الترصّد مفردة تعني المراقبة والمتابعة لإحصاء الأخطاء أو الأفعال الجيدة، لكن غالبا ما توحي هذه الكلمة بانفراط الثقة بين المترصّد والمرصود، فالأول المترصّد هو الشعب العراقي، والطرف الثاني المرصود وهو الحكومة، أما سبب الرصد فهو بسبب التجارب المريرة التي خاضها العراقيون مع حكوماتهم، سواء قبل نسيان 2003، أو بعد هذا التاريخ حيث بدأ العهد الديمقراطي، وانزاح العهد الدكتاتوري.

في كلا العهدين لم تكن علاقة الشعب العراقي جيدة مع حكوماتهم، والدليل فقدان الثقة الشعبية بهذه الحكومات، والأسباب لا تحتاج إلى توضيح، فكل الأمور واضحة وكل الأسباب معروفة، حيث شاعت أساليب العنف والبطش والقمع الحكومي في العهد الدكتاتوري، بينما شاع الفساد والخداع والصفقات المشبوهة في العهد الديمقراطي.

والسؤال الأم المطروح والمتداول بين أفراد ومكونات الشعب اليوم هو: لماذا يسعى الجميع تقريبا إلى رصد حكومة السيد السوداني؟، ومن هؤلاء الذين يترصَّدونها؟، وهل من حقهم ذلك أم لا؟، وأخيرا ما الهدف من هذا الترصّد الشديد؟

العراقيون كلهم يترصدون الحكومة الجديدة، والأسباب معروفة للجميع، فهذه الحكومة أعقبت حكومات فاشلة، أوصلت العراق والعراقيين إلى حافة الهاوية، وجعلت من شعب العراق فقيرا على الرغم من أنه يمتلك (150) مليار دولار، في خزينة الدولة، ويمتلك ما يقارب (90) مليار دولار من العملات الصعبة في البنك المركزي.

نهش الأموال العامة

لكن مع كل هذه الأموال الهائلة التي يمكن أن تهدم العراق إلى الأرض وتبنيه من جديد وفق أحدث الطرازات البنائية المعمارية وسواها، يبقى هذا البلد يئن من جرثومة الفساد التي استوطنته وتأبى تركه، لأنها استمرأت الحال و وجدت ضالتها فيه، فالكل يسعى لنهش الأموال العامة باستثناء الشعب (الفقراء والطبقة المتوسطة غير المستفيدة)، أما الآخرون فإنهم يتنعمون في ظل فحش الفساد ويستظلون بنعمته فيديمونها عمدا.

الترصّد الشعبي لحكومة السوداني تكوَّن لأسباب كثيرة نجملها بحالات الإخفاق الهائلة التي أحرقت الأخضر واليابس في العراق، حتى بلغ الأمر بوزارة الموارد المائية مثلا، أنها تبشّر العراقيين بتأمين ماء الشرب (لهذا الموسم) وتقصد موسم الصيف، أي أن الوزارة نجحت في توفير الماء لستة أشهر قادمة، وفيما بعد لا يعلم النتائج إلا الله، هذه وزارة واحدة من وزارات تتوقف حياة العراقيين عليها كالكهرباء والتجارة والنفط والمالية والدفاع وغيرها، وسبب هذا التدهور كله، زرع جذور الفساد وتنميته وسقيه بالدعم المتواصل عبر الصفقات المشبوهة التي آلت بالعراقيين إلى أوضاع لا يحسده عليها أحد.

العيون كلّها تترصد حكومة السوداني، وتنتظر هفوة واحدة لا أكثر لكي تشتعل الشرارة الأولى من توسونامي لا يبقي ولا يذر، حذر منه مراقبون دوليون وإقليميون ومحليون، لكن جميع المؤشرات أو معظمها تشير إلى أن الطبقة السياسية (الأحزاب والكتل) لا تزال تدور في فلك المغانم والتنازع والتصارع على المناصب والأموال، وكأن الحكومات السابقة القريبة تكرّر نفسها، وهذا ما أكدته مصادر إعلامية حول تقاسم الوزارات والنزاع الشديد حولها بين الأحزاب والكتل، مع أنها خوّلت السوداني باختيار كابينته بحرّية تامة و وفق معايير الكفاءة والنزاهة، ومن دون تدخل الأحزاب ولا الكتل السياسية.

أسباب مراقبة الحكومة الجديدة

لكن بحسب نتائج الرصد الإعلامي والشعبي، وحتى السياسي المستقل، لا تزال لعبة تقاسم (الكعكة) تدور رحاها بين المتنافسين أو الأصح المتنازعين على السلطة والمناصب، وهذا يعني أن الطبقة السياسية لم تستوعب الدرس بعد، أو أنها لا تريد استيعابه.

بل هي لا تبالي بذلك أصلا، كما فعلت الحكومات السابقة التي لم تستطع تخليص العراق والعراقيين من حبال الفساد التي تلتف حول رقبته منذ عقود، بل زادتها متانة لتضيّق الخناق على الطبقة الفقيرة أكثر فأكثر، وليزداد الفقر، ويسوء التعليم، وتضعف الخدمات، ويتدهور قطاع الصحة.

إذًا قضية الترصّد موجودة وحاضرة وفاعلة أيضا، وهي متأهبة لكي تلتقط أي خطوة فشل في الحكومة الجديدة، لهذا على هذه الحكومة بدءًا من أعلى مسؤول فيها أن تفهم وتعرف بأنها مرصودة، وإنها كما يقول مراقبون دوليون ومحليون مطالَبة باستيعاب الدرس جيدا، وقد تكون قارب الإنقاذ الأخير الذي ينتظره الغرقى من العراقيين وهم كثر كما يبيّن الواقع.

وهكذا فإن الأسباب التي تدفع الجميع لمراقبة حكومة السوداني خطوة بخطوة، واضحة وكثيرة، وجميعها في غاية الأهمية، كونها الأسباب التي تتعلق بتحسين حياة العراقيين وتعديل المسارات المنحرفة، والتصدي لملفات خطيرة (الفساد، المياه، الأمن، الخدمات، التعليم، الاقتصاد) لا يمكن أن يستعيد العراق عافيته من دون مواجهتها وتفكيكها والقضاء عليها، وهي ملفات مفهومة ومعروفة لأبسط العراقيين، فما بالك بالكابينة الجديدة للسيد محمد شياع السوداني، فالأخيرة تعرفها جيدا وبدقة تامة وعليها التصدي لها بحزم وإرادة قاطعة.

اضف تعليق