أهل بيت النبوة وقدموهم على أنفسهم يمثلون جانبا من الطبقات المستضعفة في المجتمع، ولما كان قول الأئمة وفعلهم وتقريرهم واجبة الإتباع في مدرستهم، إذا يجب على أتباعهم جعل الاهتمام منصبا على مساعدة هذه الطبقات وحمايتها ومحبتها وإيثارها على النفس، بدلا من الاهتمام بالمترفين من أصحاب النفوذ والسلطان، وهذا الأمر سيجعل من مدرسة أهل البيت مدرسة تستوعب كل الطبقات المحرومة في المجتمعات المعاصرة فتنميها وتطورها وتساعدها في الدفاع عن حقوقها وحرياتها، وتتكفل بتأسيس نظام للرعاية الاجتماعية يفترض به أنه يكون على مستوى عال من الكفاءة والفاعلية، لان منطلقات بناء هذا النظام لا تؤسس على مقتضيات الواجب الإنساني – الأخلاقي فحسب، بل سيؤكدها الواجب العقائدي – الديني، فهل نجح أتباع هذه المدرسة في بناء هذا النظام ضمن إطارهم الاجتماعي على الأقل؟.

إن الحاجة إلى صفات الإيثار والرحمة والإنسانية في العالم المعاصر، جعلت كاتبي (انتحار الغرب) يتوصلان إلى خلاصة مفادها: أن مصير الغرب اليوم يتوقف على".. أن يخلق حضارة رحيمة إنسانية على نحو كامل، وحرة وثرية، بفضل إطلاق الآمال، واهم من ذلك، إطلاق الصفات الممكنة والأخلاقية، لجميع شعبها.. لتكون نموذجا جذابا جاذبية كافية، لتستنهض معظم الإنسانية " (انتحار الغرب، ط1، 2009، ص 314 – 315).

خامسا: التاريخ يحكم لصالح مدرسة أهل البيت

يدرس التاريخ من منظارين مختلفين: الأول يرتبط بالعمران والحضارة، والتاني يرتبط بالإنسان، فمن يدرس التاريخ بالمنظار الأول قد تعجبه المنجزات العمرانية والحضارية للدول الماضية والحاضرة، كالدولة الأموية و العباسية والعثمانية والشيوعية (الاتحاد السوفيتي السابق) والأمريكية والصينية وغيرها، لأن هذه الدول وأمثالها قد حققت وتحقق منجزات عمرانية مذهلة، لكن مثل الدراسة للتاريخ تكون بعين واحدة لا تبصر ما قام عليه العمران الحضاري من ألم ومعاناة، وانحراف عن منهج الحق، وسحق لكرامة الإنسان وامتهان لحقوقه، وتشويه لكيـانه المتمـيز على بقية المخلوقات.

أما من يدرس التاريخ بالمنظار الثاني فلا تبهره المنجزات العمرانية على أهميتها، بقدر ما ينشغل بحركة التاريخ كحركة متدفقة ترتبط ببناء الإنسان وتقدمه، فيكون بناء الإنسان مقدم على بناء العمران وتحقيق الانجاز الحضاري وسبب للوصول إليه. والمنظار الأخير يجب أن يكون الأساس في دراسة التاريخ وتحليل أحداثه، لان الأمم والدول القوية لا تكون قوية بمنجزاتها الحضارية التي قامت على دموع البشر ومعاناتهم، بل تكون قوية بقدرة قياداتها والمسؤولين فيها على بناء الإنسان الضامن لديمومة العمران الحضاري واستمراره وتقدمه إلى الأمام أكثر. وهذه الحقيقة تشكل لب علم الإدارة والاقتصاد المعاصر وآخر ما توصل له منظروه من نظريات، فكما يقول ريتشارد كوك وكريس كريس سميث: ".. ليست الآلات أو مالكوها هم من يقف في مركز المسرح، مركز الأهمية الكبيرة، بل هم الأفراد المبدعون، فالناس لا يخترعون التقانة الجديدة فقط، انهم هم التقانة الجديدة.. فالمادة الأولية للصناعات الخلاقة هي البيئة المحيطة، وهي الناس والأفكار، فالآلات تكمل، ولكنها لا تغتصب الخيال الإنساني.. فالحواسيب، وأنظمة الاتصال، وفك الرموز الوراثية وبرمجتها كلها مضخمات للعقل الإنساني وامتدادات له " (انتحار الغرب، ط1، 2009، ص 168-169).

