من الظواهر المسلَّم بوجودها في واقعنا الحالي، هشاشة المنتَج الثقافي في العراق، فقد تمّ تأشير هذه الظاهرة دونما عناء، نظرا لوجودها بقوة في حياة العراقيين، علما أن لهذا الضعف الثقافي الواضح أسبابه وظروفه، وكذلك توجد المعالجات اللازمة لتلافيه، لكن قضية المعالجات تحتاج إلى رؤية ثاقبة، بدءًا من وضع الخطط العلمية المدروسة، وليس انتهاءً بكيفية تحويلها إلى واقع تطبيقي منجَز.

هناك من يرى بأن الثقافة لا يمكن أن تكون سلعة اقتصادية مثمرة، ولا يمكن إنتاجها والترويج لها وتسويقها، وبعضهم يعتقد بأن الثقافة شيء معنوي غير محسوس، ولا يمكن تحويله إلى سلعة يتم التربّح منها كما يحدث ذلك مع السلع الأخرى، في حين تؤكد معطيات عديدة في دول متقدمة ثقافيا، بأن الثقافة منتَج له دوره الحاسم في تحسين أوضاع الفرد والمجتمع.

لماذا ينظر العراقيون إلى الثقافة بشيء من الدونية والاستخفاف، لاسيما حين يتعلق الأمر بتحسين ظروف الناس وتطوير أوضاعهم الاقتصادية؟، والسؤال موجَّه بالدرجة الأولى إلى المسؤولين على الثقافة سواء كانوا في القطاع الرسمي، أو القطاع المدني، فالكل باستثناء القلّة ينظرون إلى الثقافة بأنها عاجزة عن تقديم ما يثبت كونها عامل حاسم في التطوّر، ولذلك هم غير متحمسين للإيمان بدور الثقافة التطويري للمجتمع.

قد يعترض بعضهم على تساؤلنا أعلاه، لكن معطيات الواقع العراقي تؤكد بما لا يقبل الشك بأن دور الثقافة لدينا ضامر وضعيف ومضمحل، وقد يكون في طريقه إلى الاندثار والضياع، فيما لو بقيت الأوضاع والتعاملات مع الثقافة كما عليه اليوم، من قبل المسؤولين عن الفعاليات والأنشطة الثقافية المختلفة.

أهمية إنتاج السلع الثقافية

فالمسؤولون الرسميون لا يرون في الثقافة كمنتَج يمكن أن يطور حياة الناس، ولا يعتقدون بأن (المسرح و الخبز يمكن أن يصنع شعبا مثقفا)، وهناك بينهم من قادوا الثقافة الرسمية وهم لا يؤمنون بقدرتها على تطوير المجتمع والدولة، ولا ينظرون إليها كمنتَج فاعل وحتمي في مسألة التطور، لذلك ينظرون لها بعين واحدة، أو كما يُقال يتعاملون معها باستخفاف.

لكن الثقافة في واقع الحال، وكما نرى في ثقافات عالمية شاخصة، هي منتَج فاعل تمكن من انتاج وتطوير السلع الثقافية بما يضاهي مفعولها السلع الإنتاجية الأخرى، فالمسرح طوّر حياة تلك الأمم، والشعر شذّب من ذائقة الكثير، والسينما طورّت سلوك الناس، والروايات غيّرت تلك الأمم نحو الأفضل، وكذلك الفنون فعلت ما يجب حين طورّت حياة الناس.

ماذا فعلت ثقافتنا نحن؟، أين مسرحنا؟، وأين دور السينما والأفلام الغنية بمضامينها وأحداثها وأفكارها، وأين الدواوين الشعرية الفارقة في تحسين الذائقة وتطوير الوعي الفردي والجمعي، لقد اندثرت مسارحنا، وتراجع مسرحنا أشواطا إلى الوراء، فيما تحولت صالات السينما في بغداد وغيرها إلى مخازن للسلع التجارية التي أغرقت أسواقنا بالمنتَجات التافهة.

هذا هو الواقع الثقافي الذي لا يمكن التغاضي عنه أو الهرب منه، الفنون التشكيلية أيضا ضمرتْ وتراجعت، وأغلقت قاعات المعارض الشخصية والجماعية أبوابها، ولم تعد هناك قاعة أو غاليري (الأورفلي) مثلا، تلك التي كانت تغص بالزوّار المتشوقين للفن الذي يطور خيالهم، ويحسّن ذائقتهم، ويجعلهم ينظرون لحياتهم من نوافذ الفنون الجميلة.

تنمية دور المؤسسة العلمية ثقافيا

حتى المدرسة أو الجامعة كمنتِج ثقافي، أين دورها في تخريج أجيال طافحة في الحياة، طامحة بآفاق لا حدود لها، المعلم الذي كان رمزا لنا جميعا، بات اليوم هدفا للاعتداء من طلابه أو من ذويهم، وهكذا تحولت المدارس والجامعات من مصانع للثقافة، إلى مصانع لتخريج أفواج من الطلبة الذين يطمحون بدرجات عالية جدا كي يصبحوا أطباءً ومهندسين، لكن عقولهم لا تحمل من العلمية أو الثقافة الرصينة ما يكفي.

والسؤال هنا، ما فائدة طالب علمي قليل الثقافة، يتقن دروسه بطريقة آلية تلقينيّة، لكنه غير قادر على تحليل أصغر الأمور وأبسط المواقف، فالمدرسة تحولت من مصنع للعلم والثقافة، إلى مكان يخرّج آلافا من الطلاب غير المثقفين، هدفهم الحصول على وظيفة وراتب لتأمين العيش العادي، ولا حاجة لهم بالثقافة والعقلية الرصينة المبدعة المبتكِرة، كل هذا وسواه يعود لتحوّل الثقافة من الإنتاج إلى البطالة والتعطيل بسبب الإهمال الرسمي والمدني على حد سواء، وإن كان الرسمي أكثر وضوحا وأكبر مسؤولية.

اليوم نحن بحاجة إلى استعادة الانتاج الثقافي، وإيقاظه من سباته الطويل، يجب تفعيل المسارح في بغداد وكل المحافظات الأخرى، يجب أن يصبح المسرح منبعا للثقافة المجتمعية ونشر القيم الجيدة كما كان، ولابد من إعادة الروح لصالات السينما، وبث الحياة في قاعات الفنون التشكيلية، يجب أن يؤمن الجميع بدءًا من الدولة، الحكومة، المجتمع، الفرد، بأن الثقافة منتج مهم وحاسم، لا يمكن التطور والتقدم من دونها مطلقا.

اضف تعليق