معن حمدان علي

 

من أهم موضوعات علم الاجتماع السياسي نظرية النخبة السياسية، التي يذهب أنصارها إلى أنها حقيقة موضوعية، لأن الشواهد التاريخية وواقع المجتمعات السابقة والمعاصرة، تتميز بوجود أقلية حاكمة، محتكرة لأهم المناصب السياسية والاجتماعية، وبيدها مقاليد الأمور، وأغلبية محكومة منقادة وليس لها صلة بصنع القرار السياسي بشكل عام.

ومع أن عمر تبلور هذه النظرية قد زاد على نصف القرن، إلا أن اللبس والغموض يصاحبها من جوانب كثيرة ومهمة، منها علاقتها مع النظم الشمولية والديمقراطية، آليات اختيار وعمل هذه النخبة، العلاقة ما بين النخبة السياسية والاجتماعية وهكذا.

لقد أسهم كارل ماركس وماكس فيبر في تأسيس علم الاجتماع السياسي من خلال دراستهما لتطور النظريات السياسية وصلة ذلك بالمجتمع إلا أن تطور هذه النظرية قد وجه سهام النقد للنظرية الاشتراكية فضلا عن النظريات الديمقراطية، لأن نظرية النخبة تشكك بالصحة العلمية لكلا النظريتين، وتبني تحليلها للنظام السياسي انطلاقا من حقيقة القلة الحاكمة والأغلبية المحكومة.

ولكن ما هي النخبة؟ وهل اتفق منظورها على صياغة موحدة لتعريفها؟ ربما كانت دراسة بوتومور حول النخبة والمجتمع من أهم الدراسات التي حاولت أن تفجر كثيرا من الأسئلة حول نظرية النخبة والاجتهادات النظرية فيها تاركة الإجابة على كثير من الإشكالات للزمن الذي سيعتمد دراسة هذه النظرية وسيجد الإجابات على ما قصرت الدراسات المتواجدة عن الإجابة عنه.

ومن رواد نظرية النخبة العالم باربتو، وهو يرى أن النخبة هم اؤلئك الذين يتفوقون في مجالات عملهم في (مباراة الحياة) وحين يجد أن هذا التعريف مستوف يستدرك الأمر وينتقل إلى المجال الأضيق في تعريف النخبة، فيقوم بربط مفهوم النخبة الاجتماعية بقدرة هؤلاء المتفوقين على ممارسة وظائف سياسية أو اجتماعية تخلق منهم طبقة حاكمة ليست بحاجة إلى دعم وتأييد جماهيري لأنها تقتصر في حكمها على مواصفات ذاتية تتمتع بها، وهذا ما يميزها ويؤهلها لاحتكار المناصب.

ويأتي الرائد الثاني موسكا الذي يضيف على تعريف باربتو قائلا إن من أهم أسباب تميز الطبقة الحاكمة عن الطبقة المحكومة- وهو هنا لا يأخذ بالمدلول الماركسي لمعنى الطبقة- هو قوة تنظيم الأولى، ووجود دافع وهدف معين تسعى إليه في مواجهة أغلبية غير منظمة، إلا أنه يؤكد على أهمية اعتماد طبقة الحاكمين على موافقة ورضى الجماهير، وهذا الطرح يقرب ما بين نظرية النخبة السياسية والديمقراطية عكس ما انتهى إليه باربتو.

لقد انطلق الرائد الثالث ميشيال روبرتو في تعريف للنخبة السياسية من خلال واقع عمل الأحزاب السياسية ليكتشف بأن هناك عوامل متباينة تحدد طبيعة عمل التنظيمات بدءا من الحزب إلى الدولة، فهو يرى أن النشأة الديمقراطية للأحزاب تتحول بمرور الزمن إلى تنظيمات خاضعة إلى حكم قلة من الأفراد، لأن التنظيم يحتاج إلى أقلية منظمة، وهذه الأقلية تستحوذ على السلطة من خلال موقعها في مركز اتخاذ القرار، وهو ما يسمى بالأقلية الذي لم يلتفت إليه ماركس في دراساته السياسية.