وعند تقييم مدرسة أهل البيت بمنظار بناء الإنسان، تجد أن التاريخ منسجم مع نفسه، وتتدفق حركته إلى الإمام، وركيزته الأساسية بناء الإنسان ككائن فريد سخر الله عز وجل الكون بمجمله لخدمته، وليس مجرد آلة عاجزة تتحكم به عوامل الطبيعة أو الإنتاج أو الطغاة وأصحاب النفوذ، فقد ورد عن الرسول (ص) قوله: الإنسان بنيان الله ملعون من هدمه، وعلى هذه الركيزة استندت كل أقوال وأفعال أئمة أهل البيت، فلم يكن المحرك الأول لهم عليهم السلام هو تحقيق الانجاز العمراني فحسب، بل حفظ الكيان الإنساني وتقدمه في معراج السمو والرفعة، لذا تجد أن الأمم والدول والأطروحات الفكرية تنهار الواحدة تلو الأخرى بينما تستمر وترتقي هذه المدرسة لكونها تستند إلى أساس صحيح وقاعدة صلبة، وسنة إلهية أثبتتها آيات القرآن الكريم عندما ذكرت أحوال الأمم السالفة التي كان هم قادتها ومسؤوليها بناء العمران على حساب كرامة الإنسان، فانهار عمرانها وانتقض حكمها كالفراعنة والاتابعة وعاد وثمود وغيرهم.

المشاكل والتحديات

إذن، الاصطفاء والطهارة، والعلم والكفاءة، والعدل بمنظومته القيمية المتكاملة، والإيثار والرحمة ومساعدة الطبقات المستضعفة والمظلومة، وبناء الإنسان وترقيته كمقدمة لبناء العمران والحضارة، هي الركائز الأساسية التي تقوم عليها مدرسة أهل البيت عندما تتحرك صوب بناء نظام الحكم والإدارة، وهي ركائز ما أحوج الإنسانية إليها في مطلع الألفية الجديدة، إذ تعاني جميع الحضارات والمجتمعات المعاصرة من جملة من المشاكل والتحديات التي لن تتوصل إلى حلها وتجاوزها بصورة صحيحة وآمنة إلا من خلال اعتماد هذه الركائز، وهذه المشاكل والتحديات تتمثل بما يلي:

1- تزايد انعدام الثقة بين الشعوب وحكامها، نتيجة لسوء الحكام وعدم تلبيتهم لتطلعات شعوبهم، وارتكابهم لحماقات كثيرة لاسيما في عالمنا الإسلامي، بسبب تغليبهم المصلحة الخاصة على المصلحة العامة، حتى أصبحت سياسة الحكام في الوقت الحاضر ينطبق عليها قول الشاعر:

يسوسون الأمور بغير عقل...فينفذ حكمهم ويقال ساسة

فـأف للـــحياة وأف منهـــم...ومن زمن رياسته خساسة

2- انعدام العدالة الاجتماعية، وتزايد الفجوة بين القلة الأغنياء والأكثرية الفقراء، بسبب سوء نظم الإدارة ومبادئ الاقتصاد المعمول بها، والتي تميل بمجملها لمصلحة الأغنياء.

3- تنامي مـخيف لمعدلات الفسـاد عالميا بشكل عــام، وفي عالـمنا الإسلامي بشكــل خاص.

4- غياب العدل، وتنامي مشاعر الإحساس بالظلم عالميا، لاسيمــا بين الطبقـات المستضعفة.

