متى يمكن أن تكون السلطة منصفة، ومتى توصف بأنها عادلة؟، وهل هناك بالفعل سلطة منصفة وعادلة؟؟

غالبا ما يقترن توصيف السلطة بالتصوّر السلبي لها، ولكن هناك قرائن تاريخية وواقعية تثبت أن السلطة يمكن أن تكون منصفة وعادلة، ولها إيجابيات وسلبيات، وخير الحكام هو الذي يعرف إيجابيات السلطة ويطبقها، والسؤال الأهم ما هي السلطة الإيجابية وكيف يصبح الحاكم ناجحا في حكمه وإدارته للسلطة؟

مبادئ سهلة من حيث المعنى، يمكنها أن ترفد الحاكم بالنجاح، لكنها صعبة من حيث التنفيذ، فالعدالة مفهوم واضح للجميع، والكل يعرف ماذا تعني العدالة، لكن الصعوبة القصوى تكمن في خطوات تطبيقها فعليا بين الناس، فهل الحاكم قادر على المساواة بين ما يمنحه لمؤيديه ومعارضيه، أو بين ما يمنحه لابنه وللغريب؟، هذه معايير سهلة و واضحة لمعرفة الحاكم ودرجة النجاح في تعامله مع السلطة.

ما هو الفارق بين النوعين من الحكام، الإيجابي و السلبي؟، إن السلطة بالنسبة للحاكم الإيجابي وظيفة لا أكثر، وعليه أن ينجح في مهمة خدمة الناس من خلال سلطته وليس العكس، أي عليه أن لا يخضع للسلطة ولا ينشغل بحماية العرش عبر أساليب القمع والإكراه، وأن لا ينغمس في وحل السلطة ومحرّماتها، لاسيما أنها كثيرة المغريات والعطايا والمزايا، وهذا ما يجعل منها هدفا للساسة، وهو هدف مشروع، لكن العِبرة تكمن في النجاح أو الفشل عند التعامل مع السلطة أو المنصب.

دور الحاشية في إفشال الحُكم

كل حاكم يريد أن ينجح في إدارة السلطة، عليه أن يتقن جيدا فوائدها وسلبياتها، ويقارن جيدا بين الاثنين، هناك من يسعى لإسقاط الحاكم حتى من مؤيديه دون أن يقصدوا ذلك، فالحاشية مثلا مستفيدة من الحاكم ولا ترغب بإسقاطه عن قصد، لكنها يمكن أن تكون سببا في تدمير العرش والحاكم بأفعالها غير المشروعة، فمنهم من يخدع الحاكم بمعلومات مغلوطة، ومنهم من يمتدح الحاكم حتى في أخطائه.

هذه الأفعال تقوم بها الحاشية كي تحافظ على مصالحها ومكاسبها، لكنها قد لا تعرف بأنها تسرّع في إسقاط الحاكم، وبالتالي تسرّع بالقضاء على مصالحها هي قبل غيرها، وذلك حين يقلبون الباطل إلى حق، ويزيّنون السلطة للحاكم حتى في مكاسبها غير المشروعة، وقد يمنعون الناس من اللقاء بالحاكم توجسا أو خوفا على مصالحهم، وفي الغالب تحرص الحاشية على إخفاء الحقائق عن الحاكم وتزيّن له أفعاله ونتائج قراراته.

من الأمور المعلومة تاريخيا، أن السلطة أو الحكم الإيجابي يقوم على العدالة، ويرتكز على هذه الدعامة القوية، لكن تطبيقها غالبا ما يكون غاية في الصعوبة، لدرجة أن هناك من يقول، إن السلطة تستقطب المخادعين أكثر من الصادقين، فالمخادع يتقرّب للسلطة والحاكم بألف طريقة وطريقة، والمسؤول الصادق يبتعد عنها ويتحاشها، خشية السقوط في إغراءاتها وهي كثيرة، لكن المخادع هدفه الاستفادة غير المشروعة، فلا تعنيه المشروعية من قريب أو بعيد.

تجارب الحكم المثالية

وبالعودة إلى الحاشية أو البطانة، أو المجموعة المقرَّبة من الحاكم أو مركز القرار الأول، فإن معظم الحكام الذين فشلوا في التعامل مع تجربة الحكم، يعود فشلهم إلى عدم تعامل الحاكم بنباهة وصرامة وقوة ووضوح مع حاشيته والمقرّبين منه، لاسيما أفراد عائلته، ففي تجارب حكم عربية وعراقية ليست بعيدة، هناك نماذج متكررة لتجاوزات (ابن الرئيس/ الحاكم، أو صهره، أو عدد من أفرد عائلته)، تجعله يصبح ثريا كبيرا وربما أكبر الأثرياء لأنه ابن أو قريب الحاكم.

هذه إحدى أوضح علامات نظام الحكم الفاشل، فحين يصبح ابن الحاكم ثريا على حين غرة، أو بشكل سريع ومفاجئ، فلابد أن تكون للحاكم يد في ذلك، ولابد أن تكون مؤسسات الدولة المهمة مثل السلطة التشريعية أو القضائية عرضة للاختراق، وإلا لماذا يتمكن ابن الحاكم أو قريبه ثريا في ليلة وضحاها؟؟، هذه الحالة تثير تساؤلات كثيرة حول معايير الحكم، ولماذا يصبح فاشلا أو ناجحا؟

لكن بالنتيجة، لا يمكن وصم السلطة بالسوء أو السلبية دائما، لأننا يمكن أن نعثر على تجارب حكم مثالية، كما أننا يمكن أن نعثر على حكّام نموذجيين، لا يزال العالم يحلم بمثلهم ويتذكر منجزاتهم، ويتحدث بفخر وإعجاب عن تجاربهم في التعاطي مع السلطة، وهذا بحد ذاته، دليل إثبات على أن السلطة يمكن أن تكون منصفة وعادلة وناجحة، ولكن كل شيء يبدأ من ذات السلطة نفسها، فإن اتخذ الحاكم من العدالة طريقا حقيقيا لها، وليس دعائيا، فإنه سوف ينجح وسوف يضيف رصيدا جديدا لتجارب السلطة الإيجابية الناجحة.

اضف تعليق