يشي عنوان هذا المقال بمفارقة التناقض بين مفردتيّ الخطورة والإنجاز، وبتجانسهما أيضا، فالإنجازات المهمة أو الكبيرة غالبا ما تقترن بالمخاطر بشتى أنواعها ومقاديرها أو أحجامها، وهناك من يقول لا يوجد إنجاز مهم من دون مخاطرة بدرجةٍ ما، ومن لا يكون مستعدا للمخاطر لا يمكنه أن ينجز شيئا ما، وهذا قول يقترب من المنطق كثيرا.

لكن هناك من يرى أن ارتباط الخطورة بالإنجاز قد يتحقق بطريقة أو صورة أخرى، فالاقتران الأول في أعلاه بين الخطورة والإنجاز يكون إيجابيا، أما الارتباط الآخر بينهما فمن الممكن أن يكون ذا نتائج سلبية على صاحب الإنجاز، وقد يتساءل أحدهم مستغربا، كيف يلتقي الإنجاز مع النتائج السلبية، في حين أن جميع الإنجازات المهمة تدخل في دائرة التميّز والنجاح، وتصب في صالح (تحقيق الذات) والشعور الإيجابي بأنك أنجزتَ هدفا أو شيئا متميزا تستحق عليه التميّز والنجاح؟

لقد عرفنا الجانب الإيجابي في ترابط الخطورة مع الإنجاز، وهو باختصار عدم وجود إنجاز مهم وكبير دون أن ترافقه خطورة بدرجة معينة، أما نوع هذه الخطورة فقد تكون جسدية، أو مادية، أو حتى معنوية، فالنجاح غالبا ما يثير حسد الآخرين ونقمتهم وسخطهم أيضا، وإن لم يعلنوا عن ذلك، وهذا يشكل مصدر ضغط وأذى لصاحب الإنجاز، ولهذا نجد أن الناجحين غالبا ما يكونوا تحت المرصاد من الفاشلين، بل وحتى من الناجحين الأقل إنجازا.

الغرور والأنانية والنرجسية

الغرابة في حقيقة الأمر تكمن في الخطورة السلبية التي ينتجها الإنجاز، ونعني بها حينما يُصاب صاحب الإنجاز بأمراض نفسية معروفة، غاليا ما ترافق الناس الناجحين إلا ما ندر منهم، فالذي يحقق إنجازا متميزا أو فريدا بين أقرانه أو غيرهم، سوف يكون عرضة أكثر من غيره للإصابة بالغرور، والأنانية، والنرجسية، واللهاث وراء الشهرة والمال وما إلى ذلك.

هذه النتائج السلبية الخطيرة قلما يستطيع أن يتخلص منها أصحاب الإنجازات الفردية الكبيرة، ولذلك يحذّر العلماء وذوو الاختصاص من (خطورة الإنجاز) في جانبها السلبي وليس الإيجابي، وهناك أحداث واقعية وحتى تاريخية تؤكد أن الكثير من أصحاب الإنجازات أصيبوا بأمراض نفسية لم تغادرهم طوال حياتهم.

لذلك رافقت إنجازاتهم حالات مستعصية على العلاج، منها الغرور والأنانية والنرجسية المرضية، لدرجة أنها ضيَّعت قيمة ما أنجزوه بسبب بحثهم عن الشهرة أو المال أو حتى النفوذ، بعد أن حققوا إنجازا عجز عن تحقيقه الآخرون سواء كانوا من أقرانهم أو غيرهم، وفي هذه الحالة يُثار تساؤل جاد و واقعي، ما فائدة الإنجاز الذي يطيح بصاحبه ويسقطه في قبضة الأمراض النفسية التي قد لا تستعصي على المعالجة؟

هل يعني هذا الكلام، أننا يجب أن نستغني عن الإنجازات، وأن نلوذ بالاختفاء ونكف عن البحث والجدية ونغلّف ذكاءنا وقدراتنا بحالة تراجع وسكون وعدم مبادرة نحو الإنجاز؟

البحث المستمر عن الابتكار

بالطبع لا يعني التحذير من الإنجاز أن نكف عنه، وأن لا نحاول ونسعى لاكتشاف وابتكار الجديد دائما، بل لابد من القول أن حياة الإنسان إذا خلتْ من الإنجازات سوف تخلو من أية قيمة عالية، فالإنسان الذي يعيش بلا إنجاز متميز ومختلف عن إنجازات الآخرين، لا قيمة لحياته بل هو يولد ويعيش ويمضي دون أن يترك بصمةً مهمة تميزه عن غيره في الحياة.

ولكن هذا لا يعني أن لا نفكر بالخطر الذي يحيط بنا كأصحاب إنجازات، بمعنى أن صاحب الإنجاز هو محق في جهده وبحثه وسعيه وجدّيته، وهو يستحق التشجيع والدعم في محاولاته كافة لتحقيق الإنجاز، لكنه في نفس الوقت مطالَب بمعرفة أن الإنجاز لن يتحقق من دون أن ترافقه مخاطر، بعضها قد يقوده إلى خسائر هائلة.

ما هي هذه الخسائر؟، أولها الخسارة النفسية، فما فائدة أن تكون صاحب إنجاز وأنت تعاني من أمراض نفسية تنغّص حياتك، وتجعلك تعيش في عالم غريب من الصراعات النفسية العصية على العلاج؟، وثاني هذه الخسائر المكانة الاجتماعية، فالناس لا يحبون المتعالي ولا يحترمونه حتى لو كان صاحب أعظم إنجاز، بل يهملونه ويبتعدون عنه، ويحذرون من التقرّب إليه، وفي هذه الحالة لن تكون هناك أي قيمة أو ثمن لإنجازه.

ما المطلوب إذن؟، المطلوب هو التوازن النفسي والسلوكي الذي يجب أن يرافق أعظم إنجازات وابتكارات الإنسان، والمطلوب هو أن المبتكِر أو المكتشِف أو المنجِز يجب أن يكون أكثر توازنا وتواضعا، مع كل إنجاز كبير ومهم يقوم بإنجازه، ومن الأفضل له أن يحتكم إلى المعادلة الطردية التالية:

كلما زادت وتعاظمت إنجازاته يجب أن يزداد تواضعه وتوازنه.

اضف تعليق