5- ضياع الكثير من الثروات الإنسانية، نتيجة التركيز على برامج التسلح وتحقيق المنجزات العمرانية الترفية، تلك الثروات التي كان يمكن لها أن تنقذ ملايين البشر من الحرمان.

6- تصاعد التطرف الديني والعرقي وظهور الكثير من الأزمات والمشاكل على مستوى كوكب الأرض.

7- عدم قناعة القوى الشعبية في عالمنا الإسلامي ببعض المنطلقات الفقهية ذات العلاقة بعهود الانحطاط التي بنيت عليها المدارس الإسلامية غير المرتبطة بأهل البيت عليهم السلام، والتي ركزت على الصبر وطاعة الحاكم برا كان أو فاجرا، وان الحاكم الذي تشتد وطأته تجب طاعته بصرف النظر عن طريقة إدارته للحكم وبناء الدولة، فقامت بثورات تنكر فيها هذه المنطلقات الفقهية، مما يؤشر لبداية مرحلة جديدة من المراجعة لكثير من القواعد الفقهية المتعارف عليها في هذه المدارس.

8- عدم وجود مرجعية قيمية – أخلاقية ضابطة للتطورات التقنية ووسائل الاتصالات الحديثة، خلقت مشاكل كثيرة لدى الشباب والأطفال، فاقمت مشاكل الأسرة، وسرعت تفككها في مختلف المجتمعات.

إن هذه المشاكل والتحديات الإنسانية الخطيرة وغيرها يمكن حلها بتبني المنطلقات الفكرية التي تقوم عليها مدرسة أهل البيت عليهم السلام، والتي تمثل قواعد وأحكام الإسلام الحنيف، ولكي تفهم هذه المدرسة بشكل صحيح، لا بد من إعادة دراستها من خلال مراجعة سير أهل البيت عليهم السلام من قبل أهل المعرفة والاختصاص، لاكتشاف جواهر ما تركوه من معرفة إنسانية لم تفسح عهود الانحطاط المجال لاكتشافها والاستفادة منها، لاسيما تلك المعرفة المرتبطة بنظم الإدارة والحكم، وحقوق الناس وحرياتهم.

من خلال ما تقدم، يمكن القول: إن الانحياز إلى مدرسة أهل البيت يعد انحيازا موضوعيا عقلانيا لا يرتبط بالدوافع العاطفية فقط، وأي انحياز إلى هذه المدرسة يستند إلى عاطفة جياشة غير مبصرة يشكل خطرا عليها أكثر مما يشكل تعزيزا وترسيخا لها، لأنه سيكون انسياقا واندفاعا أعمى وراء التعصب والهوى، وهكذا انحياز يخشى منه لقول الإمام علي عليه السلام "أول الفتن أهواء تتبع وأحكام تبتدع، وآخرها حق مضيع ". ولكن في الوقت نفسه لا تنفصل العاطفة عن موضوعية الانحياز، بدليل أن واقعة الطف كحدث ملهم في هذه المدرسة شكلت العاطفة رمزا لثوارها، فكان التدفق الأبرز لهذه العاطفة من قائدها الفذ الإمام الحسين عليه السلام، فقد انهمرت دموع الأمام مرات عدة ولأسباب مختلفة: مرة لأجل الأعداء الذين لم يكن يرغب في دخولهم النار نتيجة قتلهم له، ومرة لأجل ولده علي الأكبر عند استشهاده، ومرة على أصحابه الأوفياء، ومرة على أخيه أبي الفضل العباس عليه السلام. إن مرافقة الدمعة للموقف المبدئي الصلب والثابت، جعلت الحسين ثائرا من طراز خاص، فما يميزه عليه السلام عن أي ثائر آخر في التاريخ ليست عبرة موقفه فقط، وإنما عبرته التي انسكبت على آله وأصحابه وأعدائه، والتي لولاها لما اختلف عن أي ثائر قاس القلب يضحي بكل شيء من اجل الوصول إلى أهدافه بصرف النظر عن الأدوات والوسائل.

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية، والمقال نشر في شبكة النبأ في محرم الحرام/1434

انقر لاضافة تعليق