من التناقضات الغريبة التي تجتمع في شخصية الإنسان، حبّه للسلطة عندما تكون له، وكراهيته لها عندما تكون لغيره، وقلّما يقارن بين الحالتين، أي بين السلطة حين تكون له، وبين السلطة حين تكون عليه لكي يتعامل معها في الحالتين بشكل صحيح، فهو يندمج ويتفاعل ويفرح بالسلطة حين تكون من نصيبه ويستفيد من مزاياها ومنافعها له، وعلى العكس من ذلك يمقتها ويناصبها العداء، وينتقص منها حين تصبح من حصة غيره.

في حين إن الأصحّ أن يتفاعل بإيجابية مع السلطة في كلا الحالتين، فحين يكون حاكما أو مسؤولا أو مديرا أو رئيسا، عليه أن يحب السلطة ليس بسبب المنافع التي تغدقها عليه، والجاه والنفوذ والسيطرة والهيمنة على الناس، بل يحبها لأنها فرصة لمساعدة الناس والتذليل من مشاكلهم ومصاعبهم، والارتقاء بهم كأفراد وأناس قست عليهم الحياة، وهو الحاكم القادر على جعل الحياة أخفّ وطأة عليهم.

هل يمكن أن يتفاعل صاحب السلطة بطريقة إيجابية مع الحكم وكيف؟، بالطبع يتمكن أي صاحب سلطة من التعامل الإيجابي مع سلطته، وتوظيفها لتمكين الناس من العيش في دعة وأمن واستقرار، ولكن يتطلب ذلك شرطا أساسيا، وهو شرط صعب التطبيق لكنه ليس مستحيلا، هذا الشرط هو الحكم بعدالة بين الناس من دون استثناء، في هذه الحالة سوف تكون السلطة خادمة للحاكم وليس العكس.

وهكذا فإن السلطة لها إيجابيّات ولها سلبيات، وخير الحكام هو الذي يعرف إيجابيات السلطة ويطبقها، والأقل سوءاً من الأول، هو الحاكم الذي يعرف الإيجابيات لكن لا يطبقها في قراراته وإدارته، والأكثر سوءاً من بين جميع الحكام هو الذي يجهل إيجابيات السلطة وبالتالي يجهل تطبيقها، والسؤال الأهم ما هي السلطة الإيجابية وكيف يكون الحاكم حاكما إيجابيا؟

من هو الخادم الذليل للسلطة؟

الحاكم السلبي هو الذي لا يرى إلا نفسه وذويه وحاشيته، ويكون خادما ذليلا للسلطة، ويسعى لحمايتها بأية وسيلة كانت، حتى لو تعارضت مع الشريعة والقانون والأخلاقيات، فالمهم لديه حماية عرشه من السقوط، وما عدا ذلك غير مهم بالنسبة له، فالسلطة عنده فرصة (العمر التي لا تتكرر)، وعليه اغتنامها بأقصى ما يمكن، حتى لو انحدر إلى الدرك الأسفل، عبر قراراته الفردية والإدارية الخاطئة.

الحاكم الإيجابي نسخة مناقضة تماما لنسخة الحاكم السلبي، فهو غير معني بالسلطة لذاتها، ولا ينظر لها كفرصة للثراء، أو لتحسين وضعه وعائلته ومؤيديه، بل هي فرصة لكي يخدم فيها الناس، ويكون واحدا منهم، ولا يفضل نفسه ولا ذويه ولا مؤيديه على الناس الآخرين.

السلطة بالنسبة للحاكم الإيجابي وظيفة لا أكثر، وعليه أن ينجح في مهمة خدمة الناس من خلال سلطته وليس العكس، أي عليه أن لا يخضع للسلطة ولا ينشغل بحماية العرش عبر أساليب القمع والإكراه، وأن لا ينغمس في وحل السلطة ومحرّماتها، لاسيما أنها كثيرة المغريات والعطايا والمزايا التي تجعل لعاب الحكام يسيل لها.

لذا من الواجب على الحاكم الإيجابي أن يبحث في إيجابيات السلطة، ولا ينسى سلبياتها بل عليه أن يفهمها جيدا حتى يتحاشى السقوط فيها، فالحاشية التي تحيط به أو البعض منهم، وربما بعض أقاربه أيضا، والمؤيدين له والمستفيدين منه، يخفون عنه الحقائق ويغطونها بكل الأساليب المتاحة، ويقلبون الباطل إلى حق، ويزيّنون له السلطة ومكاسبها غير المشروعة، ويمنعون الناس عن رؤيته، ويحرصون كل الحرص على إخفاء الحقائق عنه.

الحاكم وكشف ألاعيب الحاشية

هذه الحاشية تدخل في عداء مستمر مع إيجابيات السلطة، وتناصبها العداء، وتخشاها أشد الخشية، لأنها تضرب مصالحها في الصميم، لذلك تحاول أن تضع حاجزا شاهقا بين الحاكم وبين ممارسة السلطة الصحيحة المنصفة العادلة، ولذلك فإن مهمة كشف ألاعيب الحاشية من المهام الكبيرة التي تقع على عاتق الحكام العادلين الإيجابيين.

هناك حكام عادلون منصفون ناجحون وخالدون، أظهرتهم التجارب على مرّ التاريخ، وقدموا دروسا موثّقة في سجلات التاريخ، عن إيجابيات السلطة، وكان عامل النجاح المشترك بين جميع هذه التجارب الناجحة في إدارة السلطة، هو عامل العدالة بكل أشكالها وفروعها، فأولئك الحكام الخالدون لديهم عدالة اجتماعية، و سياسية، و اقتصادية، بمعنى لدبهم عدالة شاملة، طبقوها على الجميع من دون استثناء، وحققوا من خلالها نجاحا على السلطة وبها.

أي أنهم تفوقوا على السلطة من خلال ما أتاحته لهم من صلاحيات وإمكانيات ضخمة، تمكنوا من خلالها الارتقاء على السلطة وبها في خدمة الناس ونشر العدالة فيما بينهم، ولم تستطع السلطة أن تنحدر بهم إلى الأسفل، كما فعلت مع الحكام الذين نظروا إلى السلطة على أنها فرصة للاستحواذ وحصد المزيد من المكاسب المادية الفارغة.

خلاصة القول توافر معيار العدالة هو العمود الأهم الذي ترتكز عليه إيجابيات السلطة، لأن العدالة هي البوابة الرئيسة التي تقود الحاكم إلى تحقيق النجاح في جميع المجالات السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية، والإدارية، وقد تركت لنا تجارب الحكم الناجحة عبر التاريخ، معالم وإشارات واضحة عن تجارب السلطة الإيجابية، وأكدت أن المعيار الأول والأهم والأقوى لنجاحها، يتمثل بالعدالة الشاملة. 

اضف تعليق