أما الرائد الرابع رايت ملز ومن خلال دراسته لمجتمع الولايات المتحدة الأمريكية، فقد ربط بين النخبة وقدرتها على التحكم بموقع اتخاذ القرار، فهي نتاج للبناء المؤسساتي للدولة، وقد وجد أن مؤسسات ثلاث هي المتحكمة في أمريكا وهي العسكرية والسياسية والشركات الكبرى، وهذا معناه أن النخبة تتشكل من أولئك الذين يشغلون مواقع قيادية في هذه المؤسسات.

ويؤكد بوتومور في كتابه النخبة والمجتمع أن ملز متأثر في تعريفه بضغوط الصراع العالمي التي شغلت أمريكا في عصره، وتصنيفه إنما هو بالتالي إشارة إلى تتابع الإحداث.

إن هذا التباين والاختلاف في تعريف النخبة جعل بوتومور غير قادر على حسم الموضوع، أو أن يعطي تعريفا متميزا، لذلك فهو يحاول إعطاء توليفة من تعريفات من سبقوه وبشكل حذر، حيث يميز بين (النخبة) بشكل عام، والأقلية التي تحكم المجتمع، فيقول (إذا استعملنا الاصطلاح العام (النخبة) لتلك الفئات ذات الوظائف، فإننا عندها نحتاج مصطلحا نطلقه على تلك الأقلية التي تحكم المجتمع، وهي ليست فئة وظائفية بالمعنى الذي تستعمل فيه هذه الكلمة، ولكنها في أية حالة من الأحوال ذات أهمية اجتماعية عظيمة مما يجعلها جديرة بأن يكون لها اسم خاص مميز، سأستعمل هنا مصطلح موسكا (الطبقة السياسية) للإشارة إلى كل تلك الفئات التي تمارس السلطة أو التأثير السياسي والتي تمارس السلطة السياسية أو التأثير السياسي والتي تدخل في صراعات مباشرة في سبيل القيادة السياسية، وسأميز فئة صغرى ضمن الطبقة السياسية، وهي النخبة السياسية الشاملة للأفراد الذين يمارسون السلطة السياسية في مجتمع ما في وقت من الأوقات).

وهذا يعني أن بوتومور يرسم هرما نخبويا داخل المجتمع في قمته الممارسون للسلطة السياسية أو من يسميهم بالنخبة السياسية، وفي قاعدته النخبة المجتمع، أي كل الفئات ذات الوظائف المتميزة، وفي وسطه الأقلية المنبثقة من القاعدة أو النخبة الاجتماعية والتي تشترك بالحياة السياسية، ممارسة واهتماما، وتدخل في صراع مباشر للوصول إلى السلطة والاستحواذ عليها، والتي يسميها بالطبقة السياسية، وهذا يعني بشكل أو بأخر أن النخبة السياسية التي تتربع على قمة الهرم تتميز بأنها غير ثابتة في موضوعها، فيمكن أن ينزلوا ليصبحوا من الطبقة السياسية، وحتى من عناصر عاديين في النخبة الاجتماعية.

وهو بهذا التعريف لا يميز بين النخبة السياسية وغيرها بالأفضلية والتفوق، حيث يعتبرهم من في يدهم مقاليد السلطة السياسية، إلا أنه يميز بشكل أو بآخر عقوبة النخبة السياسية بالمفهوم السابق ومن يعتبرهم (طبقة سياسية) فيقصر عقوبة النخبة السياسية بالممارسين الفعليين للسلطة أما الناشطون سياسيا من أحزاب معارضة ونقابات وجمعيات ومثقفون فهم يدمجون في إطار الطبقة السياسية.

لقد ساهمت وبشكل مباشر كل هذه الدراسات النظرية في تقارب التعريفات الأخرى مع ما جاء به بوتومور فعرفت القواميس الإنجليزية كلمة (النخبة Elite) بأنها أقوى مجموعة من الناس في المجتمع، ولها مكانتها المتميزة، وذات اعتبار، أما القواميس الفرنسية فعرفت النخبة أنها تضم أشخاصا وجماعات الذين بواسطة القوة التي يمتلكونها أو بواسطة التأثير الذي يمارسونه، يشاركون في صياغة تاريخ جماعة ما، سواء كان ذلك عن طريق اتخاذ القرارات أو الأفكار والاحساسات والمشاعر التي يبدونها أو التي يتخذونها شعاراً لهم.

* مقال نشر في مجلة النبأ-العدد 79-رمضان1427/تشرين الثاني 2005

انقر لاضافة تعليق